بيجامة - قصة قصيرة

 انقلبت حياتكَ رأسًا على عقب مذ عثرت أمك على تلك البيجامة الحمراء اللعينة داخل حقيبة سفرك.


كان من المفترض أن تهبط طائرتك عند العاشرة مساء السبت، إلا أنها تأخرت أربع ساعات. وعندما وصلت البيت كنتَ منهكًا من التعب. فارتميت على السرير، ثم استيقظت بعد ثلاث ساعات لتتجهز سريعًا وتذهب إلى عملك. ونسيت حقيبة السفر مغلقة على الأرض.


عرفتَ لاحقًا ما حدث في غيابك. فقد دخلت أمك إلى غرفتك لتأخذ المبخر الذي تركته هناك قبل وصولك، على عادتها عندما تعود من كل رحلة. وعندما انتبهت إلى الحقيبة الهامدة على الأرض، طلبت من الخادمة أن تأخذ ما فيها من ملابس للغسيل. ثم حدث ما لم تتوقعه.


بعد رجوعك من العمل بدقائق وجدتَ أمك تفتح باب غرفتك. تحمل في يديها البيجامة، "لم أكن أدري أنك هكذا". رمتها على الأرض وخرجت عابسة، قبل أن تتمكن من قول أي شيء.


لحقتَها وحاولت أن تشرح لها، "أمي، هذه ليست لي. هذه تخص سعود، والله العظيم، هو طلب مني أن أحملها في حقيبتي حتى لا تعثر عليها زوجته، وإذا لم تصدقيني فها أنا أتصل عليه أمامكِ". من هول الصدمة التي كنتَ فيها، وجدت نفسك تعترف بالحقيقة، وأفشيتَ سرّ صديق طفولتك. ولتثبت لها صدق كلامك، باشرتَ الاتصال به، وانتظرته حتى يجيب على اتصالك لحسم الموضوع، وحتى لا يزداد الأمر تعقيدًا. لكن كل ما سمعته من هاتفكَ هو: الجهاز مغلق أو خارج منطقة التغطية يرجى الاتصال في وقتٍ لاحق. ليس هذا وقتك، قلتَ في نفسك. نظرَت إليك أمك نظرة باردة، وقالت، "سعود أعرفه جيدًا، أنا ربّيته على يديّ". وتركتكَ ومضت إلى غرفتها.


في طريق عودتكَ إلى غرفتك مررتَ بالصالة، حيث كان أبوك متسمرًا على طرف الأريكة بجسده  النحيل ينظر إلى التلفاز الذي كان على وضع الصامت. لم يكن أبوك نائمًا على عادته في مثل هذا الوقت. جلستَ عن يساره وحاولتَ أن تتأكد أنه لم يصدّق ما سمعه من أمك، "أبي سمعت أمي ماذا تقول؟ تتهمني بأن البيجامة التي في الحقيبة لي، وهي والله العظيم ليست لي، هذه تخص سعود، هو الذي طلب مني أن أخبئها في حقيبتي حتى لا تعثر عليها زوجته، والله العظيم لا أكذب". ردّ عليك بغمغمة خافتة تداخلت فيها الحروف، كما لو كان يقلّب داخل فمه حبة تمر وهو يتكلم، ينقِّل طرفه بين التلفاز والأرض، "أدري أدري يا ولدي، أنا أدري". وقلتَ وأنت تحدّق في خدّه الأيسر الذي بدا ذابلًا أكثر من أي يوم آخر وشاربه الذي بدا أكثر بياضًا من أي يوم آخر، "أرجوك يا أبي كلمها، الأفكار التي في رأسها ليست صحيحة". تشكلت عدة قطرات على جبهته وقال بنبرة سريعة، "بكلمها بكلمها". ثم أطفأ التلفاز وذهب إلى غرفة النوم.


رجعتَ أنتَ إلى غرفتك وأنت ممتلئ باليقين أنهما لا يُصدّقانك. استغربتَ الهيئة الهزيلة والضعف الذي لاح على محيا أبيك، لم تَره هكذا أبدًا. وأوجعكَ برود أمكَ الذي لم تعهده منها من قبل. هل هكذا ستكون علاقتكَ بهم من اليوم فصاعدًا؟ بسبب ذنبٍ لم تقترفه، سوى أنكَ حاولت أن تساعد صديقك. ما ذنبكَ؟


رفعتَ الهاتف واتصلت بسعود مرة ثانية. الجهاز مغلق أو خارج منطقة التغطية يرجى الاتصال في وقتٍ لاحق. اللعنة! أين أنتَ يا سعود.


بعد قليل ستغيب الشمس، وعندئذ ستجلس أمكَ إلى جانب الهاتف كعادتها وستخبر خالاتكَ بما حدث، تعرفها لا تستطيع أن تكتم شيئًا مثل هذا في قلبها.


***


وهذا ما حدث. في اليوم التالي زارتكم اثنتان من خالاتك. نظرن إليك نظرات تنبعث منها الرِّيبة. ومن حديثهن البارد معكَ، شممت أفكار أمك التي تغلغلت إلى عقولهن.


لم تحتمل المكث في البيت. تجولتَ في شارع الخليج، قطعته من شاطئ الشويخ إلى راس السالمية عدة مرات، وذهنكَ منشغل. تحوم داخل رأسك تساؤلات شتى: هل أخبرت أمي أحدًا آخر أيضًا؟ هل توقفت كلماتها عند عتبة شفاه خالاتي؟ ماذا سأفعل الآن؟


مازلتَ لا تعرف ماذا حصل لسعود منذ الأمس، ولماذا لا يرد على اتصالاتك. هل اتصلت أمي عليه أو على زوجته؟ لا تدري. هممت أن تذهب إلى بيت سعود. ترددتَ قليلًا، لكنك لم تعد تحتمل قلقك، فقررت أن تتصل على زوجته:

  • نعم؟
  • مرحبا هيا، سعود موجود؟
  • لأ غير موجود، ورجاء لا تتصل لتطلبه مرة ثانية.
  • ليش؟ عسى ما شر؟
  • هذا طلب سعود، لا يريد أن يكلمك أو يراك الآن.
  • مستحيل، كان معي أمس لم يكن به إلا كل خير…


أغلقتْ الهاتف قبل أن تسمع اعتراضك. بدأتَ تشعر بالتوتر. وانتبهت إلى ظهرك الذي يبلله العرق. قررتَ أن تقضي الليلة خارج البيت.


توجهت إلى أقرب بقالة لتشتري علبة سجائر. لم تعرف ماذا تختار، فآخر سيجارة دخنتها كانت قبل سنوات بعيدة. "مارلبورو قولد وولاعة واثنين ريد بول"، صِحتَ لبائع البقالة عبر نافذة سيارتك. اتجهت إلى شارع عمّان تبحث بين البنايات عن عبارة: شقق مفروشة.


جلستَ في الشقة تدخن دون توقف، تحاول استيعاب ما يحدث لك. لا تلوم والديكَ، فلو كنتَ في مكانهم لفكرتَ مثلما يفكرون. لكنك لا تفهم اختفاء سعود المفاجئ، ولا تصرف زوجته الفظ. تدرك أن حياتك الآن تنعطف نحو ما لا تدري إلى أين. ولن تخرج من هذا المكان حتى تعرف كيف تمسك بدفة حياتك مجددًا وتحرفها عن هذا المنعطف. تعرف بالضبط ماذا يجب عليك فعله، لكنك متردد.


يجب عليك أن تتخلى عن قليل من الحرية، لتصحح خطأً لم ترتكبه. يجب عليك أن تستعيد سُكّان قدرك.


الزواج وحده يمكنه أن يُخرجك من الورطة التي وضعك فيها سعود. لكن من تتزوج؟


تأخذ أنفاسًا متتابعة من السيجارة، وتقلّب الأفكار في ذهنك والذكريات، ولا تنتبه حتى يسقط رماد السيجارة على حضنك.


ترفع هاتفكَ وتفتح «فيس تايم» وتتصل:

  • أهلا أهلا، من أي كهف خرجتَ؟
  • أهلا سارة، لم نتواصل منذ زمن طويل. لكنني أعرف ماذا تفعلين الآن.

ظهرت جالسة على سريرها، ترتدي ما يبدو أنه ثوب النوم دون أي مكياج على وجهها.

  • حقًا؟ ماذا أفعل الآن؟
  • تعيدين قراءة إحدى روايات مستغانمي أو تتابعين مسلسل قريز أناتومي، صح؟

ضحكتْ.

  • لم يطرأ تغيير يذكر على روتيني اليومي منذ سنوات، فعلًا، مثلما خمنتَ، أشاهد حلقة من المسلسل قبل أن أنام.
  • ألا تشعرين كم هو غريب أننا نعرف بعضنا أكثر من سبع سنوات لكننا لم نلتقِ إلا مرّات قليلة.
  • لأنك وسعود في كل سنة تسافران إلى وجهة مختلفة. أنا مازلت أتردد إلى لندن في كل صيف، وأنزل في ماربل آرش حيث تعرفت إليكما، وقتها كنت ما زلت في الثلاثينيات أما أنتما فكنتما أطفالًا للتو تخرجتما من الجامعة.
  • صحيح، لاحظت أن صفحتكِ على انستقرام مليئة بصور لندن، أنتِ تعشقينها، وكذلك تعشقين الكتب. وما زلتُ أتذكر سعود كلما رآكِ يقول إنكِ للتو قادمة من المكتبة.
  • أوووه، لا تذكّرني بتلك الأيام.

احمرّ وجهها.

  • منذ سنوات كان لكِ هدف، لا أعرف إن كنتِ حققتِه بعد أم لا.
  • ذكرني، ما هو؟
  • أن تتجولي في شارع الحب و..
  • ترقصين… أرقص… على أغاني ميامي. (تفوهتما بها في الوقت نفسه)
  • لا للأسف، إلى الآن لم أرَ شارع الحب.
  • حسنًا، أريد أن أدعوكِ إلى زيارته، ما رأيك؟
  • تتكلم جادًا؟


رأيتَ الفرحة تغمرها حين تلقت منك الدعوة، كما لو أنها كانت جالسة إلى جانب هاتفها طوال السنوات الماضية تنتظرك تتصل وتدعوها. ثم استقبلتها من المطار حين وصلت لتقضي عطلة نهاية الأسبوع معك.


***


شرحتَ لها كل ما حدث، وهي وافقت بسرعة على كل شيء. كما لو أنها كانت تنتظرك تتفوه بهذا الطلب. ستكونان زوجان في الظاهر، ولكل منكما حياته. ولن تكون لها أي حقوق في أموالك أو ميراثك. ستكونان زوجين في المناسبات العائلية الخاصة بعائلتيكما فقط.

 

بعدها بثلاثة أشهر، وقفت في ليلة عرسك، التي اتفقتما على أن تكون في الكويت ووافقت سارة دون تردد، مرتديًا بشتك الأسود وإلى جانبيك والدك ووالد سارة. كنتَ مزهوا بنفسك، تتأمل كيف نجحتَ في أن تخلق قَدَرك.


لكن ما سرّع ضربات قلبك، وهزّ ركبتيك، وأمال عقالك عن مكانه هو رؤيتك، قبيل نهاية العرس، دخول سعود إلى قاعة الاحتفال بخطوات واثقة. نظرتَ إليه متعجبًا ومغتاضًا. وعاتبته حين صافحك، "أين كنتَ يا حمار". أدهشك هدوؤه وهو يهمس لك، "أتيت لأوصلك إلى صالة عرس النساء، سأخبرك بكل شيء في السيارة".


انطلقت السيارة وجلستَ إلى جانبه تستمع إلى توضيحه، "أعتذر عمّا حدث، كانت الأمور خارج نطاق سيطرتي واضطررت لفعل ما فعلته". تُنصت صامتًا تنتظره يدلي بعذر مقبول، "تفاجأتُ حين ذهبت إلى العمل في اليوم التالي من عودتنا من السفر، أن مديرنا قرر إجراء فحص عشوائي لجميع موظفي وموظفات الإدارة للكشف عن أي مواد مخدرة، وأخذوا عيّنات من لعابنا وبولنا. وبعض النتائج ظهرت بعد وقت قصير، أثبتت تعاطيَّ مواد مخدرة، فاضطررت أن أوافق على ما عرضه المدير بأن أدخل مباشرة في مصحة إعادة تأهيل المدمنين لثلاثة أشهر، حتى أتجنب أي تبعات إدارية". تفاجأتَ بما سمعت، وسألته، "هل صحيح أنك أخبرت هيا أنك لا تريد الحديث معي؟"، أجابكَ، "كنتُ في حالة نفسية منهارة، كل ما كنت أفكر فيه هو ما يمكن أن يحدث لي، أو لأبنائي. فقررت الابتعاد عن الجميع حتى أصير، بعد خروجي، شخصًا جديدًا". سكتَّ تتفكر فيما سمعت. حتى قطع الصمت سؤاله، "هل صحيح ستتزوج سارة، لا غيرها؟ تلك التي تعشق الكتب؟"، ابتسمتَ بحزن، "مضطر يا صديقي، بعد المصيبة التي أوقعتني فيها ببيجامتك. وسارة بالمناسبة لطيفة جدًا، بسرعة وافقت على أن تخرجني من الورطة". تشاهد علامات الاستياء تعلو محياه، "كأنك استعجلت؟ وأنت لم تجد أي امرأة أخرى؟". استغربتَ استياءه، "ما مشكلة سارة؟"، نظر إلى عينيك، "تعرف عندما كنتُ أمازحها وأقول إنها مجنونة بالكتب وتقرأ كثيرًا ماذا كنت أعني؟ لم أكن أقصد الكتب حرفيًا. البنت مشهورة في حانات لندن. عرفت الآن لماذا وافقت هكذا بسرعة؟".


علا الصمت داخل السيارة لدقيقة، إلى أن طلبت منه أن ينحرف بالسيارة إلى المنطقة التي كنتم تمرون بمحاذاتها.

  • ليس هذا طريقنا.
  • أدري، فقط ادخل من هنا.
  • أين تريد الذهاب؟
  • هناك.. أوقف السيارة هناك عند المخفر.


شاهدتَ شرطيًا يقف أمام باب المخفر، يدخن ويحدّق في شاشة هاتفه، لم ينتبه إليك وأنت تقترب منه. ها أنتَ مرة أخرى تحاول أن تحكم سيطرتكَ على قدرك. رفعتَ يمينك عاليًا وصفعت بها خد الشرطي.


لم تمر أكثر من دقيقة لتجد نفسك مطروحًا على الأرض ببشتك الأسود ويداك مقيدتان وراء ظهرك. من يقول إننا لا نختار أقدارنا؟، قلتَ في نفسك وأنتَ تبتسم.


حُكم عليك بالسجن سنتين. فرحتَ بهذا الحكم الذي سوف يحررك من كل شيء. عندما أودعوك السجن نظر إليك الضابط وسألك، "أأنتَ العريس المجنون الذي صفع شرطيًا أمام المخفر؟ ستكون في عنبر الأشغال".


دخلتَ العنبر وتوجهت إلى الزنزانة. كان يشاركك فيها تاجري مخدرات، وثلاثة قتلة مأجورين، وسبعة من جماعة إرهابية. استوحشتَ المكان. كيف انتهيتُ إلى هنا؟، تتساءل. لكنه كان قرارك وحدك، والآن تحاول أن تُقنع نفسك أن الأيام هنا ستمضي بسرعة. وسرعان ما أخذتك الرهبة، بينما كنت تقلّب نظرك في المكان، حين رأيت بيجامة حمراء معلقة على الجدار. سألتَ السجين الملتحي الذي يمضغ علكة بجانبك، "ما هذه؟". ضحكَ وأخبرك، "بيجامة فري سايز، كلنا هنا لبسناها". وسمعت قهقهات رفقائك في الزنزانة.


ما تزال واقفا في منتصف الزنزانة، تضع يديك الاثنتين على رأسك، وتحدّق في البيجامة، وتسألهم: من منا يختار قدره؟




يونيو، 2026