ساراماقو: الإنجيل برواية يسوع المسيح




 




"إننا لا نعرف ماذا يحدث لأحزان الحياة بعد الموت، لاسيما لحظات المعاناة الأخيرة. يحتمل أن ينتهي كلّ شيء مع الموت، لكن لا يمكننا أن نكون واثقين من أن ذاكرة المعاناة لا تستمر لعدّة ساعات على الأقل في هذا الجسد الذي نصفه بأنه ميت، ولا يمكننا أن نستبعد الاحتمال بأنّ المادة تستخدم تفسّخ الجسد كسبيل أخير لإنهاء المعاناة". 

ساراماقو، رواية الإنجيل حسب رواية المسيح



بدأ الرواية باقتباس العبارات الأولى في إنجيل لوقا، والتي من خلالها يبرر لوقا كتابته إنجيله رغم أن ثمة أناجيل كُتبت قبله. وساراماقو في هذه الرواية يشتبك مع النص المقدس من داخله. واعتمد في كتابة الرواية على خياله بالطبع، لكنه كذلك استند إلى ما ورد في الأناجيل الأبوكريفيّة التي لا تعترف بها الكنيسة الكاثوليكية. ويظهر فيها اهتمامه بثنائية الخير والشر، و الحقيقة والزيف. وهو ما سوف يتكرر في رواياته اللاحقة.


وفي هذه الرواية التي يحاكي فيها الأناجيل، يفتتح ساراماقو السرد بالحديث عمّا يبدو كما لو أنه لوحة مرسومة على منظر طبيعي يشرع في وصفه لكنه سرعان ما يقطع وصفه لهذا المنظر بالتأكيد على أن، "لا شيء من كلّ هذا حقيقي، بل إن ذلك كله لا يعدو كونه ورقة وحبرًا، ولا شيء آخر". (ص9). وهذا البحث مغرٍ لأن الحقيقة لطالما كانت عصيّة على الإدراك، "كما سيرفض يسوع ذات يوم أن يجيب عندما سُئل، ما هي الحقيقة. سؤال ظل بلا جواب حتى يومنا هذا". (ص216)


ونجد فيها، بشكل واضح ومتكرر وساخر، انتقاداته لوضع المرأة في المجتمعات القديمة، والتي ما تزال بعض آثارها باقية حتى اليوم. فيقول على لسان يوسف النجار، فور انتهائه من مضاجعة زوجته: "أشكرك يا ربي العظيم، ملك الكون، لأنك لم تجعلني امرأة". (ص22). وفي ص124: "كان الشيء الوحيد الذي يجمع بين يوسف وبين أيوب هو عدد الأبناء. فقد كان لأيوب سبعة أبناء وثلاث بنات، وكان لدى يوسف سبعة أبناء وابنتان، مما منح [يوسف] النجار الامتياز بأنه أنجب أنثى أقل إلى هذا العالم". 


وفي الرواية يصوّر لنا كيف نشأ يسوع في ظل أسرة يهودية متدينة، بداية من البشارات التي تلقّاها والداه، مريم ويوسف النجار، اللذين بشرهما ملاك أتاهما على شكل شحّاذ منذ لحظة الحمل، أنهما سيرزقان بطفل يتمتع بخصائص تميزه عن غيره. لذلك عندما علم يوسف النجار بالأمر الذي أصدره الملك هيرودوس بقتل كل الأطفال في بيت لحم، حرص كل الحرص على الهرب حفاظًا على حياة ابنه. وهذا القرار ترك أثرًا كبيرًا في نفس يسوع حين علم به لاحقًا.


ففي عمر الرابعة عشرة، وبعدما مات يوسف النجار، عرف يسوع بما حدث في طفولته، وجعلته محاولة والديه النجاة به دون إنقاذ بقية الأطفال بتحذير أسرهم، يعيش صراعًا داخليًا وهذا ما جعل الذنب يتملّكه، بل اتهم والده بأنه قاتل، وخاف من أن يرث هذه الخطيئة منه مثلما ورث البشر خطيئة حواء وآدم: "مفعمًا بالحزن، غطّى يسوع وجهه بيده وصاح، لقد قتل أبي أطفال بيت لحم. ماذا تقول يا بني، لقد قتلهم جنود هيرودس. لا، أبي هو المسؤول، يوسف بن إلي هو الذي يتحمّل مسؤولية قتلهم لأنه كان يعرف أن هؤلاء الأطفال سيُقتلون ولم يفعل شيئًا ليحذّر ذويهم". (ص174). وهذا الشعور بالذنب جعله يتصرف كما لو أنه ينكر أباه.


وكعادة ساراماقو الذي يحمل قراءة ناقدة لأي تفصيلة في الكتاب المقدس قد تحمل في طياتها تناقضًا أو فعلًا غير أخلاقي: "وإذا استمرّ يسوع كما بدأ، فإنه سيجرؤ على أن يسأل ذات يوم لماذا أنقذ الربّ إسحاق ولم يفعل شيئاً لحماية أولئك الأطفال المساكين الأبرياء كما كان حال ابن إبراهيم، ومع ذلك لم يبد أي رحمة أمام عرش الربّ، عندها سيكون يسوع قادراً على أن يقول ليوسف، أبي، يجب ألّا تتحمّل كلّ الوزر، وفي أعماقه، من يعرف، فقد يتجاسر ويسأل، متى، يا إلهي، ستظهر أمام البشر وتعترف بأخطائك.". (ص133).


واهتم كذلك بطرح تساؤلات أخلاقية فيما يتعلق بالمعاناة والألم، وهنا لا نتحدث عن معاناة البشر فقط، بل حتى تلك الكائنات التي لا يكترث أحد لما يحدث لها، الحيوانات التي تُقدم للتضحية بحياتها، كما صوّر ذلك المشهد الذي يدور داخل الهيكل (ص91): "يأخذ اليمامة الأولى. يحملها إلى ركن المذبح، وبضربة واحدة يفصل رأسها عن جسمها. يتناثر الدم في كل مكان… لا يعير أحد أيّ انتباه إلى ما يحدث، لأنه لا توجد عواقب لهذا الموت… وفي أسفل العلية، ينتظر ثلاثة كهنة. عجل يتهاوى على الأرض بعد أن يهوي فوقه ساطور، يا إلهي، يا إلهي، كم جعلتنا هشين وضعفاء وعرضة للموت". يدفع القارئ إلى التساؤل عن مدى أهمية كل هذه المعاناة، التي تتكبدها تلك المخلوقات البريئة، في سبيل مشروع مقدس.


يصفها بعض النقاد بأنها رواية تحاكي الإنجيل Gospel Novel، وأشهر الروايات تحت هذا الجنس الأدبي هي «الإغواء الأخير للمسيح».


وتسببت هذه الرواية باستياء الكنيسة الكاثوليكية التي أدانت الرواية. وثار في أبريل 1992 نقاش حولها في البرلمان البرتغالي، بعدما تدخلت الحكومة لتمنع ترشيح الرواية للجائزة الأدبية الأوروبية لكونها مسيئة للكاثوليك. وشبه بعض البرلمانيين تصرف الحكومة بالعودة إلى محاكم التفتيش، وبأنه لا يختلف عمّا فعله الخميني مع سلمان رشدي.


وعندما شعر ساراماقو بقيد الرقابة الحكومية يضايقه، قرر أن يذهب إلى منفاه الاختياري في جزيرة لانزاروت الإسبانية، إلى أن نال جائزة نوبل للآداب، بعدها بسنوات قليلة.

 


في الختام، سأكتفي بنقل (بتصرف وباستخدام ترجمة آلية) ما دار في البرلمان البرتغالي، جلسة 30 أبريل 1992:

"المتحدث: - لكنني لم أذكر بعد السبب الجوهري الذي أنا متأكد من أنكم ترغبون في سماعه. إن إنجيل يسوع المسيح هو عمل، في رأيي، هاجم مبادئ تتعلق بالتراث الديني للمسيحيين، وليس الكنيسة فحسب...

تصفيق من نواب حزب PSD.

أصوات من الحزب الاشتراكي: - آه!

المتحدث: - ... وبالتالي، بعيدًا ...

احتجاجات من الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي البرتغالي.

السيد أوكتافيو تيكسيرا (الحزب الشيوعي): - الأصولية، لا!

السيد الرئيس: - أطلب من السادة أعضاء البرلمان التزام الصمت.

المتحدث: - ...وبالتالي، فبدلاً من توحيد البرتغاليين، قسمهم ذلك في ما هو إرث روحي.

السيد أنطونيو أبرو (PCP): - ليس لديك خلفية ثقافية!

السيد لينو دي كارفاليو: - لقد عادت محاكم التفتيش!...

المتحدث: - لذلك، وبموجب الصلاحيات الممنوحة لي، رأيت أن هذا العمل لا يمكن إدراجه ضمن الأعمال المؤهلة للاختيار. إليكم التفسير المبسط والواضح.

تصفيق من نواب حزب PSD.

السيد لينو دي كارفاليو: - لقد تكلمت محاكم التفتيش!...

المتحدث: - لا يحدث هذا في أي ديمقراطية ناضجة، حيث للقيم الثقافية معنى جوهري، وفقًا لهذه المعايير، وهذه العمليات، وهذه الأساليب. علاوة على ذلك، فإن الأسباب التي ساقتها الحكومة هنا لإلغاء بعض الأعمال غير مقبولة بتاتًا، وهي تعيد إنتاج ما حدث، حتى وقت قريب، في إيران الخميني...

تصفيق من الحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي البرتغالي، والنائب المستقل ماريو تومي.

وقد تم ذلك في ظل الديكتاتوريات الستالينية. وبمعايير من هذا القبيل، التي تعيد إنتاج محاكمات التفتيش، فإن أعمالاً مثل "أوس ماياس"، و"جريمة الأب أمارو"، و"عندما يقتل الذئاب"، والشعر الغنائي لكامويس، وغيرها الكثير، لا تستحق أن تمثل الأدب البرتغالي. نود أن نرى، بشكل نهائي، هذا المناخ الاضطهادي، ومناخ التعصب هذا، وهذه القيم التي تتعارض بشدة مع روح الثقافة البرتغالية الحقيقية، تُستأصل من الحياة الثقافية البرتغالية.

أصوات من الحزب الاشتراكي: - جيد جداً!

رئيس البرلمان: - إن الحكومة التي تتخذ مثل هذه الإجراءات وتبررها في البرلمان بهذه الطريقة ليس أمامها خيار آخر سوى إقالة المسؤولين عن سياستها الثقافية.

تصفيق من الحزب الاشتراكي، ووقوف الحضور، ومن النائب المستقل ماريو تومي.

السيد الرئيس، أعضاء البرلمان الكرام: أختتم كلمتي بحالة نموذجية تُظهر قصور قرار الحكومة، الذي يستحق رفض كل من يُقدّر الحرية، وهذه قضية جوهرية سبق طرحها هنا. ما حدث للكاتب خوسيه ساراماغو - الذي رفض وكيل وزارة الثقافة ترشيح روايته "إنجيل يسوع المسيح" لجائزة الأدب الأوروبي - يُعدّ هجومًا على حرية التعبير والإبداع الأدبي. إنه موقف نابع من نفس العقلية الأصولية التي دفعت آية الله الخميني إلى إصدار أمر بتصفية سلمان رشدي.

احتجاجات من قبل حزب PSD.

هل سنحظى الآن بآية الله لارا في البرتغال؟

ضحك من الحضور.

بالمناسبة، أردتُ حتى أن أُكيّف هذا الظرف مع ردّ أكيلينو ريبيرو عندما رأى كتابه "Quando os Lobos Uivam" (عندما تعوي الذئاب) خاضعًا للرقابة. قال أكيلينو حينها: "عندما تحكم الذئاب، تعوي العدالة"، وأضيف: "عندما تفرض الذئاب الرقابة، تعوي الثقافة". ولكن، كما كنت أقول، وأكرر، هذا موقف نابع من نفس العقلية الأصولية التي دفعت آية الله الخميني إلى إصدار أمر بتصفية سلمان رشدي، فضلًا عن كشفه عن نفاقٍ فاحش، إذ يتناقض مع أحد المبادئ التي دافعت عنها الحكومة والحزب الاشتراكي الديمقراطي: معيار قانون السوق، وتقبّل الجمهور. والآن، يُعدّ ساراماغو من أكثر الكُتّاب البرتغاليين الأحياء مبيعًا وترجمةً. عندما تُتاح للحكومة فرصة التصرّف بتماسك وتطبيق المبادئ التي دافعت عنها، فإنها تختار النهج المعاكس. هناك قرارات لا يمكن أن تعكس أذواق وخصوصيات من هم في السلطة. تكشف هذه الحادثة عن هشاشة القرار السياسي للحكومة، ولذا يجب تحليلها.
 لذلك، وباسم الحزب الاشتراكي، أطالب بإلغاء أمر وكيل وزارة الثقافة الذي رفض كتاب ساراماغو، وتشكيل هيئة محلفين لهذا الغرض، على أن تتولى الحكومة حينها مسؤولية إضفاء الطابع الرسمي على الترشيح.

تصفيق من الحزب الاشتراكي.

وأختتم بتأييد كلمات الكاتب توركاتو سيبولفيدا، في صحيفة بوبليكو اليوم، "في أي بلد حر، سيتم فصل الشخص المسؤول عن هذا الإجراء أو سيستقيل". وهذا هو رأينا أيضاً.

تصفيق من الحزب الاشتراكي".