حياة غير مهدرة: بوكوفسكي ومحمد شكري







"كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ،

ننتظر حتى تفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخصة،

نحلم بأماكن.. ولو وُجِدَت

نحن لا ننفع لها يا صاحبي،

كيف يا صاحبي 

كل هذه السنين ومازلنا لا نُخرج

سوى حشرجة؟".

يوسف رخا، أغنية عن مضاجعة الواقع




نشر الناقد الأمريكي بيل بافورد في 1983 مقدمةً لأحد أعداد مجلة Granta لاحظ فيها ظهور سمات تيار أدبي أمريكي مغاير وغير مألوف. أدبٌ له نطاق مختلف عمّا كان سائدًا آنذاك. فهو يسلط الضوء على التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية، من خلال قصص بسيطة بلغة خالية من الزخرفة، تتناول شخصيات تقضي وقتها في مشاهدة البرامج التلفزيونية، أو قراءة الروايات الرومانسية الرخيصة. تلك الشخصيات التي اعتادت أن تكون على هامش الأعمال الأدبية، مثل نادلات المقاهي وموظفي السوبرماركت، وعمال البناء، والعاطلون عن العمل. لا يظهرون بأدوار بطولية، بل يلعبون البينغو في الحانات، ويسكنون فنادق رخيصة، ويدمنون الشراب. لكنهم يجدون أنفسهم متورطين في مشاكل بسبب جيوبهم الفارغة. وكان بافورد أول من أطلق على هذا النوع من الأدب اسم الواقعية القذرة. وسمى مجموعة من الأدباء الذين ينتمون إلى هذا التيار، من أبرزهم: ريموند كارفر وريتشارد فورد. 


لكن يمكننا أن نجد كتّابًا تحمل كتاباتهم الكثير من سمات الواقعية القذرة، وإن كان بعضهم سابقًا لظهور المصطلح، مثل: هنري ميلر، ولويس فرديناند سيلين، وجون فانتي، وجان جنيه. لكنني هنا أتناول حياة أديبين يكتبان أعمالًا قريبة مما وصف بافورد: الأمريكي تشارلز بوكوفسكي والمغربي محمد شكري.



الطفولة والنشأة


"الأرض كوكب مُهمَل

والمجرة غير مهتمة".

علي طالباب، أغنية جلد البقر



ولد بوكوفسكي في ألمانيا عام 1920 وانتقل إلى الولايات المتحدة وكان عمره سنتين. واستقرت أسرته في لوس أنجلوس. وكتب عن طفولته ونشأته في رواية «الشطيرة» Ham on Rye (يمكن ترجمة العنوان حرفيًا إلى: لحم الخنزير على خبز الجاودار).


يروي فيها بدايته مع الكتابة، حيث كان في الابتدائية وطلبت منهم المعلمة أن يكتبوا مقالة عن الرئيس الأمريكي الذي سوف يزور لوس أنجلوس ويلقي فيها كلمة. لم يستطع أن يحضر لأن والده فرض عليه بعض الأعمال المنزلية. فتخيّل أنه حضر كلمة الرئيس وكتب مقالةً حول انطباعه عن عنها، وسلّمها إلى معلمته: "«مقالك مبدع للغاية»، قالت السيدة فيرتاغ، وبدأت تقرأ مقالي. بدت الكلمات جيدة بالنسبة لي. كان الجميع يستمع. كلمات ملأت الحجرة، من السبورة إلى السبورة، اصطدمت الكلمات بالسقف وارتدّت وغطّت حذاء السيدة فيرتاغ وتجمعت على الأرضية. بعض أجمل الفتيات في الفصل بدأن يسرقن النظرات إليّ. كل الأولاد الأقوياء كانوا غاضبين. مقالاتهم لم تكن تساوي قمامة. شربت كلماتي مثل رجل عطش. حتى أنني بدأت في تصديقها. رأيت خوان جالسًا هناك ويبدو كأنني لكمته على وجهه. مددت ساقيّ واتكأت للخلف. ثم انتهت السيدة فيرتاغ من قراءة المقال.

«بهذه المقالة الرائعة»، قالت السيدة فيرتاغ، «أُنهي هذه الحصة. . . »".

وحين عرفت المعلمة أنه كتب المقالة من خياله، لأنه لم يستطع الحضور، زاد إعجابها بالمقالة. وحينها أدرك مدى حب الناس للأكاذيب الجميلة.


أما محمد شكري فقد وُلِد في الريف المغربي عام 1935، وكانت آثار أزمة الكساد العالمي قد وصلت إلى المغرب على شكل مجاعة عانت منها أسرة شكري، فانتقلوا وهو بعمر السابعة، سيرًا على الأقدام مدة أسبوعين، إلى طنجة، حيث قضى فيها بقية عمره. كانت هذه المعاناة المبكرة مع الجوع هي اللحظة التي بدأ فيها سرد طفولته ونشأته في رواية «الخبز الحافي».

نلاحظ اتفاق الكاتبين على اختيار الخبز عنوانًا لطفولتهما. لكن خبزة شكري كانت مختلفة. فهو لم يتيسر له الذهاب إلى المدرسة في طفولته لأنه كان يعمل ليعيل أسرته. ولم يخرج من أسر الأميّة إلا بعد أن تعدى العشرين من عمره، حين طلب من أحد الأشخاص الذين يجالسهم في المقهى أن يعلمه القراءة والكتابة، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية وعمره إحدى وعشرون سنة، وواصل تعليمه حتى صار معلمًا. وكان يتمتع بحسّ ساخر في حياته، فيروي أحد المواقف مع الأطفال الذين يعلمهم: "باس تلميذ تلميذة فكانت مشكلة. ولكي أردّ لها الاعتبار أمرتها أن تبوسه هي أيضًا فكفت عن البكاء".


أما بدايته مع الكتابة، فيحكيها في روايته «الشطار»، حيث انتبه وهو يتردد على أحد المقاهي في طنجة، إلى المكانة التي يمنحها الناس للشاعر محمد الصباغ، لا لشيء إلا لكونه كاتبًا، ومثلما جاهد شكري في انتشال نفسه بنفسه حين تعلم القراءة، أحبّ أن تكون له مكانة رفيعة بين الناس، يقول: "اشتريت كتبه [الشاعر محمد الصباغ]: اللهاث الجريح، شلال الأسد، شجرة النار وأنا والقمر (الأخيران مترجمان إلى الإسبانية) وكتب صغيرة الحجم. قرأتها في يومين. قلت لنفسي: إذا كان الناس يحترمون من يكتب مثل هذه الأشياء فأنا أستطيع أن أكتب مثلها أو أفضل منها. الكتابة إذن امتياز".


ويتشارك كل من هذين الكاتبين بوالد متسلط إلى حد القرف. فوالد شكري كان يضربه هو وأمه لأتفه الأسباب، حتى استيقن أن والده لا يكنّ له أي مشاعر، فبادله هذه الكراهية. وظهر هذا حين كان شكري جالسًا مع أصدقائه في مقهى فرآه والده وأتى إليه وباشر ضربه، فاندفع أصدقاؤه وضربوا والده وأبرحوه ضربًا، ومحمد ينظر إلى والده دون أن يحاول منعهم بأي كلمة. وصُدموا حين عرفوا أنهم كانوا يضربون والد صديقهم. ولم تتوقف معاناة شكري مع والده إلا حين كبر وصار عصيًا على والده أن يضربه.


كذلك الأمر مع بوكوفسكي، الذي كان يضربه والده على أتفه الأسباب بسير جلدي على مؤخرته. كان بوكوفسكي يصرخ بشدة، حتى إنه فقد شعوره بالبنوّة. ولم يتوقف والده إلا عندما أدرك أن شيئًا ما في ابنه قد تغيّر: "ضربني مجددًا. لكن الدموع لم تنزل. كانت عيناي جافتين بشكل غريب. فكرت في قتله. لا بدّ من وجود طريقة لقتله. بعد عدة سنوات يمكنني أن أضربه إلى أن يموت. لكنني أردت أن أفعل ذلك الآن. لم يكن يساوي الكثير. لا بدّ أنهما تبنّياني".



أسلوبهما في الكتابة


"الأسلوب.. جوابٌ لكلّ سؤال،

 طريقةٌ عذبةٌ لتصنعَ شيئاً مُملّاً أو خطيرًا،

أنْ تفعل شيئاً مُملّاً بأسلوبكَ

أفضلُ من أنْ تفعل شيئاً خطيرًا دونَ أسلوب،

أنْ تفعل شيئًا خطيرًا بأسلوبكَ

هذا ما أسمّيهِ: الفنّ".

بوكوفسكي، قصيدة الأسلوب



يعتمد شكري في «الخبز الحافي» على الجمل القصيرة. ويبتعد عن استخدام عبارات مزخرفة. ربما لأن الواقع الذي يعيشه لا يتناسب معها. ولا يكاد يُغرق في الوصف (باستثناء حديثه عن أجساد النساء)، ولا في تقديم التفسيرات. جمله تنتقل بك سريعًا من حدث إلى آخر. وهو ما يدفع الملل عن القارئ. أما في «الشطار» فيظهر أكثر نضجًا في سرده. ما يجعل الرواية السابقة تبدو وكأنها لُقّنَت شفهيًا، وقد ذكر شكري لاحقًا أنه كتبها على عجل وأنجزها في شهرين. أما «الشطار» ففي بدايتها يروي لنا رحلته في تعلم القراءة والكتابة. وله جزء ثالث وأخير من سيرته في رواية «وجوه». ويقول في إحدى رسائله: "كتبت ثلاث قصص في عشرة أيام. إنها الآن في الاختمار. الكتابة الحقيقية هي التنقيح.

ألاحظ أنّ معظم القصص والروايات المغربية مكتوبة بلغة إدارية مثل: نظرا لأنّ، ولم يكن له في الأمر يد وفكر به... مثل هذه الكلمات قرأتها في قصص مغربية. إنّ القصة القصيرة لا يمكن لها أن تكون إلاّ مثل قصيدة شعرية في لغتها وأسلوبها.

سلمت قصة "الخيمة" لمحمد بنيس لينشرها بكل قلّة حيائها في الثقافة الجديدة كما وعدني". الاستغناء عن اللغة المزخرفة عنده لم يكن عجزًا، بل اختيارًا وظّفه في بعض أعماله. واتصل وتأثر بالعديد من الكتّاب الغربيين، أمثال جان جنيه الذي نشر شكري كتابين عن مذكراته معه في طنجة. وبول بولز الذي ساعده على نشر «الخبز الحافي»، وتينيسي وليامز.


أما بوكوفسكي فعُرف شاعرًا أولًا، ولم ينشر أولى رواياته إلا بعدما تعدى الخمسين. وتأثر مباشرة بكل من فانتي وهمنغواي، وتعلم منهما أسلوبه المباشر في الكتابة، يقول عن الأخير: "وثم أتى همنغواي. يا لها من إثارة! كان يعرف كيف يضع سطرًا من الكلمات على الورقة. أبهجتني كتبه. كلماته لم تكن مملة، كلماته كانت أشياء تجعل عقلك يدندن. لو قرأتها وأطلقت العنان لنفسك لشعرت بالسحر، كان بإمكانك العيش بلا ألم، بالأمل، بالرغم من أي شيء يحدث لك". ومن فانتي أخذ تقسيم رواياته إلى فصول قصيرة جدًا، بحيث تُبقي هذه الطريقة القارئ يقظًا، كما يقول بوكوفسكي.


في مجموعته القصصية «جنوب بلا شمال» يعرض لنا قصصًا تصور الحياة اليومية كما هي، وتنتهي قصصه نهايات رتيبة كما ينتهي أي حدث يومي في الحياة الواقعية ليبدأ غيره، دون حبكات معقدة. وكثيرًا ما ارتبطت الواقعية القذرة بالكتابة التقليلية. 



الملهِمون: فانتي وجنيه


"فانتي هو إلهي".

بوكوفسكي



نشرت دار بلاك سبارو طبعة جديدة من رواية «اسأل الغبار» لجون فانتي، وتضمنت مقدمة كتبها بوكوفسكي، واشتكى فيها من ملله من الكتب التي كان يجدها في المكتبة العامة إلى أن عثر على رواية «اسأل الغبار»: "كان لفانتي أثر هائل فيّ، بعد قراءة هذه الكتب بوقت قصير كنت أعيش مع امرأة سكيرة كانت أسوأ مني، حدث بيننا بعض المشاجرات العنيفة، وغالبًا ما كنت أصرخ في وجهها: ‘لا تناديني بابن الساقطة! أنا بانديني، آرتورو بانديني!’

بعد تسعة وثلاثين عامًا أعيد قراءة اسأل الغبار، أقصد أنني أعدت قراءتها هذه السنة وما تزال صامدة، كما هي أعمال فانتي الأخرى، لكن هذه الرواية هي المفضلة لدي، لأنها كانت اكتشافي الأول للسحر".


كتب شكري كتابًا بعنوان «جان جنيه في طنجة» ووثق فيه لقاءه الأول معه، وصداقتهما التي امتدت حتى وفاة جنيه. ويذكر في إحدى رسائله في «ورد ورماد» أنه يعيد قراءة رواية «مذكرات لص» لجنيه بالفرنسية والإسبانية. ويقول في حوار مع صحيفة «الباييس» الإسبانية في 1995: "أما مع جان جينيه فقد كان الأمر مختلفاً، لأننا تشاركنا في الكثير من المشاعر. نحن الاثنان كنا نشّالان وبوهيميان ومتشردان. كان رجلاً بسيطاً ويزدري الذي كنت أزدريه أنا، ولذلك وُجِد نوعًا من تيار التعاطف والانسجام المتبادل بيننا".



خمر ونساء





لم يكن كل من بوكوفسكي وشكري يشربان الخمر، بل كانا مدمنين عليه. وكانا يقضيان أوقاتًا طويلة في الحانات. وتعرفا على الكثير من العاهرات.


تحدث كل منهم عن عدد كبير من التجارب الجنسية، وربما كان هذا من أكثر الأمور التي يتطرقان إليها. يقول شكري في «الشطار»: "كل حب يُنْسَى بحب آخر. أن تتذكر الحب الأول هو أن تحب مرة ثانية". كثيرًا ما يدافع شكري عن خوضه في هذه المواضيع بكونه يعرض جانب الضحية في العاهرات حين يكتب عنهن. وأحيانًا يجد في نفسه انجذابًا تجاه إحداهن، لكننا نجده سعيدًا في «وجوه» حين اتعظ بما يحدث لغيره ممن يخوضون هذه العلاقات التي قد تتحول إلى منحى جاد: "ومن حسن حظي أني لم أحبّ أي امرأة لعينة حتى تقهرني: لا قاهر ولا مقهور. لقد أحببتهنّ من بعيد. لا يهمني أن يبادلنني حبي لهنّ. عندما تبدأ امرأة تبادلني الحبّ عن قرب وجدّية العشرة معها فإنها الكارثة هي التي تبدأ".


أمّا بوكوفسكي فقد عرف منذ وقت مبكر ماذا يريد وما لا يريد، يقول في «الشطيرة»: "فكرة أن يكون المرء شيئًا ما لم ترعبني، بل كنت أشمئز منها. فكرة أن أكون محاميًا أو عضو مجلس ما أو مهندسًا، أو أي شيء مثل هذا، بدت مستحيلة بالنسبة لي. لأتزوج، لأنجب أطفال، لأُسجن في هيكلية العائلة. لأذهب إلى مكان ما كل يوم للعمل ثم أعود. كان ذلك أمراً مستحيلاً بالنسبة لي. أن أقوم بفعل أشياء، أبسط الأشياء، أن أكون جزءاً من نزهات عائلية، الكريسماس، الرابع من تموز، عيد العمال، عيد الأم... هل ولد الرجل ليتحمل هذه الأشياء ثم يموت بعدها؟ كنت أُفضّل أن أكون غاسل صحون وأعود بعدها إلى غرفتي الصغيرة لأشرب إلى أن أنام". كانت له كذلك علاقات عديدة عابرة، لكنه عرف الحب، وساكن إحدى عشيقاته وأنجب منها، ربما دون رغبته في البداية، طفلة سماها مارينا. وكانت من أحب الناس إليه.



الاكتئاب والانتحار


"مد إيدك يا صديق

انتشلني من الوحل،

عينيك تراقب موت جسمي الكهل،

وبطء زي السم ف الوريد

يشلّك ويتمكن".

علي طالباب، أغنية ايه بعد البؤس ده؟



أحد امتدادات الطفولة القاسية أنها وشمت بقية حياتهما بمعاناة نفسية هائلة. كان إدمان الخمر والتردد على العاهرات مجرد أعراض لها، وكان من ظلالها العزلة والأفكار الانتحارية. فقد دخل شكري في السبعينيات مستشفى الأمراض العصبية، ويتذكر في بعض رسائله إلى محمد برّادة، والتي نشرها في كتاب «ورد ورماد»، هذه الأفكار فيقول: "أيام أزمتي النفسية عام 64 حاولت ابتلاع عشرين كبسولة من مهديء ليبيريوم. لم أستطع أن أبلع سوى خمس أو ست كبسولات عندما دخل صاحب الفندق الإسباني غرفتي و أنقذني. لم أعد أذكر كيف أسعفت".


بوكوفسكي هو الآخر كان يقرف من الحياة وكان يردد أن لديه نزوعًا إلى الانتحار Suicidal، وأنه يوميًا يستخدم، حسب تعبيره، أبطأ وسيلة للانتحار: الكحول. وفي الخمسينيات دخل المستشفى بسبب إفراطه في الشرب، فأخبره الأطباء بأن عليه ألّا يشرب الكحول ثانية، وإلّا فسوف يموت. فما كان منه حين خرج من المستشفى إلى بيته، أن توقف في إحدى الحانات على الطريق ليشرب.



الشهرة والسينما


"أعجبني أن يتحدث كاتب مغربي في برنامج ثقافي رفيع في فرنسا".

الملك الحسن الثاني (نقلًا عن طلحة جبريل)


لكلا الكاتبين حضور أوروبي، وقد ظهر كلاهما في برنامج «أبوستروف» الثقافي الفرنسي الذي يتابعه الملايين. ففي عام 1978 استُضيف بوكوفسكي وجلس يتحاور مع مجموعة من المثقفين وزجاجة النبيذ إلى جانبه، ثم قرر فجأة، بعد أن أفرط في الشرب، أن يغادرهم قبل انتهاء الحلقة، وخرج وهو يترنح. أما شكري فظهر في البرنامج بعدها بسنتين، بمناسبة صدور الترجمة الفرنسية لـ«الخبز الحافي». وينقل طلحة جبريل إشادة ملك المغرب بهذا الظهور الإعلامي المهم لأديب مغربي.


ويظهر شكري في وثائقي «جسور التواصل.. ظل الآخر» من إنتاج قناة الجزيرة، عن علاقته بجنيه. واقتُبست «الخبز الحافي» لتكون فيلمًا سينمائيًا. وهناك بعض الوثائقيات الأخرى عن حياته.


أما بوكوفسكي، فحظه في الإعلام أوفر. فالكثير من الأفلام اقتبست أعماله، منها: فيلم «Barfly» شخصيته المتخيلة، تشيناسكي، ويصور ثلاثة أيام من حياته وهو في العشرينات في لوس أنجلوس. كتب سيناريو الفيلم ثم دوّن هذه التجربة في روايته «هوليوود». وكذلك اقتُبس فيلم «Factotum» من إحدى رواياته السِّيَرية التي تحمل العنوان نفسه. كذلك فيلم «Tales of Ordinary Madness» مقتبس من مزيج من حياته وكتاباته.



الكتابة حياة غير مهدرة

كل من شكري وبوكوفسكي وجد في الكتابة معنًى جديدًا لحياته التي قضى سنواته الأولى فيها مع المعاناة والألم. الكتابة منحتهما الشعور بأنهما لم يُهدرا حياتهما، بل مكنتهما من خلق أدب يلامس الكثير ممن يشاركونهما تلك التجارب والمعاناة، ليشكلا نموذجًا بشريًا للعنقاء التي تولد من رمادها من جديد.







ساراماقو: الإنجيل برواية يسوع المسيح




 




"إننا لا نعرف ماذا يحدث لأحزان الحياة بعد الموت، لاسيما لحظات المعاناة الأخيرة. يحتمل أن ينتهي كلّ شيء مع الموت، لكن لا يمكننا أن نكون واثقين من أن ذاكرة المعاناة لا تستمر لعدّة ساعات على الأقل في هذا الجسد الذي نصفه بأنه ميت، ولا يمكننا أن نستبعد الاحتمال بأنّ المادة تستخدم تفسّخ الجسد كسبيل أخير لإنهاء المعاناة". 

ساراماقو، رواية الإنجيل حسب رواية المسيح



بدأ الرواية باقتباس العبارات الأولى في إنجيل لوقا، والتي من خلالها يبرر لوقا كتابته إنجيله رغم أن ثمة أناجيل كُتبت قبله. وساراماقو في هذه الرواية يشتبك مع النص المقدس من داخله. واعتمد في كتابة الرواية على خياله بالطبع، لكنه كذلك استند إلى ما ورد في الأناجيل الأبوكريفيّة التي لا تعترف بها الكنيسة الكاثوليكية. ويظهر فيها اهتمامه بثنائية الخير والشر، و الحقيقة والزيف. وهو ما سوف يتكرر في رواياته اللاحقة.


وفي هذه الرواية التي يحاكي فيها الأناجيل، يفتتح ساراماقو السرد بالحديث عمّا يبدو كما لو أنه لوحة مرسومة على منظر طبيعي يشرع في وصفه لكنه سرعان ما يقطع وصفه لهذا المنظر بالتأكيد على أن، "لا شيء من كلّ هذا حقيقي، بل إن ذلك كله لا يعدو كونه ورقة وحبرًا، ولا شيء آخر". (ص9). وهذا البحث مغرٍ لأن الحقيقة لطالما كانت عصيّة على الإدراك، "كما سيرفض يسوع ذات يوم أن يجيب عندما سُئل، ما هي الحقيقة. سؤال ظل بلا جواب حتى يومنا هذا". (ص216)


ونجد فيها، بشكل واضح ومتكرر وساخر، انتقاداته لوضع المرأة في المجتمعات القديمة، والتي ما تزال بعض آثارها باقية حتى اليوم. فيقول على لسان يوسف النجار، فور انتهائه من مضاجعة زوجته: "أشكرك يا ربي العظيم، ملك الكون، لأنك لم تجعلني امرأة". (ص22). وفي ص124: "كان الشيء الوحيد الذي يجمع بين يوسف وبين أيوب هو عدد الأبناء. فقد كان لأيوب سبعة أبناء وثلاث بنات، وكان لدى يوسف سبعة أبناء وابنتان، مما منح [يوسف] النجار الامتياز بأنه أنجب أنثى أقل إلى هذا العالم". 


وفي الرواية يصوّر لنا كيف نشأ يسوع في ظل أسرة يهودية متدينة، بداية من البشارات التي تلقّاها والداه، مريم ويوسف النجار، اللذين بشرهما ملاك أتاهما على شكل شحّاذ منذ لحظة الحمل، أنهما سيرزقان بطفل يتمتع بخصائص تميزه عن غيره. لذلك عندما علم يوسف النجار بالأمر الذي أصدره الملك هيرودوس بقتل كل الأطفال في بيت لحم، حرص كل الحرص على الهرب حفاظًا على حياة ابنه. وهذا القرار ترك أثرًا كبيرًا في نفس يسوع حين علم به لاحقًا.


ففي عمر الرابعة عشرة، وبعدما مات يوسف النجار، عرف يسوع بما حدث في طفولته، وجعلته محاولة والديه النجاة به دون إنقاذ بقية الأطفال بتحذير أسرهم، يعيش صراعًا داخليًا وهذا ما جعل الذنب يتملّكه، بل اتهم والده بأنه قاتل، وخاف من أن يرث هذه الخطيئة منه مثلما ورث البشر خطيئة حواء وآدم: "مفعمًا بالحزن، غطّى يسوع وجهه بيده وصاح، لقد قتل أبي أطفال بيت لحم. ماذا تقول يا بني، لقد قتلهم جنود هيرودس. لا، أبي هو المسؤول، يوسف بن إلي هو الذي يتحمّل مسؤولية قتلهم لأنه كان يعرف أن هؤلاء الأطفال سيُقتلون ولم يفعل شيئًا ليحذّر ذويهم". (ص174). وهذا الشعور بالذنب جعله يتصرف كما لو أنه ينكر أباه.


وكعادة ساراماقو الذي يحمل قراءة ناقدة لأي تفصيلة في الكتاب المقدس قد تحمل في طياتها تناقضًا أو فعلًا غير أخلاقي: "وإذا استمرّ يسوع كما بدأ، فإنه سيجرؤ على أن يسأل ذات يوم لماذا أنقذ الربّ إسحاق ولم يفعل شيئاً لحماية أولئك الأطفال المساكين الأبرياء كما كان حال ابن إبراهيم، ومع ذلك لم يبد أي رحمة أمام عرش الربّ، عندها سيكون يسوع قادراً على أن يقول ليوسف، أبي، يجب ألّا تتحمّل كلّ الوزر، وفي أعماقه، من يعرف، فقد يتجاسر ويسأل، متى، يا إلهي، ستظهر أمام البشر وتعترف بأخطائك.". (ص133).


واهتم كذلك بطرح تساؤلات أخلاقية فيما يتعلق بالمعاناة والألم، وهنا لا نتحدث عن معاناة البشر فقط، بل حتى تلك الكائنات التي لا يكترث أحد لما يحدث لها، الحيوانات التي تُقدم للتضحية بحياتها، كما صوّر ذلك المشهد الذي يدور داخل الهيكل (ص91): "يأخذ اليمامة الأولى. يحملها إلى ركن المذبح، وبضربة واحدة يفصل رأسها عن جسمها. يتناثر الدم في كل مكان… لا يعير أحد أيّ انتباه إلى ما يحدث، لأنه لا توجد عواقب لهذا الموت… وفي أسفل العلية، ينتظر ثلاثة كهنة. عجل يتهاوى على الأرض بعد أن يهوي فوقه ساطور، يا إلهي، يا إلهي، كم جعلتنا هشين وضعفاء وعرضة للموت". يدفع القارئ إلى التساؤل عن مدى أهمية كل هذه المعاناة، التي تتكبدها تلك المخلوقات البريئة، في سبيل مشروع مقدس.


يصفها بعض النقاد بأنها رواية تحاكي الإنجيل Gospel Novel، وأشهر الروايات تحت هذا الجنس الأدبي هي «الإغواء الأخير للمسيح».


وتسببت هذه الرواية باستياء الكنيسة الكاثوليكية التي أدانت الرواية. وثار في أبريل 1992 نقاش حولها في البرلمان البرتغالي، بعدما تدخلت الحكومة لتمنع ترشيح الرواية للجائزة الأدبية الأوروبية لكونها مسيئة للكاثوليك. وشبه بعض البرلمانيين تصرف الحكومة بالعودة إلى محاكم التفتيش، وبأنه لا يختلف عمّا فعله الخميني مع سلمان رشدي.


وعندما شعر ساراماقو بقيد الرقابة الحكومية يضايقه، قرر أن يذهب إلى منفاه الاختياري في جزيرة لانزاروت الإسبانية، إلى أن نال جائزة نوبل للآداب، بعدها بسنوات قليلة.

 


في الختام، سأكتفي بنقل (بتصرف وباستخدام ترجمة آلية) ما دار في البرلمان البرتغالي، جلسة 30 أبريل 1992:

"المتحدث: - لكنني لم أذكر بعد السبب الجوهري الذي أنا متأكد من أنكم ترغبون في سماعه. إن إنجيل يسوع المسيح هو عمل، في رأيي، هاجم مبادئ تتعلق بالتراث الديني للمسيحيين، وليس الكنيسة فحسب...

تصفيق من نواب حزب PSD.

أصوات من الحزب الاشتراكي: - آه!

المتحدث: - ... وبالتالي، بعيدًا ...

احتجاجات من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي البرتغالي.

السيد أوكتافيو تيكسيرا (الحزب الشيوعي): - الأصولية، لا!

السيد الرئيس: - أطلب من السادة أعضاء البرلمان التزام الصمت.

المتحدث: - ...وبالتالي، فبدلاً من توحيد البرتغاليين، قسمهم ذلك في ما هو إرث روحي.

السيد أنطونيو أبرو (PCP): - ليس لديك خلفية ثقافية!

السيد لينو دي كارفاليو: - لقد عادت محاكم التفتيش!...

المتحدث: - لذلك، وبموجب الصلاحيات الممنوحة لي، رأيت أن هذا العمل لا يمكن إدراجه ضمن الأعمال المؤهلة للاختيار. إليكم التفسير المبسط والواضح.

تصفيق من نواب حزب PSD.

السيد لينو دي كارفاليو: - لقد تكلمت محاكم التفتيش!...

المتحدث: - لا يحدث هذا في أي ديمقراطية ناضجة، حيث للقيم الثقافية معنى جوهري، وفقًا لهذه المعايير، وهذه العمليات، وهذه الأساليب. علاوة على ذلك، فإن الأسباب التي ساقتها الحكومة هنا لإلغاء بعض الأعمال غير مقبولة بتاتًا، وهي تعيد إنتاج ما حدث، حتى وقت قريب، في إيران الخميني...

تصفيق من الحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي البرتغالي، والنائب المستقل ماريو تومي.

وقد تم ذلك في ظل الديكتاتوريات الستالينية. وبمعايير من هذا القبيل، التي تعيد إنتاج محاكمات التفتيش، فإن أعمالاً مثل "أوس ماياس"، و"جريمة الأب أمارو"، و"عندما يقتل الذئاب"، والشعر الغنائي لكامويس، وغيرها الكثير، لا تستحق أن تمثل الأدب البرتغالي. نود أن نرى، بشكل نهائي، هذا المناخ الاضطهادي، ومناخ التعصب هذا، وهذه القيم التي تتعارض بشدة مع روح الثقافة البرتغالية الحقيقية، تُستأصل من الحياة الثقافية البرتغالية.

أصوات من الحزب الاشتراكي: - جيد جداً!

رئيس البرلمان: - إن الحكومة التي تتخذ مثل هذه الإجراءات وتبررها في البرلمان بهذه الطريقة ليس أمامها خيار آخر سوى إقالة المسؤولين عن سياستها الثقافية.

تصفيق من الحزب الاشتراكي، ووقوف الحضور، ومن النائب المستقل ماريو تومي.

السيد الرئيس، أعضاء البرلمان الكرام: أختتم كلمتي بحالة نموذجية تُظهر قصور قرار الحكومة، الذي يستحق رفض كل من يُقدّر الحرية، وهذه قضية جوهرية سبق طرحها هنا. ما حدث للكاتب خوسيه ساراماغو - الذي رفض وكيل وزارة الثقافة ترشيح روايته "إنجيل يسوع المسيح" لجائزة الأدب الأوروبي - يُعدّ هجومًا على حرية التعبير والإبداع الأدبي. إنه موقف نابع من نفس العقلية الأصولية التي دفعت آية الله الخميني إلى إصدار أمر بتصفية سلمان رشدي.

احتجاجات من قبل حزب PSD.

هل سنحظى الآن بآية الله لارا في البرتغال؟

ضحك من الحضور.

بالمناسبة، أردتُ حتى أن أُكيّف هذا الظرف مع ردّ أكيلينو ريبيرو عندما رأى كتابه "Quando os Lobos Uivam" (عندما تعوي الذئاب) خاضعًا للرقابة. قال أكيلينو حينها: "عندما تحكم الذئاب، تعوي العدالة"، وأضيف: "عندما تفرض الذئاب الرقابة، تعوي الثقافة". ولكن، كما كنت أقول، وأكرر، هذا موقف نابع من نفس العقلية الأصولية التي دفعت آية الله الخميني إلى إصدار أمر بتصفية سلمان رشدي، فضلًا عن كشفه عن نفاقٍ فاحش، إذ يتناقض مع أحد المبادئ التي دافعت عنها الحكومة والحزب الاشتراكي الديمقراطي: معيار قانون السوق، وتقبّل الجمهور. والآن، يُعدّ ساراماغو من أكثر الكُتّاب البرتغاليين الأحياء مبيعًا وترجمةً. عندما تُتاح للحكومة فرصة التصرّف بتماسك وتطبيق المبادئ التي دافعت عنها، فإنها تختار النهج المعاكس. هناك قرارات لا يمكن أن تعكس أذواق وخصوصيات من هم في السلطة. تكشف هذه الحادثة عن هشاشة القرار السياسي للحكومة، ولذا يجب تحليلها.
 لذلك، وباسم الحزب الاشتراكي، أطالب بإلغاء أمر وكيل وزارة الثقافة الذي رفض كتاب ساراماغو، وتشكيل هيئة محلفين لهذا الغرض، على أن تتولى الحكومة حينها مسؤولية إضفاء الطابع الرسمي على الترشيح.

تصفيق من الحزب الاشتراكي.

وأختتم بتأييد كلمات الكاتب توركاتو سيبولفيدا، في صحيفة بوبليكو اليوم، "في أي بلد حر، سيتم فصل الشخص المسؤول عن هذا الإجراء أو سيستقيل". وهذا هو رأينا أيضاً.

تصفيق من الحزب الاشتراكي".