عن شعر المديح
للحب نشوة عظيمة، تتلاعب في دواخل من تمكّن به حتى يخرج أمره عن سيطرته، كما عبّر عنها عبدالملك بن مروان بقوله: "إنّ أفضل النساء السواحر اللاتي يقول أهل الرجل: قد سحرنه، وغلبن على عقله". وللخمر كذلك نشوة قوية، تدفع صاحبها إلى العطاء بما قد يجلب له الندامة عندما يصحو، كما عبّر عنها طَرَفة بن العبد:
فَإِذا ما شَرِبوها وَاِنتَشوا وَهَبوا كُلَّ أَمونٍ وَطِمِر
وثمة نشوة أعلى من هاتين النشوتين وأقوى، وهي نشوة الخلود، يُصاب بها المرء حين يعرف أن ذكراه سوف تبقى بعده دهورًا مديدة، فتتحرك دواخله كما لا يحركها شيء آخر، ويبذل في سبيلها عطاءً دون ندم. وهذه النشوة تظهر مع شعر المديح.
وقد وقعت قبل الإسلام حرب بين بعض القبائل، واستمرت حتى تدخل هرم بن سنان ورجل آخر بالتبرع من أموالهما لدفع الديات وحقن الدماء وإنهاء الحرب. فمدحهما زهير بن أبي سُلمى في معلقته الشهيرة، وحين سمعها هرم حلف أن يعطي زهيرًا عبدًا أو أمةً أو حصانًا كلما سلم عليه، حتى صار زهير يمر على القوم وفيهم هرم، فيسلم عليهم ويستثنيه من السلام حتى لا يزيده من العطاء. ويروي ابن عبد ربه في «العقد الفريد» أن أحد أبناء هرم بن سنان دخل على عمر بن الخطاب، فسأله: صاحب زهير؟
قال: نعم.
قال: أما إنه كان يقول فيكم فيحسن!
قال: كذلك كنا نعطيه فنجزل!
قال: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.
وها نحن اليوم نذكر هرمًا.
الملوك يدركون أهمية شعر المديح الذي يُقال فيهم، وتغشاهم، عند سماعه، نشوة الخلود التي تجعلهم يغدقون العطاء على الشعراء. وذلك دفع فحول الشعراء إلى التنافس في بلاط الملوك أملًا في عطائهم، الذي لم يكن سهل المنال، بسبب المنافسة الشديدة. لذلك يضطر الشاعر، إن أراد أن يقول هذا النوع من الشعر، إلى تجويد القصيدة التي سوف يلقيها أمام الملك، حتى تصير من أجود شعره.
وفي هذه المقالة سوف نتعرف على قصيدتين تنتميان إلى شعر البلاط: قصيدة «أسألت رسم الدار» لحسان بن ثابت في مدح الغساسنة، وقصيدة «خفَّ القَطين» للأخطل في مدح عبدالملك بن مروان. كلتا القصيدتين قيلتا في ملوك الشام، وهما تُعدّان من أجمل قصائد هذين الشاعرين. وسأقف على بعض التشابه بين القصيدتين. ومن أراد شرحًا جيدًا لقصيدة حسّان، فأقترح الرجوع إلى شرح عبدالرحمن البرقوقي لديوان حسّان بن ثابت. أما قصيدة الأخطل، فقد وفّق عارف حجاوي في شرح كثير من أبياتها في «أوَّل الشعر».
التعريف بالقصيدتين
قصيدة حسّان تتألف من 33 بيتًا. ويبدو من بعض أبياتها أنه قالها في أواخر عمره توقًا إلى "الزمان الأول". وقيل إن آخر ملوك الغساسنة، جبلة بن الأيهم، كان يطرب لسماعها من جواريه بعدما هاجر إلى بلاد الروم، وأنه أرسل إلى حسّان مكافأةً عليها. مدح فيها الغساسنة عامة، وأجمل بيت فيها هو الذي يصف كرمهم حيث أن كلابهم لا تنبح لاعتيادها الضيوف، وهم لا يكترثون لعدد الزائرين القادمين إليهم:
يُغشَوْنَ، حتى ما تهِرُّ كلابُهُمْ،
لا يسألونَ عنِ السوادِ المقبلِ
أما قصيدة الأخطل فهي من 84 بيتًا. واستغرق في كتابتها حولًا كاملًا. ألقاها في بلاط عبدالملك بن مروان، واستحسنها جدًا عندما سمعها. وكافأه عليها، حتى أن خادمه خرج إلى الناس ليعلن لهم: "هذا شاعر أمير المؤمنين، هذا أشعر العرب". وأجمل بيت فيها الذي يصف فيه قوة بني أمية أمام من يعاديهم حتى ينقادوا إليهم، وحلمهم عند المقدرة:
شُمْسُ العداوةِ، حتى يُستقادَ لهم
وأعظمُ الناسِ أحلاماً، إذا قدروا
مقارنة بين القصيدتين
بدأ حسّان قصيدته بذكر الأطلال وبعض الأماكن في الشام:
أسَألتَ رَسْمَ الدّارِ أمْ لَمْ تَسْألِ
بينَ الجوابي، فالبُضَيعِ، فحَوْمَلِ
فالمرجِ، مرجِ الصفرينِ، فجاسمٍ،
فَدِيَارِ سلْمى، دُرَّساً لم تُحلَلِ
وبدأ الأخطل بالحديث عن ارتحال القوم القاطنين بجواره:
خَفَّ القَطينُ فَراحوا مِنكَ أَو بَكَروا
وَأَزعَجَتهُم نَوىً في صَرفِها غِيَرُ
يخبرنا حسّان أن عينه خاضعة (عانية) على البكاء على ذكرى تلك الأماكن بعدما تركها أهلها:
فَالعَينُ عانِيَةٌ تَفيضُ دُموعُها
لِمَنازِلٍ دَرَسَت كَأَن لَم تُؤهَلِ
وكذلك يفعل الأخطل، وهو يعبّر عن بكائه لعدم قدرته على لقاء القوم الذين ارتحلوا:
فَالعَينُ عانِيَةٌ بِالماءِ تَسفَحُهُ
مِن نِيَّةٍ في تَلاقي أَهلِها ضَرَرُ
وحين يتحول خطاب حسّان إلى امرأة، نجده يذكر رأسه الذي امتلأ بالشيب مثل نبات الثغام الأبيض:
إِما تَرَي رَأسي تَغَيَّرَ لَونُهُ
شَمَطاً فَأَصبَحَ كَالثَغامِ المُحِولِ
وكذلك يشتكي الأخطل من إعراض النساء عن الرجل عندما يكبر وينحني ظهره ويبيّض شعره:
يا قاتَلَ اللَهُ وَصلَ الغانِياتِ إِذا
أَيقَنَّ أَنَّكَ مِمَّن قَد زَها الكِبَرُ
أَعرَضنَ لَمّا حَنى قَوسي مُوَتِّرُها
وَاِبيَضَّ بَعدَ سَوادِ اللِمَّةِ الشَعَرُ
يصف حسّان كيف يعيش الغساسنة منعمين مكرمين، يسقيهم خدمهم الخمر، وليست لهم حاجة إلى إرسال إماؤهم لجني الحنظل، فهم بعيدون عن الأعمال الشاقة كما يعيش غيرهم من العرب في الصحراء:
يُسقَونَ دِرياقَ الرَحيقِ، وَلَم تَكُن
تُدعى وَلائِدُهُم لِنَقفِ الحَنظَلِ
بيضُ الوُجوهِ كَريمَةٌ أَحسابُهُم
شُمُّ الأُنوفِ مِنَ الطِرازِ الأَوَّلِ
أما الأخطل فيهجو بني سُليم وكيف تعطل حالهم بعدما اتبعوا رأي أحد جهالهم، حتى أنهم صاروا يتطلعون إلى مناطق الأنهار في الجزيرة (الزوابي) بينما يقضون أيامهم في جني الحنظل (أي أعمال الحياة الشاقة):
وَلَم يَزَل بِسُلَيمٍ أَمرُ جاهِلِها
حَتّى تَعَيّا بِها الإيرادُ وَالصَدَرُ
إِذ يَنظُرونَ وَهُم يَجنونَ حَنظَلَهُم
إِلى الزَوابي فَقُلنا بُعدَ ما نَظَروا
كَرّوا إِلى حَرَّتَيهِم يَعمُرونَهُما
كَما تَكُرُّ إِلى أَوطانِها البَقَرُ
وحين يتحدث حسّان عن الخمر، يصف حركة الفقاعات من أسفل الكأس الزجاجية كما لو أنها ناقة تتراقص في سيرها لأن راكبها في عجلة من أمره:
بِزُجاجَةٍ رَقَصَتْ بما في قَعْرِها،
رَقَصَ القَلوصِ براكبٍ مُستعجِلِ
ويهجو الأخطل أعداء الخليفة حتى يذكر قبيلة قيس عيلان التي وقفت مع ابن الزبير، وبعدما انهزموا أتوا مسرعين (رَقَصًا) لمبايعة عبدالملك:
وَقَيسَ عَيلانَ حَتّى أَقبَلوا رَقَصاً
فَبايَعوكَ جِهاراً بَعدَ ما كَفَروا
يفتخر حسّان بنسبه الذي يعود إلى اليمن مثل ملوك الشام الغساسنة، وبشدة قبيلته على القتال في الحروب وتولي الشؤون العامة في الشدائد والمحن:
نَسَبي أَصيلٌ في الكِرامِ وَمِذوَدي
تَكوي مَواسِمُهُ جُنوبَ المُصطَلي
وَلَقَد تُقَلِّدُنا العَشيرَةُ أَمرَها
وَنَسودُ يَومَ النائِباتِ وَنَعتَلي
وَيَسودُ سَيِّدُنا جَحاجِحَ سادَةً
وَيُصيبُ قائِلُنا سَواءَ المَفصِلِ
أما الأخطل فيفتخر بهجاء أعداء بني أمية من الأنصار، حتى أسكتهم هجاؤه لأن كلامه نفذ فيهم بأعمق من نفاذ إبرة العقرب:
بَني أُمَيَّةَ قَد ناضَلتُ دونَكُمُ
أَبناءَ قَومٍ هُمُ آوَوا وَهُم نَصَروا
أَفحَمتُ عَنكُم بَني النَجّارِ قَد عَلِمَت
عُليا مَعَدٍّ وَكانوا طالَما هَدَروا
حَتّى اِستَكانوا وَهُم مِنّي عَلى مَضَضٍ
وَالقَولُ يَنفُذُ ما لا تَنفُذُ الإِبَرُ