"حدود لغتي تعني حدود عالمي".
فيتغنشتاين
"ألو، علي". نبرتها المعتادة.
"أهلًا، نادية". أجبتها ثم مددت يدي إلى شاشة الآيباد لأوقف النشيد على يوتيوب.
"ما هذا الصوت؟ ما الذي تفعله الآن؟".
"أخبرتكِ قبل فترة عن نيتي لتعلم السريانية. اليوم بدأت في الاستماع إلى نشيد «آبون بشمايو»، ووضعته على التكرار لأحفظه، هذه الطريقة أسهل لتعلُّم اللغة".
أسمعها تملأ رئتيها بالهواء.
"جميل جميل.. جميل جدًا". سكتت وهلة قبل أن تسأل، "مقالة جديدة؟".
"نعم، لن أؤجل كتابة مراجعتي لكتاب لوكسنبرغ أكثر، هناك معلومات جديدة عنه. أجلت الكتابة عنه في السابق حتى أبدأ في تعلم السريانية لأنها ستساعدني كثيرًا على..".
"أوكيه أوكيه"، قاطعتني، "اتصلت عليك فيما يخص الموقع".
"لديكِ مقالة جديدة؟ لم تنشري شيئًا منذ ثلاثة أو أربعة شهور".
"لا، ليس لدي شيء جديد أنشره في الموقع".
"تريدين تتفرغين أكثر لصفحة الموقع على يوتيوب؟".
"ولا هذا".
"ما الأمر إذن؟".
"أريد أن أوقف كل النشاط الثقافي الذي كنت أمارسه..".
"طيب طيب"، قاطعتها متفهمًا رغبتها في التوقف لأخذ استراحة، "توقفي إلى أن تشعري أن لديكِ شيئًا جديدًا تقدمينه. لا مشكلة".
"علي، أنا.."، أسمعها تملأ رئتيها، "أريد أن أتوقف بشكل كامل ونهائي. حتى إنني فكرت في مسح الموقع بالكامل، لكنني لست وحدي التي عملت فيه. لذلك أريد على الأقل حذف كل مقالاتي السابقة، وكذلك مقاطع الفيديو، التي يظهر فيها صوتي، من يوتيوب".
"نعم! لماذا هذا القرار المفاجئ؟".
"ليس مفاجئًا. الفكرة تراودني منذ شهور، واليوم حسمت أمري. لا أستطيع الاستمرار أكثر. لدي أمور أخرى أكثر أهمية".
حامت العبارة في رأسي، لدي أمور أخرى أكثر أهمية، هل سوف تتزوج؟
"أخبريني السبب على الأقل".
"علاقة أختي بطليقها فتحت عينيّ على ما كنتُ أفعله".
"لا أفهم.. ما علاقتهما بموقعنا؟ عرفوا أن أحد الأسماء المستعارة في الموقع يعود إليكِ؟".
"لا لا، الأمر مختلف. أشرح لك لاحقًا".
"كما تريدين".
"مع السلامة".
"مع السلامة".
"لحظة لحظة علي.. لا تنسى شورت السباحة، حفلة عيد ميلادي الأسبوع القادم ستكون عند المسبح".
"لن أنسى". تذكرت أنها ستبلغ الخامسة والثلاثين الأسبوع القادم.
"مع السلامة".
لدي أمور أخرى أكثر أهمية، أمممممممم.
***
أخذتُ استراحة من تعلم السريانية. نهضت عن مكتبي وذهبت إلى المطبخ وأخذت قطعتين من كيت كات من الثلاجة. وقفت أتناولهما في المطبخ وأنا أفكر فيما قالته. يا ترى، ما الذي كنت سأفعله اليوم لو أنني لم أكن مشغولًا بتعلم السريانية؟
دخلت موقع «عقلانيون بلا حدود» من هاتفي، وتجولت في الأقسام المختلفة فيه أتأمل خمس عشرة سنة من المحتوى الفكري الذي راكمناه أنا ونادية:
مقالات في القراءات الشاذة عند ابن شنبوذ وابن محيصن وابن مقسم والحسن البصري.
بحث في أثر الاختلاف حول موضع اليدين في الصلاة على الواقعية التاريخية لمفهوم التواتر.
مقالة عن التماثل بين فكر الحسين وابن تيمية.
دراسة عن الإرجاء عند أبي حنيفة النعمان.
حوار مترجم مع باتريشيا كرون عن الكعبة والمسجد الأقصى.
دراسة عن المسكوت عنه حول مكانة علي وأبنائه عند المسلمين قبل الدولة العباسية.
بحث في العلاقة بين المسيحيين في الدولة الأموية ونشأة القول بخلق القرآن.
مقالة في البحث عن مصحف ابن مسعود في العراق بعد القرن الخامس.
في سنواتنا الجامعية الأولى لم يكن لدينا الكثير من المعرفة حول هذه المواضيع التي نكتب فيها بعمق الآن، لكننا امتلكنا الكثير من الدوافع الداخلية التي ساهمت في مداومتنا على التعليم الذاتي. شاركتني نادية آنذاك سلسلة من الجدالات مع المنتسبين للتيارات الدينية عن حق المرأة في الترشح في الانتخابات، وعن قانون التعليم المشترك، وعن تطبيق الشريعة وفرض الحجاب. كانت مدفوعة بكراهيتها اقتحامهم حياة النساء، ورغبتهم في بقائها في المنزل، في المطبخ تحديدًا. أما أنا فقد كنتُ مدفوعا بما رأيته، أثناء الانتخابات الطلابية، من مفارقة شعاراتهم الدينية لواقعهم اليومي.
كان مقلب شاشة تخطيط القلب هو الذي شجعنا على إنشاء الموقع. يااااه، يغلبني الضحك كلما استحضرت تفاصيله. فقد كانت قصص الإعجاز العلمي شائعة في تلك الأيام، ووجدنا أن نقاش الحجة بالحجة لن يفضي إلى أي نتيجة مع من يصدّق مثل هذه الخوارق. فقررنا أن نثبت وجهة نظرنا بطريقتنا. كنت حينها أتقن استخدام الفوتوشوب، فاقترحت عليّ نادية أن آخذ صورة لجهاز تخطيط القلب وأغيّر الخطوط عليه إلى كلمة «الله»، ونشرناها في «منتدى الشبكة الليبرالية»، على أنها إعجاز علمي حيّر الأطباء في أحد المستشفيات الأميركية، وطلبنا من أعضاء المنتدى إعادة نشرها في المواقع الأخرى، وانتظرنا لنرى كيف تكون ردّة فعلهم. وكانت المصادفة أن هذه الصورة انتشرت في الكثير من المنتديات، وصارت تتداول على أنها حقيقة. وهذا ما أضاء مصباحًا في جمجمتينا، ألا وهو قدرتنا على التأثير في قناعات الآخرين من خلال ما ننشره على الإنترنت. فإذا كان الأمر كذلك حين كتبنا موضوعا هزليا لا نرمي من وراءه إلا الضحك، فكيف لو كتبنا مواضيع رصينة وجادة؟
في تلك اللحظة، قررنا أن نفتتح شبكتنا الخاصة وننشئ موقع «عقلانيون بلا حدود». ثم انغمسنا في الكتابة في الموقع، طوال الخمس عشرة سنة الماضية، بأسمائنا المستعارة.
خرجت من المطبخ إلى غرفة نومي، والسؤال ما زال يحوم داخل رأسي. وقفت أمام المرآة أتأملني. زاد وزني منذ تخرجت من الجامعة، وفي السنوات الأخيرة بدأ جسمي يأخذ شكلًا كرويًا. لم أكترث كثيرًا. كنتُ أُعزي نفسي بأن هذا طبيعي جدًا، فالمثقف الحقيقي ليس له وقت لغير مطالعة الكتب والتأمل في العلاقة بين الأشياء من حوله. وجدت عزائي في يوسف زيدان ونصر أبوزيد. وما زلت حتى الآن لا أعرف الإجابة: ما الذي كنت سأفعله اليوم لو أنني لم أكن مشغولًا بتعلم السريانية؟
فتحت الواتساب وكان فيه رسالة قبل دقائق من منصور. متى آخر مرة التقيت به؟ ربما منذ أكثر من سنة. صعدت في شاشة المحادثة ووجدته مواظبًا على رسالتين كل أسبوع. في كل يوم ثلاثاء: "حياكم الديوانية بعد المغرب". وفي صبيحة كل جمعة: "بعد الصلاة سنذهب إلى كاريبو الصالحية، حياك". لكن الرسالة التي أرسلها للتو كانت مختلفة: "سنحضر فيلم أسماء جلال الجديد، تعال". من تكون أسماء جلال؟ هل هو اسم فني لإحدى زميلاتنا في الجامعة؟
حين مررت برقم نادية في الواتساب انتبهت إلى أنها غيّرت صورتها مؤخرًا، وعليها تاريخ يعود إلى قبل شهرين. فتحت صورة البروفايل ووجدتها تنظر إلى الكاميرا مبتسمة وشعرها يغطي نصف وجهها، كانت مستلقية على بطنها، وتظهر وراءها السماء الزرقاء والشاطئ الواسع. وإلى جانب وجهها كتبت هذا الاقتباس:
لا تقبل أن تُشارك
في معركة
ليست لك
ما زلت في حيرة من أمري، ما الذي كنت سأفعله اليوم لو أنني لم أكن مشغولًا بتعلم السريانية؟
قررت أن أؤجل تعلم السريانية إلى الغد. نعم لن أتوقف عنها تمامًا. لأنني سأستفيد من تعلمها معرفة لغة جديدة، لعلي أستفيد منها لسنوات قادمة.
***
حضرت الفيلم بالأمس. كان ممتعًا على غير ما توقعت، وعرفت من هي أسماء جلال.
عندما رجعت لأستأنف تعلم السريانية بحثت في يوتيوب عن مقاطع تحتوي على مناقشات وأفلام وأغاني يمكنني الاستفادة منها في تعلم اللغة. كل ما عثرت عليه كان جلسات في الكنيسة وحوارات مع رهبان وأناشيد إنجيلية. كنتُ أجلس إلى مكتبي وأشعر أنني منهكٌ من كثرة التفكير في جدوى ما أفعله. سَرَحت عيناي في الغرفة. أتساءل لو أتقنت السريانية، كيف ستكون استفادتي منها حينذاك. استرخيت على الكرسي وأنا أنتظر أن يمدّني عقلي بتصوره لي وأنا أتقن هذه اللغة الجديدة، وأمارسها في يومي.
انتظرت.
وانتظرت.
شاهدتني، جالسًا في بانيو. الماء يملؤه ببطء. وفي الوقت ذاته جسمي كان يتضاءل. الماء يرتفع، وجسمي ينكمش. صرتُ بحجم بطة صفراء صغيرة. أحرك ذراعيّ وقدميّ بكل ما أملك من قوة. أحاول الخروج من الماء. كنت أجاهد للسباحة في البانيو. حاولت النجاة من الغرق، دون جدوى. خارت قواي. لم أستطع الاستمرار والمقاومة أكثر. سلمت نفسي للماء. وبدأ جسمي الضئيل يتداعى إلى قاع البانيو ببطء. استسلمت للغرق. لم يكن لدي خيار آخر، وبعد حبس طويل لأنفاسي، أغمضت عينيّ وفتحت فمي على اتساعه وملأت رئتيّ بالماء.
حين فتحت عينيّ وجدتني جالسا على كرسي مكتبي، مباعدًا بين قدميّ، وذراعيّ في الهواء، وفمي مفتوح عن آخره.
***
كنت أول الواصلين إلى حفلة عيد ميلاد نادية. وصلت مع غروب الشمس كما طلبت مني. توجهت إلى المسبح الخارجي ووجدتها هناك مع بعض العاملات اللاتي يجهزن المكان قبل وصول أصدقائها.
"بدّل ثيابك وتعال". قالت لي قبل أن تقفز في الماء.
انضممت إليها. منحنا الماء شعورًا بالخفة والانتعاش في هذه الليلة الصيفية.
"ألن تخبريني ما بكِ؟ لماذا هذا التغيير المفاجئ". سألتها وأنا أحرك يديّ ورجليّ حتى أُبقي رأسي فوق الماء.
"لحظة إدراك متأخرة، أنني لم أكن أفعل ما أريد. كان يجب أن أضع حدًا، وأسير في الطريق الذي أريده أنا".
"وما علاقة أختكِ بالموقع؟".
"أختي.. أنت تعرف ظروف زواجها، وكيف تزوجت دون رغبتها ثم انفصلت بعد سنة واحدة فقط".
"نعم أتذكر".
"ربما الذي لا تعرفه أنها بعد انفصالها عن زوجها فعلت كل ما في وسعها حتى تغيظه".
"ذلك المزيج من المشاعر والرغبات غير الناضجة التي تحوم فوق نهاية أي علاقة".
"بالضبط. دخلت في علاقة مع مهندس ثم مع طيار، لا لشيء إلا لتغيظ طليقها. تابعت الأصدقاء الذين يتفاعل معهم في تويتر، وصادقتهم، حتى لا تغيب من أمام عينيه. وفعلت أمور أخرى، لكن طليقها لم يكترث بتاتًا".
غمست وجهها في الماء ثم رفعته وهي تمسح على شعرها المبلل إلى وراء رأسها، ثم أكملت حديثها.
"المشكلة أن الموضوع طال كثيرًا. تسع سنوات من عمرها ذهبت في هذه الخصومة التي كانت من طرف واحد. حرام صح؟"
"في كل مرة أقابلها كنت أجدها تبدو سعيدة، وكانت شديدة الاهتمام بنفسها ولديها حياة مليئة بالأصدقاء والهوايات". قلت متعجبًا.
"نعم، كل ذلك كان لإغاظة طليقها. وإحدى صديقاتها المقربات كانت تعرف ذلك. فاقترحت عليها قبل عدة أشهر أن تشاهد مسلسل «البحث عن علا»".
"عُلا؟". سألتها.
"مسلسل قصير عن الفرصة الثانية، لامرأة انفصلت بعد سنوات من الزواج لتجد أن عليها أن تبدأ حياتها بنفسها من جديد".
"واستفادت من متابعة المسلسل؟".
"كان شيئًا شبيهًا بما يُطلَق عليه التشافي بالأفلام. بعد كل حلقة تتسلل إلى داخل أختي كمية لا بأس بها من البهجة. أعطاها أملًا وأبرز لها أهمية عدم تفويت الفرصة الثانية". ثم سكتت وهلة قبل أن تكمل، "لكنني وأنا أتابع المسلسل معها اكتشفت أننا سواء. منذ أنهيت الدراسة الجامعية وأنا في خصومة فكرية تركتها تستمر طوال تلك السنوات. وهذا ما دفعني لأضع حدًا لذلك".
"لا تقلقي، حذفت كل شيء". قلتُ وأنا أحرك ذراعيّ بشكل دائري على سطح الماء.
"كل مقالاتي حذفتها؟".
"لا، حذفت كل شيء". وابتسمتُ. "لا أثر للموقع ولا لقناة يوتيوب الآن".
اقتربت مني وحضنتني.
"هذا أفضل شيء فعلته، اشتقتُ لنسخة علي التي كانت في السنوات الأولى من الجامعة، قبل أن تنال منها الخصومات الفكرية".
لم أرد. فقط مددتُ أطرافي وطفوتُ على ظهري. فعلت هي الشيء ذاته. وبقينا في سكون، ننصت إلى أصوات السيارات البعيدة الآتية من الشارع العام، ونقلب أعيننا على غيوم أغسطس المتناثرة.
"تذكرين أول سنة في الجامعة، عندما ذهبنا إلى كلية الشريعة". كسرتُ الصمت بسؤالي.
أسمعها تضحك، بينما كنا ما نزال نحدق في السماء.
"أذكر. أنت اقترحت أن نطبع قصيدة.. أظنها لوديع سعادة؟"
"عدنان الصائغ". صححت لها.
"نعم نعم، ونلصقها بالشريط اللاصق على أبواب مكاتب الأساتذة".
"هذه كانت الفكرة الأولى، لكننا عندما وصلنا خفنا أن ننكشف عند أحد الأبواب ونحن نلصق الورقة، فاخترنا أن ندسها تحت الأبواب بسرعة ونهرب".
"ماذا كان اسمها؟".
"المحذوف من رسالة الغفران، طبعنا فقط الأبيات الأولى منها".
"هل عرفت من هو الشخص الذي صرخ علينا: شفتكم يا كلاب؟".
"حتى الآن لا أعرف من هو، لكني أتذكر كيف هربنا بسرعة، أول ما سمعناه يصرخ علينا، إلى سيارتك الميني كوبر الصفراء وذهبنا إلى عصير كيفان".
"كنا أغبياء، كان يجب علينا أن نذهب إلى مكان خارج كيفان. لكننا اخترنا المكان الذي اعتدنا الذهاب إليه دون تفكير".
"تذكرين كيف جلسنا في مواقف عصير كيفان نضحك بشدة على ما فعلناه، ضحكنا حتى دمعت عينانا".
"علي…" نادتني نادية وأطلقت ضحكة قصيرة، ثم أكملت، "أنا حينها كنتُ أضحك لسبب آخر".
"على ماذا كنتِ تضحكين؟". سألتها باستغراب.
"حين صرخ علينا الدكتور وهربنا إلى المواقف، جريت أنت أسرع مني، ووصلت السيارة قبلي".
"لا أتذكر".
"هذا أكثر شيء أذكره بوضوح من ذلك اليوم".
بعد لحظات من الصمت، سألتني.
"هل أخبرت أحدًا عمّا فعلناه في ذلك اليوم؟".
"لم أخبر أي إنسان".
"وأنا كذلك".
مكثنا طافين على ظهورنا حتى بدأ أصدقاء نادية بالتوافد.
***
خرجتُ من المسبح. وغيرت ملابسي وجلستُ على أحد الكراسي المحيطة بالمسبح.
"ماذا تريد أن تشرب". سألتني نادية.
"شاي".
"أسود بدون إضافات كالعادة؟".
"لا، أريد قليلًا من الحليب معه".
بينما كنت أنتظر عودتها، جلست أنظر إلى أصدقائها الذين يسترخون داخل المسبح، والذين يتراقصون على أنغام الموسيقى خارجه. الكثير منهم في العشرينات من عمرهم. ذلك العمر الذي نسينا فيه، أنا ونادية، أن ليس لنا إلا حياة واحدة. وواصلنا السباحة عكس التيار، دون أن نخرج من الماء.
"أحضرت بعض الكرواسون". قالت وهي تضع الصينية على الطاولة.
"لكنني لا أريد كرواسون". قلت لها.
"من قال إنني أحضرته لك؟".
جلسنا نشاهد أصدقائها، وكان أحدهم يأتي من حين لآخر إلى نادية للسلام عليها أو للحديث معها.
"هل ترى تلك المرأة الطويلة؟". أشارت إلى إحدى الحاضرات.
"نعم".
"هذه معلمتي الفرنسية".
"حقًا؟ منذ متى بدأتِ في تعلم الفرنسية؟". سألتها مندهشًا.
"منذ شهرين.. أو أكثر قليلًا. كلما تحدثت بالفرنسية شعرتُ أنني شخصٌ آخر".
"لماذا قررتِ فجأة تعلمها؟". سألتها وارتشفت الشاي.
"لو كوردن بلو". أخذت رشفة من الكابتشينو وأوضحت، "سأتعلم الطبخ في معهد لو كوردون بلو بباريس في أكتوبر القادم".
"الطبخ! هذا ما كنتِ تعدّينه إهانة فيما مضى؟".
"وهذا ما انتبهت إليه مؤخرًا. أنني كنتُ أرفضه دون قناعة مني. عندما كنت في الجامعة كنت ماهرة في المخبوزات، لكنني قررت أن أتوقف دون سبب مستحق".
"جميل"، قلتُ فرحًا بهذا الخبر. "يبدو أننا سنكمل دراستنا معًا".
"أخبرني المزيد"، قالت وهي تغمس الكرواسون في الكابتشينو.
"اليوم صباحًا عقدت العزم على مراسلة إحدى الجامعات في بريطانيا لدراسة الماجستير".
"ماجستير في الأدب؟".
"طبعًا".
"توقعت". ارتفع حاجباها وهي تقول، "أذكر أنك كنت شغوفًا بقراءة الروايات والشعر، نزار قباني تحديدًا. كنت تتركنا وتأخذ قهوتك وتجلس وحدك تقرأ قصائده. حتى إنني استغربت أنك لم تختر دراسة الأدب آنذاك".
"تلك أيام مضت. توقفت عن كل ذلك طوال الخمس عشرة سنة الماضية".
"ألا تفكر أن تكتب؟ قصائد أو روايات؟".
"لا أدري، لدي بعض الأفكار التي قد تكون مناسبة لرواية أو قصة، ربما". شربت ما تبقى من الشاي.
"شاركني فيها أول ما تبدأ في الكتابة".
"سأفعل".
سكتنا. نتابع أصدقائها. وبعد دقائق نهضت متجهًا إلى الخارج، لوحت إلى نادية، "Goodbye".
كانت تجلس متربعة على الكرسي. ذراعها اليمنى ممدودة فوق ركبتها، وتمسك بكفها اليمنى نصف كرواسون. قبّلت كفها اليسرى، وأرسلت لي القبلة بأنفاسها وهي تقول،
“Adieu, mon ami”.
أغسطس
2026
