تجربة ساراماقو مع الكتابة - جزء أول






 أهلًا،


أتناول هنا جميع أعمال ساراماقو، لنتعرّف كيف تطوّر كلٌّ من أسلوبه الأدبي وأفكاره.



البداية: أرض الخطيئة (1947)


في بداية كل روائي عظيم رواية يتبرأ منها. تأتي رواية «أرض الخطيئة» التي نشرها ساراماقو وهو في الرابعة والعشرين من العمر لتؤكد هذه العبارة. ليس لها ترجمة عربية ولا انجليزية، لأن ساراماقو لم يسمح بترجمتها ولا بإعادة نشرها في حياته، بل تبرأ منها. لكن الترجمة الإسبانية منها صدرت في 2021 تحت العنوان الذي كان ساراماقو يفضله وهو «الأرملة»، قبل أن يغيره الناشر إلى «أرض الخطيئة».


تحكي قصة أرملة تقع في علاقة عاطفية مع أخو زوجها ثم تقرر الاعتراف بذنبها إلى طبيب العائلة. نقل حسن مليطات إلى العربية فصلًا من الرواية في هذه المقالة.


كان ساراماقو آنذاك يعمل لحّامًا، لكنه انتقل بعد نشر روايته الأولى للعمل في مجلة أدبية. ولم ينشر رواية أخرى إلا بعدها بتسعة عشر عاما. لكن بين هذه الفترة كتب رواية «المنور» التي ضاعت مسودتها لعقود طويلة مما هز ثقته بقلمه، أو حسب تعبيره: لم يكن لديه ما يقوله. فاتخذ قرارًا بالتوقف عن الكتابة إلى حين، ثم رجع إلى الكتابة مجددًا وهو يتلمس طريقه ما بين الشعر والنثر، كما سنرى.


المنوَر (1953)


إذا كان لكل روائي عظيم رواية يتبرأ منها، فهو كذلك لديه تجربة سيئة مع دور النشر في إصداراته الأولى.


هذه روايته الثانية من حيث الكتابة. كتبها عندما بلغ الثلاثين، وأرسلها إلى دار نشر. لم يتلقَّ رفضًا من الدار على نشرها ولا موافقة. لم يتلقَّ أي رد. نُسيت في أدراج الدار لسنوات طويلة، ولم ينتبهوا إليها إلا حين أرادوا تغيير مكاتبهم. ولم يكن لدى ساراماقو نسخة أخرى منها. تتحدث أرملته بيلار عن اكتشاف المسودة وقرار نشرها بعد وفاة مؤلفها في هذا المؤتمر الصحفي. وتحدثت عن معاناته مع صمت دار النشر في هذا المقطع.


كانت «المنور» روايته الثانية، وكان من المتوقع أن يستمر في كتابة الروايات بعدها، لكن تجربته مع دار النشر دفعته بعيدًا إلى الشعر، بعد سنوات من الصمت، كما سنرى، ثم سوف نراه يستعيد ثقته في كتابة الروايات بعدما يتجاوز الخمسين من عمره.


لم أتوقع أنني سأستمتع بقراءتها لكونها ثاني عمل روائي له، لكنه عرف كيف ينسج من خلالها قصة عدة عوائل تقطن عمارة واحدة. الرواية تندرج ضمن روايات المباني Apartment Fiction وأقرب مثال لها هو رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني. كذلك الفيلم الأسباني The Motive الذي تناول فكرة تلصص الكاتب على الجيران عبر منور العمارة ليستلهم من أحاديثهم أحداثًا للرواية التي يكتبها.


نعايش فيها متاعب الحياة اليومية لكل عائلة في هذا المبنى. فمثلا هو ينقل لنا النفور الذي يعيش فيه الزوجان، كارمن الإسبانية وإميليو البرتغالي الذي، "لم يكن يكره زوجته، لكنّه تعب من الشقاء"، (ص327). حيث يمتلئ الزوج فرحًا حين تقرر زوجته الإسبانية السفر إلى أهلها، "ساعات قليلة ويُصبح حرًّا. تنتظره ثلاثة أشهر من الوحدة، من الحرّية، من حياة ممتلئة…" (ص406). ويذكر في خضم الخلافات بين الزوجين المثل الشعبي البرتغالي: "من إسبانيا لا يأتي ريح طيبة ولا زواج سعيد". هل كان يرمز من خلال هذه العلاقة بين الزوج البرتغالي وزوجته الإسبانية إلى العلاقة التاريخية بين البلدين؟ وللمفارقة، فقد تزوج ساراماقو من امرأة إسبانية فيما بعد. في هذا المشهد التمثيلي يظهر فيه كل من كارمن وإيميليو وكذلك فضفضة الأب لابنه إنريكيو عن معاناته في العيش في هذا البيت.


لنترك هذين الزوجين وننتقل إلى بيت أنسيلمو المحافظ, حيث تبرز سلطة الزوج على زوجته في هذا الحوار الذي يدور بين أنسيلمو وزوجته بعدما علما أن ابنتهما في علاقة مع شاب (ص292):


- ماذا ستقول لها عندما تأتي؟

كان في نبرتها بعض من وقاحة، على الأقلّ بالنسبة إلى ما ألفه أنسيلمو، المعتاد على الشعور بأنّه ربّ البيت وسيّده. نظر إلى زوجته بعينين معبّرتين، وبعدما أبقاها لبضع ثوان تحت نظرته المركزة

أجاب:

- سأتفاهم معها. وبالمناسبة أودّ أن أقول لك إنّي لست معتادًا على أن يُكلّمني أحد بهذه الطريقة، لا هنا ولا في أيّ مكان آخر.

أخفضت روزاليا رأسها:

- لكنّي لم أقل شيئًا ...

- ما قلته أكثر من كافٍ لإهانتي.

هكذا سيقت روزاليا إلى مكانتها الأساسية كطرف أكثر ضعفًا، وعادت إلى مطبخها الذي كانت تصدر منه رائحة طبق يحترق.

وبينما هي مشغولة بإنقاذ العشاء، محاطة بالأواني، دقّ جرس الباب، فقام أنسيلمو ليفتح.


وتظهر لنا، في تعليق عابر من الراوي على وفاة إحدى الشخصيات، آراء ساراماقو الدينية، "لا يمكن لأحد أن يفسّر كيف أن كائنين لم تعرف الجاذبية طريقًا إليهما (عينا جوستينا كانتا جميلتين ولكن لا علاقة لهما بسحر العيون الجميلة) أنجبا ابنة بنضارة الصغيرة ماتيلدا ورونقها وجاذبيتها. وكأن الطبيعة أخطأت ثمّ استدركت الواقعة لاحقًا وحاولت إصلاح الأمر باسترداد الطفلة وخطفها من هذا العالم". (ص33).


لكن الرواية تنتهي حين تكون الأحداث في قمة تصاعدها, في اللحظة التي يجب على أكثر من شخصية اتخاذ قرار مصيري في حياتها. حينئذ يأخذنا ساراماقو في حوار بين الإسكافي الذي يلخص خبرته في الحياة بأن الحب هو الحل، وبين الشاب الذي يريد أن يعيش حياته.





فاصل من الشعر


بعد تجربته السيئة مع دار النشر التي أضاعت مسودة رواية «المنور»، عاد بعدها بـ13 سنة لينشر ديوان شعر بعنوان «قصائد محتملة» (1966) ثم تبعه بديوان آخر بعدها بست سنوات، وكان قد بلغ الخمسين من عمره، يحمل عنوان «الفرح احتمالًا» (1972)، لم يحظى بأي اهتمام. ويقول عن تلك التجربة: "أفهمتني هذه المحاولات الأولى أن ليس لدي شيء لأقوله. وفي هذه الحال من الأفضل لي أن أسكت".


لم أجد ترجمة عربية لدواوينه الشعرية، لكن ينقل لنا مترجم كتاب «سنة ألف و993» شذرة من إحدى قصائدة بعنوان «أيادٍ نظيفة»:

"عن حركة القتل بكلتا اليدين / طريقةُ عجنِ الخبز ليست مختلفةً (كم هو جيِّدٌ هذا التَّقدُّم! يا لها من راحة! زرٌّ على اليمين يعطي الخبز، وزرُّ على اليسار، بسهولةٍ أُطلقُ بهِ - دون أن أرى - قنبلةً طائرةً، وأُصيبُ العدوَّ)".


ويمكنك الاستماع على يوتيوب، إلى الترجمة الإنجليزية لقصيدة بعنوان المتاهة من ديوانه «قصائد محتملة».


سنة ألف و993 (1975)


هذا الكتاب هو منطقة وسطى بين محاولاته الشعرية وبين كتاباته النثرية. فهو عبارة عن ثلاثين قصيدة نثرية، بأسلوب سريالي. وبدأ قصائده بالإشارة إلى دالي ولوحات الرسم.


كُتبت القصائد بعد ثورة القرنفل التي أنهت حكم إستاد نوفو، خليفة سالازار، ودخلت بعدها البرتغال عهدها الديمقراطي. وتحتوي على مجموعة قصائد سريالية سياسية عن سنة بعيدة في المستقبل. يتكرر ذكر الحاسوب بكونه أداة يستخدمها العسكري أو المحتل للاضطهاد والسيطرة على المضطَهدين. وتكرر في القصائد مفرادت مثل: عسكري ومعركة ومحتل وقبائل.


وسيكون الحديث عن الرسم الذي استهلّ به القصيدة الأولى من هذه القصائد، التي يجمع فيها بين النثر والشعر، هو موضوع روايته التالية «دليل الرسم والكتابة» التي حاول أن يجمع فيها بين الرسم والكتابة.

 

دليل الرسم والكتابة (1977)


في حياة كل روائي عظيم لحظة يقول فيها لنفسه: إما الآن أو أبدًا.


نجحت ثورة القرنفل في منتصف السبعينيات، ودخلت البلاد في صراع سياسي داخلي بين اليمين واليسار. انتهى إلى محاولة تطهير اليساريين. في ذلك الوقت كان ساراماقو عضوًا في الحزب الشيوعي البرتغالي ونائبًا لرئيس تحرير إحدى أهم الصحف البرتغالية التي اتخذت خطًا يساريا، ما أدى به إلى فقدان وظيفته وهو في الثالثة والخمسين من عمره. وأدرك صعوبة حصوله على وظيفة أخرى. فكان قراره أن يعود إلى الأدب وإلى الترجمة بعدما احترقت كل سفنه. ومن نتائج تلك العودة أن خرج برواية «دليل الرسم والكتابة» وبمجموعة قصصية نشرها بعدها بعام.


مع هذه الرواية عثر ساراماقو على أسلوبه الخاص، وهي بدايته الحقيقية في كتابة الرواية بعدما بلغ 55 من عمره. يقول الراوي، الذي تعدى الخمسين، في الصفحة الأولى من الرواية: "لا أريد أن أفكر، في هذه اللحظة، فيما سأفعله إذا أخفقت في كتابة هذا النص". ويقول في موضع آخر: "ماذا أريد؟ أولًا، ألّا أكون مهزومًا. بعدها، إذا كان ممكنًا، أن أنتصر". وفي موضع آخر: "بدأتُ الآن في الكتابة، وأشعر بأني لم أفعل شيئًا آخر مطلقًا أو كأني، في نهاية الأمر، وُلدت من أجل هذا".


كتابته يغلب عليها أسلوب تأملي ومليئة بالوصف، حيث تغلب على لأحداث والحوارات التي تجعل الشخصيات تتقدم. وهذا ما جعلها مملة بالنسبة لي.


الرواية مترجمة أيضا تحت عنوان  «كتاب الرسم والخط».


‏The Lives of Things (1978)


ست قصص قصيرة مليئة بالرمزية عن الحياة في ظل ديكتاتور البرتغال سالازار. نُشرت مباشرة بعد رواية «دليل الرسم والكتابة»، في الفترة التي سخّر نفسه فيها للأدب بعدما فقد الأمل في أي شيء آخر.

يغلب عليها الطابع السياسي. لكن نجاحه في الرواية غطى على قصصه، فلم تنل قراءة واسعة ولم تضيف لمؤلفها أي جوائز. بعدما كتب الشعر والقصائد النثرية والرواية، كانت هذه المجموعة بمثابة تجربته لفن آخر من فنون الكتابة، ولم يعد إليه مرة أخرى.


في 2010 صدر فيلم برتغالي بعنوان Embargo مستوحى من إحدى قصص هذه المجموعة.



مسرحيات


كتب ساراماقو خمس مسرحيات. يقول في إحدى المقابلات بأنه لا يرى نفسه كاتبًا مسرحيًا، بل روائي يكتب من حين لآخر مسرحيات حين يُطلب منه. وكل المسرحيات التي كتبها عُرضت على خشبة المسرح.


أولى مسرحياته هي بعنوان الليل (1979) تدور أحداثها في مكتب إحدى الصحف خلال ليلة 24 إلى 25 أبريل 1974، أي أنها مرتبطة، مثل أكثر من عمل له، بثورة القرنفل.


المسرحية الثانية بعنوان ماذا أفعل بهذا الكتاب (1980) تتحدث عن أشهر شعراء البرتغال على الإطلاق، كامويس، عندما عاد من الهند وصار يبحث عن ناشر لقصيدته الملحمية. عن الرقابة والسلطة.


المسرحية الثالثة بعنوان الحياة الثانية لفرانسيس الأسيزي (1987) يتخيل فيها الحياة التي نعرفها لحياة فرانسيس الأسيزي قبل أن يصبح قديسًا.


المسرحية الرابعة بعنوان باسم الله (1993) تدور أحداثها في القرن السادس العشر في مدينة مونستر الألمانية حين دخل الكاثوليك المعمدانيون في حرب للسيطرة على المدينة انتهت إلى وقوع مذبحة.


المسرحية الخامسة بعنوان دون جيوفاني أو الفاسق المبرأ (2005) يحاول في هذه المسرحية أن يعيد كتابة أسطورة دون جيوفاني، وعلى عادته في افتراض المستحيلات، يفترض هنا أن دون جيوفاني لم يسقط في الجحيم.


لم أجد أي نسخة من مسرحياته مترجمة إلى العربية أو الإنجليزية.



ثورة الأرض (1980)


"وأنا أسأل علماء الاقتصاد السياسي وعلماء الأخلاق:

هل أحصوا عدد من حُكِم عليهم بمعاناة البؤس والعمل الشاق وتثبيط الهمة والنمو المتأخر والجهل المفسد والمصائب التي لا تقهر والفقر المدقع، كل ذلك من أجل خلق ثري واحد!".

المييدا جاريت


روايته الرابعة. نشرها وهو في الثامنة والخمسين من العمر. نلاحظه أكثر ثقة في استخدام أسلوبه الجديد في الكتابة حيث يبتعد عن استخدام علامات الترميز. يأخذنا في رحلة مع أسرة دومينجو المنحوس الذي يعمل اسكافيًا، وكأنها استعادة من رواية «المنور» التي لم تنشر بعد آنذاك، وتسير بنا الرواية مع آل المنحوس جيلا بعد جيل منذ سقوط الملكية وإعلان جمهورية البرتغال في 1910 حتى ثورة القرنفل في السبعينات.


تستوقفنا أول جملة في الرواية: "تتمتع أرض الوسيّة أيضًا بالمنظر الطبيعي". اختياره لكلمة الوسية التي تشير إلى الأرض الزراعية التي يملكها الإقطاعي. فالأرض هنا هي الشيء المشترك بين الجميع، وهي مصدر الرزق، والانتماء رغم عدم قدرتهم على امتلاكها.

وصار أكثر جرأة في التعبير عن آراءه الدينية، تارة في عدالة مفقودة من القدر وتارة في عبثية الموت، "تخلق الطبيعة كائناتها المختلفة بوحشية ملفتة. بين موتى ومشوهين تخلقهم". (ص49). وعن عبثية الحياة والموت يقول: "والموت مثل مسطرة تسوي الحبوب فوق سطح مكيال الحياة، فيسقط ما علاها مما يفيض، رغم أننا لا نعرف معيارًا لذلك، كما في حالة جواكيم كارّانكا الذي مات ولا تزال عائلته تحتاج إليه". (ص66). 


في هذه الرواية نجح ساراماقو في تجاوز الإغراق في التأمل والوصف على حساب الحدث والحوار. وبرزت الموضوعات التي تشغله: الفقراء وتاريخ البرتغال والدين. ويمكنني أن أفهم من اقتباسه عبارة المييدا جاريت التي اختارها في مقدمة الرواية أنه يرى أن الثري يخلق ثروته من خلال شقاء الفقراء. إلا أنه حاول أن يقول فيها أشياء كثيرة، أكثر مما تحتمله الرواية.


وأتى الراوي على ذكر العرب الذين عاشوا في البرتغال قديما في جملة عابرة: "ثم جاء العرب، وهم قبيلة شيطانية تتمتع ببشرة سمراء، الحمد لله أن جاء البورجونيون الفرنسيون وقضوا على جيشهم وجيش الآخرين؛ ثم حروب صليبية، ومسلمون من جديد، يا إلهي، كم قتيلاً شاهدته تلك الأرض". (ص125).


في هذا الفيلم الوثائقي، يتذكر ساراماقو أيامه في إحدى قرى البرتغال التي قطنها أثناء كتابته للرواية واستمد من منها أصوات شخصياتها.


Journey to Portugal (1981)


حين اختار ساراماقو أن يكتب كتابا خارج مجال الأدب اختار أكثر موضوع يشغله ويعرفه ويرتبط به: أرض البرتغال وتاريخها، وهذا هو موضوع كتابه «رحلة إلى البرتغال».


هو عبارة عن أماكن ارتحل إليها في سفره داخل البرتغال ورأى أنها تحمل شيئا من تاريخ البلد. بعض القراء وجد أن ساراماقو يكتب عن نفسه هنا.

 

أثناء كتابته لهذا الكتاب خرج في رحلة من البرتغال ورجع إليها ليفعل بالضبط كما هو مذكور في العنوان، رحلة إلى البرتغال. استغرقته الرحلة زهاء ستة أشهر. كان خلالها يرى في الأماكن التي يمر عليها شيئا من ماضي البرتغال يريد الانتقال إلى القرن العشرين. وآخر شيء كان يريده هو أن يكون كتابًا سياحيًا، لذلك يدعو القارئ أن يأخذ بالاعتبار بأنه إذا كان "المبدأ الذي الذي يوجه المسافر في كل خطوة وفي كل صفحة: السعي وراء تاريخ البرتغال وثقافتها، لا مجال لأن تضل الطريق".







نصب الدير التذكاري (1982)


"الضحكة تسكن على مقربة من الدمعة، والفرج بجانب الشدة، والسكينة جارة الذعر، هكذا تمرّ حياة البشر والأمم".

رواية نُصب الدير التذكاري


روايته الخامسة. تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان «بالتزار وبليموندا»، وشاعت جدا عند القراء الغربيين، ومن هذه الرواية التي نشرها وهو بعمر الستين، بدأت شهرة ساراماقو عالميًا.


تدور الرواية في بداية القرن الثامن عشر، حين يَنذر الملك لله أنه سوف يبني ديرا في بلدة مافرا إذا رزقه بولد. وفي خط آخر نتابع قصة حب بين بالتزار، الجندي الذي فقد يده اليسرى في الحرب، مع بليموندا، الفتاة التي تملك قدرات خارقة تمكنها من النظر في ما يكمن داخل الآخرين. وارتباطهما مع راهب شغوف في صنع آلة قادرة على التحليق.


لفتني استطراداته واقتباساته من الإنجيل، وهنا صرت أنظر إلى أسلوبه السردي على أنه قد يكون أشبه بمحاكاة للكتاب المقدس الذي يُتلى على المستمعين، فربما أراد ساراماقو لرواياته أن تُتلى على الفلاحين كما يُتلى عليهم الكتاب المقدس.

ويمكنك أن تلحظ تطور أسلوبه السردي، ونضجه مع هذا العمل. لكنه يظل صعبًا على الفهم في بعض المواضع. وقد تظن أن الأمر يعود إلى سوء في الترجمة، لكني قرأت مراجعات لبعض القراء البرتغاليين الذين قرأوها بلغتها الأصلية ووجدوا صعوبة في فهم بعض الفصول.


ونجده عندما يعرض رأيًا دينيا تارة يستخدم أساليب فجة مثل اقتباس أحد الشخصيات آية من الإنجيل مع إضافة كلمة "ليس" لتنقل المعنى الذي يريده: "أَبانا الذي ليس في السماء". (ص192). وتارة أخرى يعرض رأيه بخفة ومهارة أدبية بارعة: "فالسماء هي تجلٍّ لما يجول في أذهان البشر، هذا إن لم نقل إنّ ذهن الإنسان نفسه هو السماء الوحيدة الموجودة". (ص141).


لم يأتي على على ذكر العرب في الرواية إلا إشارة عابرة إلى لغتهم: "كان لهذا الباب قفلٌ يدخل في مفتاح محزوز كثيرًا مثل الكتابة العربية". (ص79).


قلت إن هذا العمل هو بداية شهرته عالميا، ومن ضمن هؤلاء القراء العالميين قارئة إسبانية معجبة بكتاباته حتى ترجمتها بنفسها إلى الأسبانية، ستلتقي به بعد أربع سنوات من نشر هذه الرواية ثم سوف يقع في حبها ويتزوجها ويهديها رواياته التالية ويتقاسم معها الحياة في المنفى. اسمها بيلار.



‎سنة موت ريكاردو ريس (1984)


هذه أصعب رواية قرأتها لساراماقو. ليس بسبب أسلوبها أو الأفكار التي تتناولها، بل لأنها تتناول شخصية ريكاردو ريس التي خلقها الشاعر البرتغالي فرناندوا بيسوا. وتتطلب من قارئها معرفة بأعمال بيسوا وحياته وكذلك بشخصية ريكاردو ريس. وإلا ستجد صعوبة في متابعة أحداثها.


وفي 2020 تحولت إلى فيلم برتغالي يحمل نفس العنوان.



الطوف الحجري (1986)


"لقد حان الوقت لترك الماضي في هدوئه القلق".

رواية الطوف الحجري


إحدى سمات أدب ساراماقو التي سوف تتكرر معنا هي جنوح مخيلته نحو المستحيل. ففي هذه الرواية تنفصل شبه الجزيرة الأيبيرية (أسبانيا والبرتغال) عن القارة الأوروبية. وتبعد طافية في المحيط. وقد صدرت في نفس العام الذي انضمت فيه البرتغال إلى الاتحاد الأوروبي. واستهلها بهذا الاقتباس، "كل مستقبل هو جميل". ثم تبدأ أحداث تبدو عشوائية، تقع قبل لحظات من انفصال الأرض عن القارة الأوروبية، مثل أن تخط امرأة خطًا على الأرض بعصا من شجرة دردار وتبدأ كلاب القرية في النباح الذي يشيع الرعب بين سكانها. ويقذف رجل حجرا ثقيلا على الشاطئ فيذهب بعيدا جدًا لدرجة تحيّر الرجل الذي قذفه والشهود. وتتبع مئات من الطيور رجلا حيثما سار. وكل فرد منهم يعتقد أن ما عايشه من ظاهرة غريبة هي سبب انفصال الأرض.


ونجد فيها الراوي الميتاسردي الذي استخدمه في بعض رواياته السابقة، وهو الراوي الذي يعلق على أحداث القصة، والشخصيات ولا يحتجب عن القارئ وراء الجدار الرابع، بل يتخطى هذا الجدار المتخيّل بينهما ويخاطب القارئ مباشرة. يقول في ص55: "كان الرجل، برتغالى الجنسية، اسمه زوسا، كان مسافراً برفقة زوجته وحمويه، عاد إلى السيارة وقال، "يبدو كما لو كنا فى البرتغال، انظروا، حفرة عميقة، كان يمكنها أن تكسر دواليب السيارة، وتكسر عمود  محركها". لم تكن حفرة ولا كانت عميقة، لكن كلماته، وضعناها نحن هكذا، لأنها معبرة، وتساعد على الفهم، ونقولها بشكل مبالغ فقط للتخفيف من حدة الخوف والانفعال، لماذا؟ لأنها تمنح الحكاية درامية." ويقول في ص108، "كان هذا هو الحوار، وهو لا يفيد كثيرًا لذكاء الحكاية، ربما وضعناه هنا لنوضح أن جواكيم زازا وجوزيه أنايسو يتحادثان بلا ألقاب، ربما اتفقا على ذلك خلال الطريق، "لنتبادل الحديث بلا ألقاب"، قال أحدهما، وكان الآخر موافقًا".


بالإضافة إلى نزوح مخيلته للمستحيل، كذلك تغلُب على ساراماقو النظرة الماكروسكوبية للمجتمع. نظرة تشمل المجتمع بكليّته، قصة أجيال متعاقبة، علاقة شعب بسلطته وأرضه وتاريخه. نرى ذلك في بعض الإشارات العابرة، ففي خضم هذا الحدث الكبير، لا يفوته أن يشير إلى أن الجروح متفاوتة بين الشعبين: "إن رؤية جبل طارق تائهًا في البحر شيء لا يهمهم؛ لأن ألمهم التاريخي اسمه أوليفنسا". (ص137). في ربط بين جبل طارق الذي يقع في الجغرافيا الإسبانية لكنه تحت السيادة البريطانية، ومدينة أوليفنسا الحدودية التي انتزعتها أسبانيا من البرتغال في معاهدة وقِّعت عام 1801 وأُلغيت بعدها بسنوات قليلة، إلا أن أسبانيا رفضت إرجاعها إلى البرتغال حتى اليوم.


في 2002 تحولت إلى فيلم أسباني بعنوان ‏La Balsa de Piedra. وكذلك استوحيت من الرواية كلمات أغنية Underneath the sky لفرقة Oasis.



قصة حصار لشبونة (1989)


"لنتخيّل أن رجلًا يسأل امرأة: أتحبينني، فتصمت، ناظرة إليه فحسب كأبي الهول، شاردة وبعيدة، رافضة قول «لا» التي ستحطمه أو «نعم» التي ستحطمهما معًا".

رواية «قصة حصار لشبونة»


هذه أول رواية يهديها إلى زوجته بيلار: إلى «بيلار».


تدور الرواية حول مصحح لغوي يعمل في دار نشر، وأثناء تصحيحه لكتاب عن قصة حصار لشبونة، الذي حدث في عام 1147م حين حاصر البرتغاليون سكان المدينة العرب المسلمين، أضاف من عنده عبارة "لا" ليغير تفصيلة في ذلك التاريخ، وليصبح : "لم يساعد الصليبيون البرتغاليين في حصار لشبونة والاستيلاء عليها". فبينما هو يقرأ الكتاب الذي عليه أن يراجعه ويصححه، بدأ في الشك في صحة ومعقولية ما هو مذكور فيه، "يداهمه التفكير في عدم القدرة على الوصول مطلقًا إلى معرفة الكلمات الحقيقية التي قالها «دون أفونسو هنريكس» للصليبيين حتى ولو «صباح الخير»". (ص57). بعد تغييره لنص الكتاب ومعرفة دار النشر بفعلته، ينتهي إلى أنه يعيد كتابة قصة ذلك الحصار كما تخيلها. يأخذنا العمل إلى النظر في صناعة النشر وعمل المصححين، وعن العلاقة بين الحقيقة والخيال في كتابة التاريخ. ولعل عمله سنوات طويلة في دار نشر Editorial Estúdios Cor مترجمًا ومحررًا ساهم في تغيير نظرته للنصوص قبل أن تأخذ شكلها النهائي، ودفعه لكتابة هذه الرواية التي تتجلى فيها سلطة الكاتب على الحقيقة.


في الرواية تتداخل لشبونة القديمة التي يكتب عنها مع لشبونة المعاصرة للمصحح الذي يعيد كتابة تاريخها. ونجد هذا المصحح يقع في الحب وهو في عقده السادس، بعدما كاد يفقد الأمل بإمكانية ذلك، "عمري يزيد - يقول لنفسه - عن خمسين سنة، من هي التي ستحبني أو أحبها، وإن كان من الأسهل - كما يعرف الجميع - أن أحب من أن أكون محبوبًا، والتعليق الأخير الذي يبدو وكأنه صدى لألم ماضٍ تحوّل اليوم إلى حكم نهائي لا يُفصح به إلا لأهل الثقة من المقربين". (ص43).


ويمكن أن نرى كيف كانت هذه الرواية، التي أعاد فيها كتابة تاريخ حادثة قديمة في بداية نشأة الدولة البرتغالية، مقدمة لروايته التالية التي أعاد فيها كتابة حياة يسوع الذي منه بدأت المسيحية.




سأكمل استعراض بقية أعمال ساراماقو في الجزء الثاني من المقال.



نشوة الخلود

 عن شعر المديح





للحب نشوة عظيمة، تتلاعب في دواخل من تمكّن به حتى يخرج أمره عن سيطرته، كما عبّر عنها عبدالملك بن مروان بقوله: "إنّ أفضل النساء السواحر اللاتي يقول أهل الرجل: قد سحرنه، وغلبن على عقله". وللخمر كذلك نشوة قوية، تدفع صاحبها إلى العطاء بما قد يجلب له الندامة عندما يصحو، كما عبّر عنها طَرَفة بن العبد:

فَإِذا ما شَرِبوها وَاِنتَشوا  وَهَبوا كُلَّ أَمونٍ وَطِمِر

وثمة نشوة أعلى من هاتين النشوتين وأقوى، وهي نشوة الخلود، يُصاب بها المرء حين يعرف أن ذكراه سوف تبقى بعده دهورًا مديدة، فتتحرك دواخله كما لا يحركها شيء آخر، ويبذل في سبيلها عطاءً دون ندم. وهذه النشوة تظهر مع شعر المديح

وقد وقعت قبل الإسلام حرب بين بعض القبائل، واستمرت حتى تدخل هرم بن سنان ورجل آخر بالتبرع من أموالهما لدفع الديات وحقن الدماء وإنهاء الحرب. فمدحهما زهير بن أبي سُلمى في معلقته الشهيرة، وحين سمعها هرم حلف أن يعطي زهيرًا عبدًا أو أمةً أو حصانًا كلما سلم عليه، حتى صار زهير يمر على القوم وفيهم هرم، فيسلم عليهم ويستثنيه من السلام حتى لا يزيده من العطاء. ويروي ابن عبد ربه في «العقد الفريد» أن أحد أبناء هرم بن سنان دخل على عمر بن الخطاب، فسأله: صاحب زهير؟

قال: نعم.

قال: أما إنه كان يقول فيكم فيحسن!

قال: كذلك كنا نعطيه فنجزل!

قال: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.

وها نحن اليوم نذكر هرمًا.

الملوك يدركون أهمية شعر المديح الذي يُقال فيهم، وتغشاهم، عند سماعه، نشوة الخلود التي تجعلهم يغدقون العطاء على الشعراء. وذلك دفع فحول الشعراء إلى التنافس في بلاط الملوك أملًا في عطائهم، الذي لم يكن سهل المنال، بسبب المنافسة الشديدة. لذلك يضطر الشاعر، إن أراد أن يقول هذا النوع من الشعر، إلى تجويد القصيدة التي سوف يلقيها أمام الملك، حتى تصير من أجود شعره.

وفي هذه المقالة سوف نتعرف على قصيدتين تنتميان إلى شعر البلاط: قصيدة «أسألت رسم الدار» لحسان بن ثابت في مدح الغساسنة، وقصيدة «خفَّ القَطين» للأخطل في مدح عبدالملك بن مروان. كلتا القصيدتين قيلتا في ملوك الشام، وهما تُعدّان من أجمل قصائد هذين الشاعرين. وسأقف على بعض التشابه بين القصيدتين. ومن أراد شرحًا جيدًا لقصيدة حسّان، فأقترح الرجوع إلى شرح عبدالرحمن البرقوقي لديوان حسّان بن ثابت. أما قصيدة الأخطل، فقد وفّق عارف حجاوي في شرح كثير من أبياتها في «أوَّل الشعر».

التعريف بالقصيدتين

قصيدة حسّان تتألف من 33 بيتًا. ويبدو من بعض أبياتها أنه قالها في أواخر عمره توقًا إلى "الزمان الأول". وقيل إن آخر ملوك الغساسنة، جبلة بن الأيهم، كان يطرب لسماعها من جواريه بعدما هاجر إلى بلاد الروم، وأنه أرسل إلى حسّان مكافأةً عليها. مدح فيها الغساسنة عامة، وأجمل بيت فيها هو الذي يصف كرمهم حيث أن كلابهم لا تنبح لاعتيادها الضيوف، وهم لا يكترثون لعدد الزائرين القادمين إليهم:

يُغشَوْنَ، حتى ما تهِرُّ كلابُهُمْ،

لا يسألونَ عنِ السوادِ المقبلِ

 أما قصيدة الأخطل فهي من 84 بيتًا. واستغرق في كتابتها حولًا كاملًا. ألقاها في بلاط عبدالملك بن مروان، واستحسنها جدًا عندما سمعها. وكافأه عليها، حتى أن خادمه خرج إلى الناس ليعلن لهم: "هذا شاعر أمير المؤمنين، هذا أشعر العرب". وأجمل بيت فيها الذي يصف فيه قوة بني أمية أمام من يعاديهم حتى ينقادوا إليهم، وحلمهم عند المقدرة:

شُمْسُ العداوةِ، حتى يُستقادَ لهم

وأعظمُ الناسِ أحلاماً، إذا قدروا

مقارنة بين القصيدتين

بدأ حسّان قصيدته بذكر الأطلال وبعض الأماكن في الشام:

أسَألتَ رَسْمَ الدّارِ أمْ لَمْ تَسْألِ

بينَ الجوابي، فالبُضَيعِ، فحَوْمَلِ

فالمرجِ، مرجِ الصفرينِ، فجاسمٍ،

فَدِيَارِ سلْمى، دُرَّساً لم تُحلَلِ

وبدأ الأخطل بالحديث عن ارتحال القوم القاطنين بجواره:

خَفَّ القَطينُ فَراحوا مِنكَ أَو بَكَروا 

وَأَزعَجَتهُم نَوىً في صَرفِها غِيَرُ

يخبرنا حسّان أن عينه خاضعة (عانية) على البكاء على ذكرى تلك الأماكن بعدما تركها أهلها:

فَالعَينُ عانِيَةٌ تَفيضُ دُموعُها 

 لِمَنازِلٍ دَرَسَت كَأَن لَم تُؤهَلِ

وكذلك يفعل الأخطل، وهو يعبّر عن بكائه لعدم قدرته على لقاء القوم الذين ارتحلوا:

فَالعَينُ عانِيَةٌ بِالماءِ تَسفَحُهُ

مِن نِيَّةٍ في تَلاقي أَهلِها ضَرَرُ

وحين يتحول خطاب حسّان إلى امرأة، نجده يذكر رأسه الذي امتلأ بالشيب مثل نبات الثغام الأبيض:

إِما تَرَي رَأسي تَغَيَّرَ لَونُهُ

شَمَطاً فَأَصبَحَ كَالثَغامِ المُحِولِ

وكذلك يشتكي الأخطل من إعراض النساء عن الرجل عندما يكبر وينحني ظهره ويبيّض شعره:

يا قاتَلَ اللَهُ وَصلَ الغانِياتِ إِذا

أَيقَنَّ أَنَّكَ مِمَّن قَد زَها الكِبَرُ

أَعرَضنَ لَمّا حَنى قَوسي مُوَتِّرُها

وَاِبيَضَّ بَعدَ سَوادِ اللِمَّةِ الشَعَرُ

يصف حسّان كيف يعيش الغساسنة منعمين مكرمين، يسقيهم خدمهم الخمر، وليست لهم حاجة إلى إرسال إماؤهم لجني الحنظل، فهم بعيدون عن الأعمال الشاقة كما يعيش غيرهم من العرب في الصحراء:

يُسقَونَ دِرياقَ الرَحيقِ، وَلَم تَكُن

تُدعى وَلائِدُهُم لِنَقفِ الحَنظَلِ

بيضُ الوُجوهِ كَريمَةٌ أَحسابُهُم

شُمُّ الأُنوفِ مِنَ الطِرازِ الأَوَّلِ

أما الأخطل فيهجو بني سُليم وكيف تعطل حالهم بعدما اتبعوا رأي أحد جهالهم، حتى أنهم صاروا يتطلعون إلى مناطق الأنهار في الجزيرة (الزوابي) بينما يقضون أيامهم في جني الحنظل (أي أعمال الحياة الشاقة):

وَلَم يَزَل بِسُلَيمٍ أَمرُ جاهِلِها

حَتّى تَعَيّا بِها الإيرادُ وَالصَدَرُ

إِذ يَنظُرونَ وَهُم يَجنونَ حَنظَلَهُم

إِلى الزَوابي فَقُلنا بُعدَ ما نَظَروا

كَرّوا إِلى حَرَّتَيهِم يَعمُرونَهُما

كَما تَكُرُّ إِلى أَوطانِها البَقَرُ

وحين يتحدث حسّان عن الخمر، يصف حركة الفقاعات من أسفل الكأس الزجاجية كما لو أنها ناقة تتراقص في سيرها لأن راكبها في عجلة من أمره:

بِزُجاجَةٍ رَقَصَتْ بما في قَعْرِها،

رَقَصَ القَلوصِ براكبٍ مُستعجِلِ

ويهجو الأخطل أعداء الخليفة حتى يذكر قبيلة قيس عيلان التي وقفت مع ابن الزبير، وبعدما انهزموا أتوا مسرعين (رَقَصًا) لمبايعة عبدالملك: 

وَقَيسَ عَيلانَ حَتّى أَقبَلوا رَقَصاً

فَبايَعوكَ جِهاراً بَعدَ ما كَفَروا

يفتخر حسّان بنسبه الذي يعود إلى اليمن مثل ملوك الشام الغساسنة، وبشدة قبيلته على القتال في الحروب وتولي الشؤون العامة في الشدائد والمحن:

نَسَبي أَصيلٌ في الكِرامِ وَمِذوَدي

تَكوي مَواسِمُهُ جُنوبَ المُصطَلي

وَلَقَد تُقَلِّدُنا العَشيرَةُ أَمرَها

وَنَسودُ يَومَ النائِباتِ وَنَعتَلي

وَيَسودُ سَيِّدُنا جَحاجِحَ سادَةً

وَيُصيبُ قائِلُنا سَواءَ المَفصِلِ

أما الأخطل فيفتخر بهجاء أعداء بني أمية من الأنصار، حتى أسكتهم هجاؤه لأن كلامه نفذ فيهم بأعمق من نفاذ إبرة العقرب:

بَني أُمَيَّةَ قَد ناضَلتُ دونَكُمُ

أَبناءَ قَومٍ هُمُ آوَوا وَهُم نَصَروا

أَفحَمتُ عَنكُم بَني النَجّارِ قَد عَلِمَت

عُليا مَعَدٍّ وَكانوا طالَما هَدَروا 

حَتّى اِستَكانوا وَهُم مِنّي عَلى مَضَضٍ 

وَالقَولُ يَنفُذُ ما لا تَنفُذُ الإِبَرُ

تجربتي مع أندية القراءة

 




أحب أندية القراءة، فمن خلالها تمكنت من غرس عادة القراءة اليومية بعد سنوات من المعاناة مع الكتب التي تبقى مفتوحة أسابيع ولا أعرف كيف أنتهي من قراءتها بعد أن تراكم فوقها الملل. ومن خلالها اجتمعت مع عقول متنوعة، ووسعتْ فهمي لما أقرأ من زوايا نظر كانت غائبة عني. وهي أيضا دفعتني على القراءة لمؤلفين ولمجالات ربما لم أكن سأتعرف عليها وحدي. وبعد كل الذي جنيته منها زاد اهتمامي بها، فشرعت في 2017 على جمع بياناتها في مكان واحد أطلقت عليه «دليل أندية القراءة في الكويت»، والتي تعدت اليوم 40 ناديا تقيم فعاليات ثقافية تشمل مناقشة الكتب وإقامة أمسيات للشعر والفلسفة.


وهي أيضا مساحة لنشر الثقافة في المجتمع. وفرصة مناسبة تتيح للكتّاب السماع مباشرة من القراء، أشبه بقودريدز حي. وكذلك تساعد على تطوير مهارة التعبير عن النفس وترتيب الأفكار عند القارئ. ويغلب على كثير منها جو من المرح والأريحية وفي نفس الوقت الجدية. ومن خلالها على تحويل القراءة من فعل فردي انعزالي إلى ممارسة جماعية.


فأندية القراءة تتيح للإنسان أن يعبر عن ذاته وعن أفكاره بحريّة، حتى أن البعض يقصدها لتفريغ ذهنه مما أثقله من أفكار. يقول كارل يونغ في «هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ»: ‏"لا ينبع شعور الإنسان بالوحدة من افتقاره إلى صحبة، بل من عجزه عن إطلاع الآخرين عن الأشياء التي يراها جديرة بالانتباه، ومن اضطراره إلى كتمان الأفكار التي لا يستسيغها الآخرون". 


هذه الأندية ليست من نوع واحد. لذلك سأتطرق للأنواع المختلفة للأندية التي انضممت إليها في السنوات الماضية، لمعرفة مميزاتها وسلبياتها عسى أن يكون في ذلك فائدة لمن يرغب في الانضمام إلى أحدها أو لمن يريد إنشاء نادي القراءة الخاص به.


نور الفكر

في بداية 2010 كنت واحدًا من بين سبعة أعضاء آخرين أسسنا نادي نور الفكر. اخترنا مناقشة كتاب كل أسبوعين، أحدهما رواية والكتاب الذي يليه في مجال عام. في الأوقات التي كنت أقرأ فيها وحدي كنت أستحضر بقية الأعضاء الذين يشاركوني قراءة نفس الكتاب الآن، والذين ينتظرون رأيي في الكتاب، وأنا كذلك كنت أنتظر الاستماع إلى رأيهم فيه ومناقشة تفاصيله معهم. وهذا وحده كان كفيلا لطرد الشعور بالملل أثناء القراءة، ليحل محله التوق لحلول موعد المناقشة. وقد كان التنوع في الكتب المختارة، والتي كان أغلبها ذات حجم متوسط، جعل من قراءة كتابين في الشهر أمرا سهلا وممتعا، وغدت القراءة منذئذ عادة يومية.

بعد سنوات انشغلت عن الحضور إلى لقاءات النادي، لكنه ظل مستمرا دون توقف منذ انطلاقته الأولى، والأعضاء الجدد كانت لهم أفكارهم الإبداعية التي جعلت من مزاولتهم للقراءة أمرا أكثر إمتاعا. مثل إقامة الملتقيات الخاصة بأحد الكتّاب، وهي فعالية مخصصة لعرض جميع أعمال ذلك الكاتب، مثل كافكا أو ساراماقو. بحيث يقرأ كل عضو عمل واحد من أعماله، وفي جلسة المناقشة تُستعرض جميع الأعمال أمام الحضور. ومن الممارسات اللافتة كانت تمثيل مسرحية أوديب. فحين قرر النادي مناقشة المسرحية، رأوا بما أنها كُتبت لتؤدى على المسرح فلمَ لا يؤدونها بأنفسهم. وبالفعل شارك أربعة أعضاء من النادي في تمثيلها. يقول سليمان العبدالهادي، رئيس النادي آنذاك، أن هذه التجربة كانت فعالة في فهم المسرحية ودوافع شخصياتها بشكل أفضل عند كل من قرأها وحضرها، وبسبب تلك التجربة هو ما يزال يستحضر كثير من نصوصها إلى اليوم.


أندية قراءة غير تقليدية

التقيد بالكتب التي يختارها أعضاء نادي القراءة قد يكون مناسبا للقارئ المستكشف الذي لم يحدد بعد نطاق قراءته، وليس لديه ذائقة محددة في الكتّاب أو الأجناس الأدبية. لكن إن كنت تريد أن تقرأ ما يحلو لك من الكتب وتعتملك الرغبة للحديث عنها فـ «أندية القراءة غير التقليدية» هي المكان الأنسب. في هذا النوع من الأندية يتحدث كل شخص عن آخر كتاب قرأه، سواء أعجبه أم لم يعجبه. والأعضاء الذين يثير فضولهم الكتاب يوجهون أسئلتهم عنه إلى القارئ وعن المواضيع التي تطرق إليها. وفي هذا النوع من الأندية يمتد النقاش لوقت طويل، لأن عدد الكتب المطروحة للنقاش هي بعدد الأعضاء، وربما أكثر.

في هذا الصيف ترددت على ناديين من هذا النوع (حسبما يوافق موعد اللقاء وقتي)، حيث أمكنني أن أتحدث عن تلك الكتب التي أقرأها والتي غالبا لا تقع ضمن اختيارات أندية القراءة الأخرى.


نادي رؤيا الثقافي

أحيانا أريد أن أستمتع بمدارسة الشعر العباسي، أو أتعلم شيئا عن أفكار أفلاطون، أو أناقش أفلام تارنتينو. كل هذه الأنشطة أمارسها حين أذهب إلى نادي رؤيا الثقافي. فهو مساحة ثقافية حرة، وأكثر من نادي قراءة. وجميع هذه الأنشطة الثقافية ينظمها أعضاء النادي بأنفسهم. ثم يتحول بعضها إلى مادة ثقافية تتاح على منصة يوتيوب.

في عام 2024 قرر مجموعة من أعضاء النادي إنشاء مكتبة «رؤى» لتكون مقرًا لأنشطة النادي. ومما يتميز به النادي أيضًا، بالإضافة إلى التركيز على الفلسفة، هو الاهتمام بالأنشطة الثقافية الموجهة للطفل من جلسات قراءة وورش تعليمية.


مركز حروف

أحد الأندية التي انضممت لها سابقا هو نادي حروف، بعدما رأيت إعلانا عن مناقشة كتاب «على مقهى الوجودية». لم يكن الكتاب سهلا. خاصة الفصول المتعلقة بأفكار هايدقر. لكن للنادي طريقة في مناقشة الكتب مختلفة عن باقي الأندية، حيث قُسِّم الكتاب الذي يتعدى 450 صفحة إلى أقسام قابلة للهضم لمناقشتها مرة بالأسبوع واتمامه في شهر واحد. هذه الطريقة مناسبة للكتب الكبيرة والصعبة، ففي كل أسبوع نلتقي ونتناقش حول ما فهمنا وما أشكل علينا فهمه. كذلك كون أغلب الأعضاء في النادي من القراء الجادين فقد ساهم هذا على الخروج بفائدة أثناء المناقشة لا تقل عن القراءة. طريقة النادي في تقسيم الكتاب إلى أجزاء صغيرة تُناقَش خلال أسبوع، تكون كذلك ممتازة مع الروايات الكلاسيكية الكبيرة، فنادي حروف يخصص كل صيف لقراءة إحدى الروايات الكلاسيكية، وقد قرأ وناقش أعضاؤه في السنوات السابقة: الحرب والسلم، والأخوة كارامازوف، والكونت مونت كرستو.

وللنادي نشاط ملحوظ في استضافة المثقفين من داخل وخارج الكويت لإقامة ندوات ومحاضرات في مجالات متنوعة، ومن بينهم عدي الحربش الذي قرأ على الحضور قصة من تأليفه تدور أحداثها في العصر العباسي ثم دار نقاش حولها. ولمركز حروف أيضا رحلات ثقافية سنوية كان منها رحلة إلى مصر والمغرب والبحرين.


أندية القوائم

حين انضممت إلى مُحتَرَف تكوين للكتابة، نصحتنا بثينة العيسى بقائمة من الأعمال الأدبية التي تساعدنا قراءتها على تطوير أدواتنا الكتابية من منظور وشخصيات وحوارات. وكعاشق لأندية القراءة اقترحت على زملائي أن نصنع من هذه القائمة أساسًا لنادي قراءة ونجتمع معا لقراءتها ونشارك بعضنا بما استفدنا من أساليب وأفكار حول ما يميزها كنصوص أدبية. كذلك قبل عدة سنوات، طالعني أحد الأصدقاء بقائمة تحتوي على عناوين لروايات كلاسيكية وأخبرني أنه بصدد إنشاء نادي قراءة مع مجموعة من الأصدقاء الذين يرغبون في قراءة هذه العناوين.

هذا النوع من أندية القراءة يكون لأعضائه اهتمام مشترك في نوعية الكتب المقروءة، وهدف محدد يتوقعون الخروج به من خلال المناقشات.


الخاتمة

لا يمكنني حصر أنواع أندية القراءة في هذا المقال، فكل مجموعة من القراء يختارون الشكل الأنسب لهم في تفاعلهم مع الكتب. فهناك أيضا تلك الأندية التي تحصر عضويتها على النساء وتلك التي يفضل أعضاؤها المناقشة بالإنجليزية وكذلك من يختارون أن تكون لقاءاتهم عبر الانترنت، ولا ننسى كذلك الأندية المخصصة للأطفال واليافعين.

قد يعيب بعض الأندية التركيز غالبًا على قراءة الكتب الأكثر مبيعا أو الحائزة على جوائز أدبية. فلن تجد ناديا يناقش «قصيد بارمنيدس» ليوسف الصديق، أو الرواية الجريئة في لغتها «أم ميمي» لبلال فضل، أو مسرحيات أسخيلوس. لكن إذا لم يكن لديك خطة واضحة لنوع الكتب التي تريد قراءتها فأندية القراءة هي ملاذك المناسب للاستكشاف، وإن كنت من النوع الذي يقرأ كتبا في مجالات ضيقة، فستجد في أندية القراءة غير التقليدية غايتك.


ماذا يقرأ العدميون؟

عن العدمية والعبثية في الأدب





 في أحد الصباحات الباكرة من يوليو عام 1945 في ولاية نيومكسيكو، وبينما كان أوبنهايمر يراقب تجربة لانفجار أول قنبلة ذرية في العالم، استحضر، وهو يحدِّق في اللهب المتصاعد، وقد أدرك العواقب المدمرة لهذه القنبلة، نصًا من أحد الكتب الهندوسية المقدسة:

"الآن أصبحتُ الموت، مُدمر العوالم".

هذه هي العدمية بمعناها المتطرف. وتدل كلمة nihil في الإنقليزية، والتي تعني حرفيًا "لا شيء"، إلى انعدام الوجود المادي. وهي أصل تسمية مذهب العدمية الفلسفي Nihilism، والذي ينفي ليس فقط ما هو مادي بل كذلك أي معنى أو قيمة في الحياة. ويشرح نولن جيرتز معناها في كتابه «العدمية» أنها: "باعتبارها «أيديولوجيا اللاشيء» ليس معناها اعتناق نظام محدد عن اللاشيء، بل تعني أن المعتقدات التي نعتنقها، أو نظن أننا نعتنقها، لا تساوى شيئًا".

ترتبط العدمية بالمدرستان الفلسفيتان: الوجودية والعبثية. فقبل هذه التيارات الفلسفية كانت المذاهب الفلسفية تفترض وجود هدف محدد (ماهية) من حياة الإنسان، يسبق وجوده في العالم ويحدد له كيفية عيش حياته. إلى أن جاءت الوجودية وكان شعارها أن الوجود يسبق الماهية، فنحن نوجد في العالم أولًا ثم نُضفي على العالم المعنى الذي نحدده بأنفسنا. فالإنسان يوجد أولا في العالم ثم يحدد هو بنفسه هدف وجوده. لكن العدمية قالت بعدم وجود أي هدف أو قيمة للحياة. أما العبثية، وهي وإن وافقت العدمية في عدم وجود معنى للحياة، إلا أنها تحاول التغلب على غياب المعنى بأن تدفع الإنسان ليسعى في سبيل إيجاد معنى لحياته، وأن لا يستسلم لليأس، رغم عبثية هذا المسعى.


ثلاث قصائد 

وتميزت هذه المدارس الفلسفية بأن الكثير من روادها ومعتنقيها يميلون إلى توظيف الأدب كوسيط ينقلون خلاله أفكارهم. فنجد مثلا أن قصيدة «الحكاية» لوديع سعادة عبّرت بشكل واضح عن غياب المعنى:

الحكاية أَن لا حكاية

تلك التي قالها القبطان كانت خرافة

كي يسلِّي المسافرين في المحيط المديد

والحكايةُ الأخرى كانت خرافة أيضاً

كي يسلِّي الذين يغرقون.


ومن القصائد الشهيرة التي حملت حيرة وتساؤلات وجودية حول معنى وجودنا في هذا العالم قصيدة «الطلاسم» لإيليا أبو ماضي، فيقول عن عبثية الموت:

إن يكُ الموت رقاداً بعده صحوٌ جميل

فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل

ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل

ومتى ينكشف الستر فندري؟

لست ادري!


ونجد في قصيدة «لاعب النرد» التي من عنوانها ينبهنا محمود درويش إلى المنحى العبثي الذي اتخذته حياته، ويصف لنا كيف تسيِّر حياته:

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ

أو سأكونْ…

هو الحظُّ. والحظ لا اسم لَهُ

قد نُسَمَّيه حدَّادَ أَقدارنا

أو نُسَمَّيه ساعي بريد السماء


 ويختمها بخشيته من أن يخيِّب، بتأخر موته، ظن العدم:

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً

فأصغي إلي جسدي

وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ

فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق

عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً

واُخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم؟


الأباء والبنون 

أما حين ننتقل إلى الروايات العدمية فأول ما يتبادر إلى الذهن هو تورقينيف وروايته «الآباء والبنون»، التي بعد نشرها في 1862 شاع استخدام مصطلح العدمية بين الأوساط الأدبية الروسية. فبطل الرواية رفض أي شكل من أشكال الإيمان أو القيم بذريعة العقل والعلم. ويعبّر أبطال الرواية عن عدميتهم بهذا الحوار:

"نحن نعمل مدفوعين بتأثير ما نعتبره نافعًا. وفي الحال الحاضر يعتبر الرفض أنفع شيء. لذا نحن نرفض.

 -  كل شيء؟

  -  كل شيء".


نادي القتال

توصف كتابات تشاك بولانيك، مؤلف رواية «نادي القتال»، بأنها عدمية, رغم عدم اتفاقه مع هذا الوصف. فقد سُئل في إحدى مقابلاته فيما إذا كانت سمعته كعدمي مستحقة، فقال: "إذا لم تؤمن بما يؤمن به الآخرون، يُصنفونك عدميًا. أنا لست عدميًا، بل رومانسي. جميع كتبي في الأساس روايات رومانسية؛ إنها قصص عن إعادة الاتصال بالمجتمع".

لكن حين تشاهد فيلم «نادي القتال» Fight Club المبني على روايته التي تحمل نفس الاسم، ستجد فيه العدمية تتجلى في تصرفات البطل اللاأخلاقية، وفي شعوره بالفراغ رغم امتلاكه كل ما يريد. وهذه الرواية تعد أيقونة معاصرة على أسلوب حياة العدميين.


أسطورة سيزيف

في الحديث عن العدمية لابد أن نتطرق إلى الأدب العبثي لاشتراكه معها ببعض الأفكار، ورائد العبث هو ألبير كامو، بسبب كتابه «أسطورة سيزيف» الذي تناول فيه ما عدّها أهم مشكلة فلسفية وهي الانتحار، وهل الحياة تستحق أن تعاش؟ ويعرض في الكتاب فلسفته حول العبث وبحث الإنسان عن المعنى في عالم يخلو من القيم ومن الإله.


في انتظار جودو (1952)

يعد الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت من رموز مسرح العبث، ونال نوبل في 1969. أشهر أعماله التي صوّر فيها عبثية الحياة هي مسرحية «في انتظار جودو». ونرى فيها شخصان ينتظران حضور جودو في موعده، لكنه لا يأتي أبدًا. مثلما ننتظر نحن في حياتنا أشياء لا تأتي أبدًا. ولا تقع في المسرحية أحداث مهمة سوى حوارات لا تؤدي إلى شيء، يمكنك من خلالها أن تستشعر غياب المعنى.


ثرثرة فوق النيل (1966)

يذكر نجيب محفوظ سبب تأليفه لهذه الرواية في مقابلة مع مجلة الكتاب العربي: "ثمة أناس بلا دين فكيف يمكن التعامل معهم وكيف يمكن أن يتعاملوا هم مع الحياة بل حتى بعض المتدينين لا تساير أخلاقهم دينهم. وما هى الأسس التى يمكن ان تقام عليها أخلاق اجتماعية وإنسانية فاضلة؟".

يتضح فيها تأثر محفوظ بأعمال بيكيت. فالرواية عبارة عن سلسلة من الحوارات ما يجعلها أقرب إلى المسرحية. والحوارات فيها كثيرا ما تنحو باتجاه عبثي، وذلك لأن الشخصيات لا يفعلون شيئا غير أنهم يجتمعون في عوامة على النيل ويدخنون الحشيش. وفيها يعرض لنا نجيب محفوظ إجابته على سؤال: كيف تكون أخلاق الإنسان حين يغيب الإله عن حياته؟

حيث نجد الشخصيات تُكثر من ذكر الموت، لما يشكله من نهاية حتمية لحياة العبث واللهو التي ينغمسون فيها.

ثم تنضم امرأة جادة إلى مجموعة العبثيين، وتسعى إلى تغييرهم، وعرّفت العبث كما لاحظته عليهم بأنه:

"فقدان المعنى؛ معنى أي شيء. انهيار الإيمان، الإيمان بأي شيء. والسير في الحياة بدافع من الضرورة وحدها، ودون اقتناع، وبلا أمل حقيقي. وينعكس ذلك على الشخصية في صورة انحلال وسلبية، وتُمسي البطولة خرافةً وسخرية، ويستوي الخير والشر، ويُقدَّم أحدهما  - إذا قُدّم - بدافعٍ من الأنانية أو الجبن أو الانتهازية. وتموت القيم جميعًا وتنتهي الحضارة."


في الختام

عند ذكر أي عمل أدبي ينتمي إلى هذه المدارس الفلسفية، نجد القراء يختلفون في تصنيفه بين عدمي وعبثي ووجودي، فلماذا هذا الاختلاف؟

السبب يعود إلى طبيعة هذه الفلسفات التي تتفق على غياب المعنى، لكنها تختلف في تعاملها تجاه هذا الغياب. فمثلا يمكن لرواية أن تبدأ بنظرة عدمية (كل الأشياء فارغة ومآلها إلى العدم)، ثم تعاملها معاملة عبثية (سوف أقاوم وأستمر في الحياة رغم ذلك)، ثم تأخذ منحىً وجوديًا (سأخلق المعنى).