أهلًا،
أتناول هنا جميع أعمال ساراماقو، لنتعرّف كيف تطوّر كلٌّ من أسلوبه الأدبي وأفكاره.
البداية: أرض الخطيئة (1947)
في بداية كل روائي عظيم رواية يتبرأ منها. تأتي رواية «أرض الخطيئة» التي نشرها ساراماقو وهو في الرابعة والعشرين من العمر لتؤكد هذه العبارة. ليس لها ترجمة عربية ولا انجليزية، لأن ساراماقو لم يسمح بترجمتها ولا بإعادة نشرها في حياته، بل تبرأ منها. لكن الترجمة الإسبانية منها صدرت في 2021 تحت العنوان الذي كان ساراماقو يفضله وهو «الأرملة»، قبل أن يغيره الناشر إلى «أرض الخطيئة».
تحكي قصة أرملة تقع في علاقة عاطفية مع أخو زوجها ثم تقرر الاعتراف بذنبها إلى طبيب العائلة. نقل حسن مليطات إلى العربية فصلًا من الرواية في هذه المقالة.
كان ساراماقو آنذاك يعمل لحّامًا، لكنه انتقل بعد نشر روايته الأولى للعمل في مجلة أدبية. ولم ينشر رواية أخرى إلا بعدها بتسعة عشر عاما. لكن بين هذه الفترة كتب رواية «المنور» التي ضاعت مسودتها لعقود طويلة مما هز ثقته بقلمه، أو حسب تعبيره: لم يكن لديه ما يقوله. فاتخذ قرارًا بالتوقف عن الكتابة إلى حين، ثم رجع إلى الكتابة مجددًا وهو يتلمس طريقه ما بين الشعر والنثر، كما سنرى.
المنوَر (1953)
إذا كان لكل روائي عظيم رواية يتبرأ منها، فهو كذلك لديه تجربة سيئة مع دور النشر في إصداراته الأولى.
هذه روايته الثانية من حيث الكتابة. كتبها عندما بلغ الثلاثين، وأرسلها إلى دار نشر. لم يتلقَّ رفضًا من الدار على نشرها ولا موافقة. لم يتلقَّ أي رد. نُسيت في أدراج الدار لسنوات طويلة، ولم ينتبهوا إليها إلا حين أرادوا تغيير مكاتبهم. ولم يكن لدى ساراماقو نسخة أخرى منها. تتحدث أرملته بيلار عن اكتشاف المسودة وقرار نشرها بعد وفاة مؤلفها في هذا المؤتمر الصحفي. وتحدثت عن معاناته مع صمت دار النشر في هذا المقطع.
كانت «المنور» روايته الثانية، وكان من المتوقع أن يستمر في كتابة الروايات بعدها، لكن تجربته مع دار النشر دفعته بعيدًا إلى الشعر، بعد سنوات من الصمت، كما سنرى، ثم سوف نراه يستعيد ثقته في كتابة الروايات بعدما يتجاوز الخمسين من عمره.
لم أتوقع أنني سأستمتع بقراءتها لكونها ثاني عمل روائي له، لكنه عرف كيف ينسج من خلالها قصة عدة عوائل تقطن عمارة واحدة. الرواية تندرج ضمن روايات المباني Apartment Fiction وأقرب مثال لها هو رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني. كذلك الفيلم الأسباني The Motive الذي تناول فكرة تلصص الكاتب على الجيران عبر منور العمارة ليستلهم من أحاديثهم أحداثًا للرواية التي يكتبها.
نعايش فيها متاعب الحياة اليومية لكل عائلة في هذا المبنى. فمثلا هو ينقل لنا النفور الذي يعيش فيه الزوجان، كارمن الإسبانية وإميليو البرتغالي الذي، "لم يكن يكره زوجته، لكنّه تعب من الشقاء"، (ص327). حيث يمتلئ الزوج فرحًا حين تقرر زوجته الإسبانية السفر إلى أهلها، "ساعات قليلة ويُصبح حرًّا. تنتظره ثلاثة أشهر من الوحدة، من الحرّية، من حياة ممتلئة…" (ص406). ويذكر في خضم الخلافات بين الزوجين المثل الشعبي البرتغالي: "من إسبانيا لا يأتي ريح طيبة ولا زواج سعيد". هل كان يرمز من خلال هذه العلاقة بين الزوج البرتغالي وزوجته الإسبانية إلى العلاقة التاريخية بين البلدين؟ وللمفارقة، فقد تزوج ساراماقو من امرأة إسبانية فيما بعد. في هذا المشهد التمثيلي يظهر فيه كل من كارمن وإيميليو وكذلك فضفضة الأب لابنه إنريكيو عن معاناته في العيش في هذا البيت.
لنترك هذين الزوجين وننتقل إلى بيت أنسيلمو المحافظ, حيث تبرز سلطة الزوج على زوجته في هذا الحوار الذي يدور بين أنسيلمو وزوجته بعدما علما أن ابنتهما في علاقة مع شاب (ص292):
- ماذا ستقول لها عندما تأتي؟
كان في نبرتها بعض من وقاحة، على الأقلّ بالنسبة إلى ما ألفه أنسيلمو، المعتاد على الشعور بأنّه ربّ البيت وسيّده. نظر إلى زوجته بعينين معبّرتين، وبعدما أبقاها لبضع ثوان تحت نظرته المركزة
أجاب:
- سأتفاهم معها. وبالمناسبة أودّ أن أقول لك إنّي لست معتادًا على أن يُكلّمني أحد بهذه الطريقة، لا هنا ولا في أيّ مكان آخر.
أخفضت روزاليا رأسها:
- لكنّي لم أقل شيئًا ...
- ما قلته أكثر من كافٍ لإهانتي.
هكذا سيقت روزاليا إلى مكانتها الأساسية كطرف أكثر ضعفًا، وعادت إلى مطبخها الذي كانت تصدر منه رائحة طبق يحترق.
وبينما هي مشغولة بإنقاذ العشاء، محاطة بالأواني، دقّ جرس الباب، فقام أنسيلمو ليفتح.
وتظهر لنا، في تعليق عابر من الراوي على وفاة إحدى الشخصيات، آراء ساراماقو الدينية، "لا يمكن لأحد أن يفسّر كيف أن كائنين لم تعرف الجاذبية طريقًا إليهما (عينا جوستينا كانتا جميلتين ولكن لا علاقة لهما بسحر العيون الجميلة) أنجبا ابنة بنضارة الصغيرة ماتيلدا ورونقها وجاذبيتها. وكأن الطبيعة أخطأت ثمّ استدركت الواقعة لاحقًا وحاولت إصلاح الأمر باسترداد الطفلة وخطفها من هذا العالم". (ص33).
لكن الرواية تنتهي حين تكون الأحداث في قمة تصاعدها, في اللحظة التي يجب على أكثر من شخصية اتخاذ قرار مصيري في حياتها. حينئذ يأخذنا ساراماقو في حوار بين الإسكافي الذي يلخص خبرته في الحياة بأن الحب هو الحل، وبين الشاب الذي يريد أن يعيش حياته.
فاصل من الشعر
بعد تجربته السيئة مع دار النشر التي أضاعت مسودة رواية «المنور»، عاد بعدها بـ13 سنة لينشر ديوان شعر بعنوان «قصائد محتملة» (1966) ثم تبعه بديوان آخر بعدها بست سنوات، وكان قد بلغ الخمسين من عمره، يحمل عنوان «الفرح احتمالًا» (1972)، لم يحظى بأي اهتمام. ويقول عن تلك التجربة: "أفهمتني هذه المحاولات الأولى أن ليس لدي شيء لأقوله. وفي هذه الحال من الأفضل لي أن أسكت".
لم أجد ترجمة عربية لدواوينه الشعرية، لكن ينقل لنا مترجم كتاب «سنة ألف و993» شذرة من إحدى قصائدة بعنوان «أيادٍ نظيفة»:
"عن حركة القتل بكلتا اليدين / طريقةُ عجنِ الخبز ليست مختلفةً (كم هو جيِّدٌ هذا التَّقدُّم! يا لها من راحة! زرٌّ على اليمين يعطي الخبز، وزرُّ على اليسار، بسهولةٍ أُطلقُ بهِ - دون أن أرى - قنبلةً طائرةً، وأُصيبُ العدوَّ)".
ويمكنك الاستماع على يوتيوب، إلى الترجمة الإنجليزية لقصيدة بعنوان المتاهة من ديوانه «قصائد محتملة».
سنة ألف و993 (1975)
هذا الكتاب هو منطقة وسطى بين محاولاته الشعرية وبين كتاباته النثرية. فهو عبارة عن ثلاثين قصيدة نثرية، بأسلوب سريالي. وبدأ قصائده بالإشارة إلى دالي ولوحات الرسم.
كُتبت القصائد بعد ثورة القرنفل التي أنهت حكم إستاد نوفو، خليفة سالازار، ودخلت بعدها البرتغال عهدها الديمقراطي. وتحتوي على مجموعة قصائد سريالية سياسية عن سنة بعيدة في المستقبل. يتكرر ذكر الحاسوب بكونه أداة يستخدمها العسكري أو المحتل للاضطهاد والسيطرة على المضطَهدين. وتكرر في القصائد مفرادت مثل: عسكري ومعركة ومحتل وقبائل.
وسيكون الحديث عن الرسم الذي استهلّ به القصيدة الأولى من هذه القصائد، التي يجمع فيها بين النثر والشعر، هو موضوع روايته التالية «دليل الرسم والكتابة» التي حاول أن يجمع فيها بين الرسم والكتابة.
دليل الرسم والكتابة (1977)
في حياة كل روائي عظيم لحظة يقول فيها لنفسه: إما الآن أو أبدًا.
نجحت ثورة القرنفل في منتصف السبعينيات، ودخلت البلاد في صراع سياسي داخلي بين اليمين واليسار. انتهى إلى محاولة تطهير اليساريين. في ذلك الوقت كان ساراماقو عضوًا في الحزب الشيوعي البرتغالي ونائبًا لرئيس تحرير إحدى أهم الصحف البرتغالية التي اتخذت خطًا يساريا، ما أدى به إلى فقدان وظيفته وهو في الثالثة والخمسين من عمره. وأدرك صعوبة حصوله على وظيفة أخرى. فكان قراره أن يعود إلى الأدب وإلى الترجمة بعدما احترقت كل سفنه. ومن نتائج تلك العودة أن خرج برواية «دليل الرسم والكتابة» وبمجموعة قصصية نشرها بعدها بعام.
مع هذه الرواية عثر ساراماقو على أسلوبه الخاص، وهي بدايته الحقيقية في كتابة الرواية بعدما بلغ 55 من عمره. يقول الراوي، الذي تعدى الخمسين، في الصفحة الأولى من الرواية: "لا أريد أن أفكر، في هذه اللحظة، فيما سأفعله إذا أخفقت في كتابة هذا النص". ويقول في موضع آخر: "ماذا أريد؟ أولًا، ألّا أكون مهزومًا. بعدها، إذا كان ممكنًا، أن أنتصر". وفي موضع آخر: "بدأتُ الآن في الكتابة، وأشعر بأني لم أفعل شيئًا آخر مطلقًا أو كأني، في نهاية الأمر، وُلدت من أجل هذا".
كتابته يغلب عليها أسلوب تأملي ومليئة بالوصف، حيث تغلب على لأحداث والحوارات التي تجعل الشخصيات تتقدم. وهذا ما جعلها مملة بالنسبة لي.
الرواية مترجمة أيضا تحت عنوان «كتاب الرسم والخط».
The Lives of Things (1978)
ست قصص قصيرة مليئة بالرمزية عن الحياة في ظل ديكتاتور البرتغال سالازار. نُشرت مباشرة بعد رواية «دليل الرسم والكتابة»، في الفترة التي سخّر نفسه فيها للأدب بعدما فقد الأمل في أي شيء آخر.
يغلب عليها الطابع السياسي. لكن نجاحه في الرواية غطى على قصصه، فلم تنل قراءة واسعة ولم تضيف لمؤلفها أي جوائز. بعدما كتب الشعر والقصائد النثرية والرواية، كانت هذه المجموعة بمثابة تجربته لفن آخر من فنون الكتابة، ولم يعد إليه مرة أخرى.
في 2010 صدر فيلم برتغالي بعنوان Embargo مستوحى من إحدى قصص هذه المجموعة.
مسرحيات
كتب ساراماقو خمس مسرحيات. يقول في إحدى المقابلات بأنه لا يرى نفسه كاتبًا مسرحيًا، بل روائي يكتب من حين لآخر مسرحيات حين يُطلب منه. وكل المسرحيات التي كتبها عُرضت على خشبة المسرح.
أولى مسرحياته هي بعنوان الليل (1979) تدور أحداثها في مكتب إحدى الصحف خلال ليلة 24 إلى 25 أبريل 1974، أي أنها مرتبطة، مثل أكثر من عمل له، بثورة القرنفل.
المسرحية الثانية بعنوان ماذا أفعل بهذا الكتاب (1980) تتحدث عن أشهر شعراء البرتغال على الإطلاق، كامويس، عندما عاد من الهند وصار يبحث عن ناشر لقصيدته الملحمية. عن الرقابة والسلطة.
المسرحية الثالثة بعنوان الحياة الثانية لفرانسيس الأسيزي (1987) يتخيل فيها الحياة التي نعرفها لحياة فرانسيس الأسيزي قبل أن يصبح قديسًا.
المسرحية الرابعة بعنوان باسم الله (1993) تدور أحداثها في القرن السادس العشر في مدينة مونستر الألمانية حين دخل الكاثوليك المعمدانيون في حرب للسيطرة على المدينة انتهت إلى وقوع مذبحة.
المسرحية الخامسة بعنوان دون جيوفاني أو الفاسق المبرأ (2005) يحاول في هذه المسرحية أن يعيد كتابة أسطورة دون جيوفاني، وعلى عادته في افتراض المستحيلات، يفترض هنا أن دون جيوفاني لم يسقط في الجحيم.
لم أجد أي نسخة من مسرحياته مترجمة إلى العربية أو الإنجليزية.
ثورة الأرض (1980)
"وأنا أسأل علماء الاقتصاد السياسي وعلماء الأخلاق:
هل أحصوا عدد من حُكِم عليهم بمعاناة البؤس والعمل الشاق وتثبيط الهمة والنمو المتأخر والجهل المفسد والمصائب التي لا تقهر والفقر المدقع، كل ذلك من أجل خلق ثري واحد!".
المييدا جاريت
روايته الرابعة. نشرها وهو في الثامنة والخمسين من العمر. نلاحظه أكثر ثقة في استخدام أسلوبه الجديد في الكتابة حيث يبتعد عن استخدام علامات الترميز. يأخذنا في رحلة مع أسرة دومينجو المنحوس الذي يعمل اسكافيًا، وكأنها استعادة من رواية «المنور» التي لم تنشر بعد آنذاك، وتسير بنا الرواية مع آل المنحوس جيلا بعد جيل منذ سقوط الملكية وإعلان جمهورية البرتغال في 1910 حتى ثورة القرنفل في السبعينات.
تستوقفنا أول جملة في الرواية: "تتمتع أرض الوسيّة أيضًا بالمنظر الطبيعي". اختياره لكلمة الوسية التي تشير إلى الأرض الزراعية التي يملكها الإقطاعي. فالأرض هنا هي الشيء المشترك بين الجميع، وهي مصدر الرزق، والانتماء رغم عدم قدرتهم على امتلاكها.
وصار أكثر جرأة في التعبير عن آراءه الدينية، تارة في عدالة مفقودة من القدر وتارة في عبثية الموت، "تخلق الطبيعة كائناتها المختلفة بوحشية ملفتة. بين موتى ومشوهين تخلقهم". (ص49). وعن عبثية الحياة والموت يقول: "والموت مثل مسطرة تسوي الحبوب فوق سطح مكيال الحياة، فيسقط ما علاها مما يفيض، رغم أننا لا نعرف معيارًا لذلك، كما في حالة جواكيم كارّانكا الذي مات ولا تزال عائلته تحتاج إليه". (ص66).
في هذه الرواية نجح ساراماقو في تجاوز الإغراق في التأمل والوصف على حساب الحدث والحوار. وبرزت الموضوعات التي تشغله: الفقراء وتاريخ البرتغال والدين. ويمكنني أن أفهم من اقتباسه عبارة المييدا جاريت التي اختارها في مقدمة الرواية أنه يرى أن الثري يخلق ثروته من خلال شقاء الفقراء. إلا أنه حاول أن يقول فيها أشياء كثيرة، أكثر مما تحتمله الرواية.
وأتى الراوي على ذكر العرب الذين عاشوا في البرتغال قديما في جملة عابرة: "ثم جاء العرب، وهم قبيلة شيطانية تتمتع ببشرة سمراء، الحمد لله أن جاء البورجونيون الفرنسيون وقضوا على جيشهم وجيش الآخرين؛ ثم حروب صليبية، ومسلمون من جديد، يا إلهي، كم قتيلاً شاهدته تلك الأرض". (ص125).
في هذا الفيلم الوثائقي، يتذكر ساراماقو أيامه في إحدى قرى البرتغال التي قطنها أثناء كتابته للرواية واستمد من منها أصوات شخصياتها.
Journey to Portugal (1981)
حين اختار ساراماقو أن يكتب كتابا خارج مجال الأدب اختار أكثر موضوع يشغله ويعرفه ويرتبط به: أرض البرتغال وتاريخها، وهذا هو موضوع كتابه «رحلة إلى البرتغال».
هو عبارة عن أماكن ارتحل إليها في سفره داخل البرتغال ورأى أنها تحمل شيئا من تاريخ البلد. بعض القراء وجد أن ساراماقو يكتب عن نفسه هنا.
أثناء كتابته لهذا الكتاب خرج في رحلة من البرتغال ورجع إليها ليفعل بالضبط كما هو مذكور في العنوان، رحلة إلى البرتغال. استغرقته الرحلة زهاء ستة أشهر. كان خلالها يرى في الأماكن التي يمر عليها شيئا من ماضي البرتغال يريد الانتقال إلى القرن العشرين. وآخر شيء كان يريده هو أن يكون كتابًا سياحيًا، لذلك يدعو القارئ أن يأخذ بالاعتبار بأنه إذا كان "المبدأ الذي الذي يوجه المسافر في كل خطوة وفي كل صفحة: السعي وراء تاريخ البرتغال وثقافتها، لا مجال لأن تضل الطريق".
نصب الدير التذكاري (1982)
"الضحكة تسكن على مقربة من الدمعة، والفرج بجانب الشدة، والسكينة جارة الذعر، هكذا تمرّ حياة البشر والأمم".
رواية نُصب الدير التذكاري
روايته الخامسة. تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان «بالتزار وبليموندا»، وشاعت جدا عند القراء الغربيين، ومن هذه الرواية التي نشرها وهو بعمر الستين، بدأت شهرة ساراماقو عالميًا.
تدور الرواية في بداية القرن الثامن عشر، حين يَنذر الملك لله أنه سوف يبني ديرا في بلدة مافرا إذا رزقه بولد. وفي خط آخر نتابع قصة حب بين بالتزار، الجندي الذي فقد يده اليسرى في الحرب، مع بليموندا، الفتاة التي تملك قدرات خارقة تمكنها من النظر في ما يكمن داخل الآخرين. وارتباطهما مع راهب شغوف في صنع آلة قادرة على التحليق.
لفتني استطراداته واقتباساته من الإنجيل، وهنا صرت أنظر إلى أسلوبه السردي على أنه قد يكون أشبه بمحاكاة للكتاب المقدس الذي يُتلى على المستمعين، فربما أراد ساراماقو لرواياته أن تُتلى على الفلاحين كما يُتلى عليهم الكتاب المقدس.
ويمكنك أن تلحظ تطور أسلوبه السردي، ونضجه مع هذا العمل. لكنه يظل صعبًا على الفهم في بعض المواضع. وقد تظن أن الأمر يعود إلى سوء في الترجمة، لكني قرأت مراجعات لبعض القراء البرتغاليين الذين قرأوها بلغتها الأصلية ووجدوا صعوبة في فهم بعض الفصول.
ونجده عندما يعرض رأيًا دينيا تارة يستخدم أساليب فجة مثل اقتباس أحد الشخصيات آية من الإنجيل مع إضافة كلمة "ليس" لتنقل المعنى الذي يريده: "أَبانا الذي ليس في السماء". (ص192). وتارة أخرى يعرض رأيه بخفة ومهارة أدبية بارعة: "فالسماء هي تجلٍّ لما يجول في أذهان البشر، هذا إن لم نقل إنّ ذهن الإنسان نفسه هو السماء الوحيدة الموجودة". (ص141).
لم يأتي على على ذكر العرب في الرواية إلا إشارة عابرة إلى لغتهم: "كان لهذا الباب قفلٌ يدخل في مفتاح محزوز كثيرًا مثل الكتابة العربية". (ص79).
قلت إن هذا العمل هو بداية شهرته عالميا، ومن ضمن هؤلاء القراء العالميين قارئة إسبانية معجبة بكتاباته حتى ترجمتها بنفسها إلى الأسبانية، ستلتقي به بعد أربع سنوات من نشر هذه الرواية ثم سوف يقع في حبها ويتزوجها ويهديها رواياته التالية ويتقاسم معها الحياة في المنفى. اسمها بيلار.
سنة موت ريكاردو ريس (1984)
هذه أصعب رواية قرأتها لساراماقو. ليس بسبب أسلوبها أو الأفكار التي تتناولها، بل لأنها تتناول شخصية ريكاردو ريس التي خلقها الشاعر البرتغالي فرناندوا بيسوا. وتتطلب من قارئها معرفة بأعمال بيسوا وحياته وكذلك بشخصية ريكاردو ريس. وإلا ستجد صعوبة في متابعة أحداثها.
وفي 2020 تحولت إلى فيلم برتغالي يحمل نفس العنوان.
الطوف الحجري (1986)
"لقد حان الوقت لترك الماضي في هدوئه القلق".
رواية الطوف الحجري
إحدى سمات أدب ساراماقو التي سوف تتكرر معنا هي جنوح مخيلته نحو المستحيل. ففي هذه الرواية تنفصل شبه الجزيرة الأيبيرية (أسبانيا والبرتغال) عن القارة الأوروبية. وتبعد طافية في المحيط. وقد صدرت في نفس العام الذي انضمت فيه البرتغال إلى الاتحاد الأوروبي. واستهلها بهذا الاقتباس، "كل مستقبل هو جميل". ثم تبدأ أحداث تبدو عشوائية، تقع قبل لحظات من انفصال الأرض عن القارة الأوروبية، مثل أن تخط امرأة خطًا على الأرض بعصا من شجرة دردار وتبدأ كلاب القرية في النباح الذي يشيع الرعب بين سكانها. ويقذف رجل حجرا ثقيلا على الشاطئ فيذهب بعيدا جدًا لدرجة تحيّر الرجل الذي قذفه والشهود. وتتبع مئات من الطيور رجلا حيثما سار. وكل فرد منهم يعتقد أن ما عايشه من ظاهرة غريبة هي سبب انفصال الأرض.
ونجد فيها الراوي الميتاسردي الذي استخدمه في بعض رواياته السابقة، وهو الراوي الذي يعلق على أحداث القصة، والشخصيات ولا يحتجب عن القارئ وراء الجدار الرابع، بل يتخطى هذا الجدار المتخيّل بينهما ويخاطب القارئ مباشرة. يقول في ص55: "كان الرجل، برتغالى الجنسية، اسمه زوسا، كان مسافراً برفقة زوجته وحمويه، عاد إلى السيارة وقال، "يبدو كما لو كنا فى البرتغال، انظروا، حفرة عميقة، كان يمكنها أن تكسر دواليب السيارة، وتكسر عمود محركها". لم تكن حفرة ولا كانت عميقة، لكن كلماته، وضعناها نحن هكذا، لأنها معبرة، وتساعد على الفهم، ونقولها بشكل مبالغ فقط للتخفيف من حدة الخوف والانفعال، لماذا؟ لأنها تمنح الحكاية درامية." ويقول في ص108، "كان هذا هو الحوار، وهو لا يفيد كثيرًا لذكاء الحكاية، ربما وضعناه هنا لنوضح أن جواكيم زازا وجوزيه أنايسو يتحادثان بلا ألقاب، ربما اتفقا على ذلك خلال الطريق، "لنتبادل الحديث بلا ألقاب"، قال أحدهما، وكان الآخر موافقًا".
بالإضافة إلى نزوح مخيلته للمستحيل، كذلك تغلُب على ساراماقو النظرة الماكروسكوبية للمجتمع. نظرة تشمل المجتمع بكليّته، قصة أجيال متعاقبة، علاقة شعب بسلطته وأرضه وتاريخه. نرى ذلك في بعض الإشارات العابرة، ففي خضم هذا الحدث الكبير، لا يفوته أن يشير إلى أن الجروح متفاوتة بين الشعبين: "إن رؤية جبل طارق تائهًا في البحر شيء لا يهمهم؛ لأن ألمهم التاريخي اسمه أوليفنسا". (ص137). في ربط بين جبل طارق الذي يقع في الجغرافيا الإسبانية لكنه تحت السيادة البريطانية، ومدينة أوليفنسا الحدودية التي انتزعتها أسبانيا من البرتغال في معاهدة وقِّعت عام 1801 وأُلغيت بعدها بسنوات قليلة، إلا أن أسبانيا رفضت إرجاعها إلى البرتغال حتى اليوم.
في 2002 تحولت إلى فيلم أسباني بعنوان La Balsa de Piedra. وكذلك استوحيت من الرواية كلمات أغنية Underneath the sky لفرقة Oasis.
قصة حصار لشبونة (1989)
"لنتخيّل أن رجلًا يسأل امرأة: أتحبينني، فتصمت، ناظرة إليه فحسب كأبي الهول، شاردة وبعيدة، رافضة قول «لا» التي ستحطمه أو «نعم» التي ستحطمهما معًا".
رواية «قصة حصار لشبونة»
هذه أول رواية يهديها إلى زوجته بيلار: إلى «بيلار».
تدور الرواية حول مصحح لغوي يعمل في دار نشر، وأثناء تصحيحه لكتاب عن قصة حصار لشبونة، الذي حدث في عام 1147م حين حاصر البرتغاليون سكان المدينة العرب المسلمين، أضاف من عنده عبارة "لا" ليغير تفصيلة في ذلك التاريخ، وليصبح : "لم يساعد الصليبيون البرتغاليين في حصار لشبونة والاستيلاء عليها". فبينما هو يقرأ الكتاب الذي عليه أن يراجعه ويصححه، بدأ في الشك في صحة ومعقولية ما هو مذكور فيه، "يداهمه التفكير في عدم القدرة على الوصول مطلقًا إلى معرفة الكلمات الحقيقية التي قالها «دون أفونسو هنريكس» للصليبيين حتى ولو «صباح الخير»". (ص57). بعد تغييره لنص الكتاب ومعرفة دار النشر بفعلته، ينتهي إلى أنه يعيد كتابة قصة ذلك الحصار كما تخيلها. يأخذنا العمل إلى النظر في صناعة النشر وعمل المصححين، وعن العلاقة بين الحقيقة والخيال في كتابة التاريخ. ولعل عمله سنوات طويلة في دار نشر Editorial Estúdios Cor مترجمًا ومحررًا ساهم في تغيير نظرته للنصوص قبل أن تأخذ شكلها النهائي، ودفعه لكتابة هذه الرواية التي تتجلى فيها سلطة الكاتب على الحقيقة.
في الرواية تتداخل لشبونة القديمة التي يكتب عنها مع لشبونة المعاصرة للمصحح الذي يعيد كتابة تاريخها. ونجد هذا المصحح يقع في الحب وهو في عقده السادس، بعدما كاد يفقد الأمل بإمكانية ذلك، "عمري يزيد - يقول لنفسه - عن خمسين سنة، من هي التي ستحبني أو أحبها، وإن كان من الأسهل - كما يعرف الجميع - أن أحب من أن أكون محبوبًا، والتعليق الأخير الذي يبدو وكأنه صدى لألم ماضٍ تحوّل اليوم إلى حكم نهائي لا يُفصح به إلا لأهل الثقة من المقربين". (ص43).
ويمكن أن نرى كيف كانت هذه الرواية، التي أعاد فيها كتابة تاريخ حادثة قديمة في بداية نشأة الدولة البرتغالية، مقدمة لروايته التالية التي أعاد فيها كتابة حياة يسوع الذي منه بدأت المسيحية.
سأكمل استعراض بقية أعمال ساراماقو في الجزء الثاني من المقال.


