تجربتي مع أندية القراءة

 




أحب أندية القراءة، فمن خلالها تمكنت من غرس عادة القراءة اليومية بعد سنوات من المعاناة مع الكتب التي تبقى مفتوحة أسابيع ولا أعرف كيف أنتهي من قراءتها بعد أن تراكم فوقها الملل. ومن خلالها اجتمعت مع عقول متنوعة، ووسعتْ فهمي لما أقرأ من زوايا نظر كانت غائبة عني. وهي أيضا دفعتني على القراءة لمؤلفين ولمجالات ربما لم أكن سأتعرف عليها وحدي. وبعد كل الذي جنيته منها زاد اهتمامي بها، فشرعت في 2017 على جمع بياناتها في مكان واحد أطلقت عليه «دليل أندية القراءة في الكويت»، والتي تعدت اليوم 40 ناديا تقيم فعاليات ثقافية تشمل مناقشة الكتب وإقامة أمسيات للشعر والفلسفة.


وهي أيضا مساحة لنشر الثقافة في المجتمع. وفرصة مناسبة تتيح للكتّاب السماع مباشرة من القراء، أشبه بقودريدز حي. وكذلك تساعد على تطوير مهارة التعبير عن النفس وترتيب الأفكار عند القارئ. ويغلب على كثير منها جو من المرح والأريحية وفي نفس الوقت الجدية. ومن خلالها على تحويل القراءة من فعل فردي انعزالي إلى ممارسة جماعية.


فأندية القراءة تتيح للإنسان أن يعبر عن ذاته وعن أفكاره بحريّة، حتى أن البعض يقصدها لتفريغ ذهنه مما أثقله من أفكار. يقول كارل يونغ في «هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ»: ‏"لا ينبع شعور الإنسان بالوحدة من افتقاره إلى صحبة، بل من عجزه عن إطلاع الآخرين عن الأشياء التي يراها جديرة بالانتباه، ومن اضطراره إلى كتمان الأفكار التي لا يستسيغها الآخرون". 


هذه الأندية ليست من نوع واحد. لذلك سأتطرق للأنواع المختلفة للأندية التي انضممت إليها في السنوات الماضية، لمعرفة مميزاتها وسلبياتها عسى أن يكون في ذلك فائدة لمن يرغب في الانضمام إلى أحدها أو لمن يريد إنشاء نادي القراءة الخاص به.


نور الفكر

في بداية 2010 كنت واحدًا من بين سبعة أعضاء آخرين أسسنا نادي نور الفكر. اخترنا مناقشة كتاب كل أسبوعين، أحدهما رواية والكتاب الذي يليه في مجال عام. في الأوقات التي كنت أقرأ فيها وحدي كنت أستحضر بقية الأعضاء الذين يشاركوني قراءة نفس الكتاب الآن، والذين ينتظرون رأيي في الكتاب، وأنا كذلك كنت أنتظر الاستماع إلى رأيهم فيه ومناقشة تفاصيله معهم. وهذا وحده كان كفيلا لطرد الشعور بالملل أثناء القراءة، ليحل محله التوق لحلول موعد المناقشة. وقد كان التنوع في الكتب المختارة، والتي كان أغلبها ذات حجم متوسط، جعل من قراءة كتابين في الشهر أمرا سهلا وممتعا، وغدت القراءة منذئذ عادة يومية.

بعد سنوات انشغلت عن الحضور إلى لقاءات النادي، لكنه ظل مستمرا دون توقف منذ انطلاقته الأولى، والأعضاء الجدد كانت لهم أفكارهم الإبداعية التي جعلت من مزاولتهم للقراءة أمرا أكثر إمتاعا. مثل إقامة الملتقيات الخاصة بأحد الكتّاب، وهي فعالية مخصصة لعرض جميع أعمال ذلك الكاتب، مثل كافكا أو ساراماقو. بحيث يقرأ كل عضو عمل واحد من أعماله، وفي جلسة المناقشة تُستعرض جميع الأعمال أمام الحضور. ومن الممارسات اللافتة كانت تمثيل مسرحية أوديب. فحين قرر النادي مناقشة المسرحية، رأوا بما أنها كُتبت لتؤدى على المسرح فلمَ لا يؤدونها بأنفسهم. وبالفعل شارك أربعة أعضاء من النادي في تمثيلها. يقول سليمان العبدالهادي، رئيس النادي آنذاك، أن هذه التجربة كانت فعالة في فهم المسرحية ودوافع شخصياتها بشكل أفضل عند كل من قرأها وحضرها، وبسبب تلك التجربة هو ما يزال يستحضر كثير من نصوصها إلى اليوم.


أندية قراءة غير تقليدية

التقيد بالكتب التي يختارها أعضاء نادي القراءة قد يكون مناسبا للقارئ المستكشف الذي لم يحدد بعد نطاق قراءته، وليس لديه ذائقة محددة في الكتّاب أو الأجناس الأدبية. لكن إن كنت تريد أن تقرأ ما يحلو لك من الكتب وتعتملك الرغبة للحديث عنها فـ «أندية القراءة غير التقليدية» هي المكان الأنسب. في هذا النوع من الأندية يتحدث كل شخص عن آخر كتاب قرأه، سواء أعجبه أم لم يعجبه. والأعضاء الذين يثير فضولهم الكتاب يوجهون أسئلتهم عنه إلى القارئ وعن المواضيع التي تطرق إليها. وفي هذا النوع من الأندية يمتد النقاش لوقت طويل، لأن عدد الكتب المطروحة للنقاش هي بعدد الأعضاء، وربما أكثر.

في هذا الصيف ترددت على ناديين من هذا النوع (حسبما يوافق موعد اللقاء وقتي)، حيث أمكنني أن أتحدث عن تلك الكتب التي أقرأها والتي غالبا لا تقع ضمن اختيارات أندية القراءة الأخرى.


نادي رؤيا الثقافي

أحيانا أريد أن أستمتع بمدارسة الشعر العباسي، أو أتعلم شيئا عن أفكار أفلاطون، أو أناقش أفلام تارنتينو. كل هذه الأنشطة أمارسها حين أذهب إلى نادي رؤيا الثقافي. فهو مساحة ثقافية حرة، وأكثر من نادي قراءة. وجميع هذه الأنشطة الثقافية ينظمها أعضاء النادي بأنفسهم. ثم يتحول بعضها إلى مادة ثقافية تتاح على منصة يوتيوب.

في عام 2024 قرر مجموعة من أعضاء النادي إنشاء مكتبة «رؤى» لتكون مقرًا لأنشطة النادي. ومما يتميز به النادي أيضًا، بالإضافة إلى التركيز على الفلسفة، هو الاهتمام بالأنشطة الثقافية الموجهة للطفل من جلسات قراءة وورش تعليمية.


مركز حروف

أحد الأندية التي انضممت لها سابقا هو نادي حروف، بعدما رأيت إعلانا عن مناقشة كتاب «على مقهى الوجودية». لم يكن الكتاب سهلا. خاصة الفصول المتعلقة بأفكار هايدقر. لكن للنادي طريقة في مناقشة الكتب مختلفة عن باقي الأندية، حيث قُسِّم الكتاب الذي يتعدى 450 صفحة إلى أقسام قابلة للهضم لمناقشتها مرة بالأسبوع واتمامه في شهر واحد. هذه الطريقة مناسبة للكتب الكبيرة والصعبة، ففي كل أسبوع نلتقي ونتناقش حول ما فهمنا وما أشكل علينا فهمه. كذلك كون أغلب الأعضاء في النادي من القراء الجادين فقد ساهم هذا على الخروج بفائدة أثناء المناقشة لا تقل عن القراءة. طريقة النادي في تقسيم الكتاب إلى أجزاء صغيرة تُناقَش خلال أسبوع، تكون كذلك ممتازة مع الروايات الكلاسيكية الكبيرة، فنادي حروف يخصص كل صيف لقراءة إحدى الروايات الكلاسيكية، وقد قرأ وناقش أعضاؤه في السنوات السابقة: الحرب والسلم، والأخوة كارامازوف، والكونت مونت كرستو.

وللنادي نشاط ملحوظ في استضافة المثقفين من داخل وخارج الكويت لإقامة ندوات ومحاضرات في مجالات متنوعة، ومن بينهم عدي الحربش الذي قرأ على الحضور قصة من تأليفه تدور أحداثها في العصر العباسي ثم دار نقاش حولها. ولمركز حروف أيضا رحلات ثقافية سنوية كان منها رحلة إلى مصر والمغرب والبحرين.


أندية القوائم

حين انضممت إلى مُحتَرَف تكوين للكتابة، نصحتنا بثينة العيسى بقائمة من الأعمال الأدبية التي تساعدنا قراءتها على تطوير أدواتنا الكتابية من منظور وشخصيات وحوارات. وكعاشق لأندية القراءة اقترحت على زملائي أن نصنع من هذه القائمة أساسًا لنادي قراءة ونجتمع معا لقراءتها ونشارك بعضنا بما استفدنا من أساليب وأفكار حول ما يميزها كنصوص أدبية. كذلك قبل عدة سنوات، طالعني أحد الأصدقاء بقائمة تحتوي على عناوين لروايات كلاسيكية وأخبرني أنه بصدد إنشاء نادي قراءة مع مجموعة من الأصدقاء الذين يرغبون في قراءة هذه العناوين.

هذا النوع من أندية القراءة يكون لأعضائه اهتمام مشترك في نوعية الكتب المقروءة، وهدف محدد يتوقعون الخروج به من خلال المناقشات.


الخاتمة

لا يمكنني حصر أنواع أندية القراءة في هذا المقال، فكل مجموعة من القراء يختارون الشكل الأنسب لهم في تفاعلهم مع الكتب. فهناك أيضا تلك الأندية التي تحصر عضويتها على النساء وتلك التي يفضل أعضاؤها المناقشة بالإنجليزية وكذلك من يختارون أن تكون لقاءاتهم عبر الانترنت، ولا ننسى كذلك الأندية المخصصة للأطفال واليافعين.

قد يعيب بعض الأندية التركيز غالبًا على قراءة الكتب الأكثر مبيعا أو الحائزة على جوائز أدبية. فلن تجد ناديا يناقش «قصيد بارمنيدس» ليوسف الصديق، أو الرواية الجريئة في لغتها «أم ميمي» لبلال فضل، أو مسرحيات أسخيلوس. لكن إذا لم يكن لديك خطة واضحة لنوع الكتب التي تريد قراءتها فأندية القراءة هي ملاذك المناسب للاستكشاف، وإن كنت من النوع الذي يقرأ كتبا في مجالات ضيقة، فستجد في أندية القراءة غير التقليدية غايتك.