ولد ساراماقو في البرتغال في قرية صغيرة اسمها أزينياجا، مشتقة من العربية بمعنى: الزنقة، الشارع الضيق. في بيئة فقيرة وأمية. لكنه هيأ الظروف التي يحتاجها ليشق طريقه في عالم الأدب، ويحقق نجاحات كثيرة، وإن كانت متأخرة، ليثبت أن ليس للإبداع عمر معين.
كانت بداياته الأدبية متواضعة. فلم يتسن له أن يكمل تعليمه الجامعي. فقد التحق بمدرسة صناعية ثم عمل ميكانيكيًا في ورشة إصلاح سيارات. لكنه كان يثقف نفسه بنفسه. وفي الرابعة والعشرين من عمره كتب روايته الأولى «أرض الخطيئة». كانت بداية متواضعة، حتى إنه رفض إعادة طبعها أو ترجمتها لسنوات طويلة لاحقة. مثله مثل العديد من الروائيين الذين يحاولون التبرؤ من بعض أعمالهم الأولى.
وفي الثلاثين من عمره كتب رواية «المنوَر». ومعها مر بتجربة مريرة مع دار النشر. فحين أرسل لهم النسخة الوحيدة من الرواية، تناسوها في الأدراج، ولم يكترثوا بالرد عليه، لا بالإيجاب ولا بالسلب. تركت هذه التجربة جرحًا عميقًا داخله، وهزت ثقته بنفسه. حتى إن دار النشر حين تواصلت معه، بعد ما يقارب من أربعين سنة لإخباره بعثورهم على المسودة حينما كانوا بصدد الانتقال إلى مكتب جديد، وأخبروه باستعدادهم لنشرها، رد عليهم: "لا، ليس الآن". تقول أرملته، إنه رفض رؤيتها منشورة في حياته لأنها تستدعي شعوره بالإهانة جراء عدم تقديم أي رد له حين أرسلها لهم.
فلم تُنشر الرواية إلا بعد وفاته، وهي تنتمي إلى نمط روايات العمارات Apartment Fiction، فهي تحكي قصة عدة عائلات مختلفة بعضها عن بعض، لكن تجمعها العمارة السكنية التي تسكن فيها. أقرب مثال لها رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني.
وحين حاول ساراماقو أن يكتب رواية بعدها، وجد نفسه يتوقف بعد صفحات قليلة، ويقول عن هذه المرحلة: "أفهمتني هذه المحاولات الأولى أنه ليس لدي ما أقوله. وفي هذه الحال من الأفضل لي أن أسكت". وتوقف عن نشر أي رواية لسنوات طويلة، تقترب من العقدين من الزمن. لكنه عمل مديرا للإنتاج في دار نشر Estúdios Cor حيث ترجم أعمالًا لبودلير وتولستوي وهيقل. عمل كذلك ناقدا أدبيا في إحدى المجلات الأدبية. ثم عمل محررًا ومديرًا للملحق الثقافي في الجريدة المسائية Diário de Lisboa.
وحين حاول الكتابة مجددًا، عاد بكتابة الشعر أولًا، ونشر ديواني شعر لم يتلقيا اهتمامًا كبيرًا. وحينها، وقبل أن يعود إلى كتابة الروايات، كتب عملًا يجمع ما بين الشعر والنثر، وهو كتاب «سنة ألف و993» والذي احتوى على مجموعة من القصائد النثرية.
كتب كل هذه الأعمال، وقد تجاوز الخمسين، ولا يكاد أحد يعرفه أدبيًا. لكنه كان في نفس الوقت يعمل نائب مدير إحدى أهم الصحف اليسارية، جريدة Diário de Nóticias، ويمارس نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي البرتغالي. وتعرض، وهو في هذا العمر، للإقصاء من وظيفته، جراء تبعات بعض التطورات السياسية في 1975 في البرتغال، والتي ترتب عليها إقصاء اليساريين من المناصب العامة. وكان ساراماقو من بين من فقدوا وظائفهم، وكان عليه أن يبدأ حياته من جديد. يقول عن تلك الفترة من حياته: "بعد أن أصبحت عاطلاً عن العمل مرة أخرى، وبالنظر إلى الوضع السياسي الذي كنا نعيشه، وفي ظل انعدام أي احتمال، مهما كان ضئيلاً، في العثور على وظيفة، قررت أن أكرس نفسي للأدب: فقد حان الوقت لأكتشف مدى جدارتي ككاتب". فسخّر كل وقته وطاقته له.
وكانت محاولته الجادة الأولى مع رواية «دليل الرسم والكتابة»، التي نشرها وهو بعمر الخامسة والخمسين. ويقول السارد، الذي تعدى الخمسين هو الآخر، في بداية الرواية: "لا أريد أن أفكر، في هذه اللحظة، فيما سأفعله إذا أخفقت في كتابة هذا النص". ويقول في موضع آخر: "ماذا أريد؟ أولًا، ألّا أكون مهزومًا. بعدها، إذا كان ممكنًا، أن أنتصر". وفي موضع آخر: "بدأتُ الآن في الكتابة، وأشعر بأني لم أفعل شيئًا آخر مطلقًا أو كأني، في نهاية الأمر، وُلدت من أجل هذا". نشر بعدها مجموعة قصصية وعدة مسرحيات. لكن شهرة رواياته اللاحقة غطّت عليها، ولم تلقَ نفس الاهتمام.
والآن نصل إلى ما يمكن أن نعده بدايات نجاحه الأدبي، مع رواية «ثورة الأرض»، وهي أول رواية من أعماله تلفت نظر النقاد بشكل واسع داخل البرتغال. ويتجلى فيها أسلوبه المميز في الكتابة والذي عهدناه في سائر رواياته، والذي حين تقرأه تشعر بغرابة وربما صعوبة في البداية، كما لو أنك تقرأ نصًا نيئًا وخاليًا من أي إضافات. لكن هذه الغرابة ستجدها لأنك اعتدت على قراءة النصوص الأخرى المكتوبة للقارئ، أما روايات ساراماقو فهي مكتوبة، في تقديري، للسامع الذي سوف تُتلى عليه الرواية كما يُتلى الكتاب المقدس على الفلاحين الأميين في قداس الأحد. فقد عاش فترة من حياته في مزرعة جده وجدته، وذكرهما أكثر من مرة في كتاباته وفي خطاب فوزه بجائزة نوبل 1998. وكان يتعجب من نظرتهما الجميلة للعالم رغم أنهما لا يملكان إلا كلمات محدودة في قاموسهما اليومي. وكانا، مثل الكثير من الفلاحين آنذاك، أميين. وهذا ما دفعه، برأيي، إلى تطوير أسلوب في السرد يتناسب مع بيئتهم الشفوية.
كذلك تبلورت اهتماماته الأدبية بشكل واضح فيما يتعلق بالبرتغال أرضًا وانتماءً وتاريخًا، وبشقاء الفقراء بسبب رغبة الأثرياء في المزيد من الثراء. يفتتح الرواية بهذا الاقتباس: "وأنا أسأل علماء الاقتصاد السياسي وعلماء الأخلاق: هل أحصوا عدد من حُكِم عليهم بمعاناة البؤس والعمل الشاق وتثبيط الهمة والنمو المتأخر والجهل المفسد والمصائب التي لا تقهر والفقر المدقع، كل ذلك من أجل خلق ثري واحد!".
أما شهرته عالميًا فبدأت حين بلغ الستين من عمره، مع روايته الخامسة «نُصب الدير التذكاري». ومع هذه الشهرة العالمية، تصل رواياته إلى قارئة إسبانية، تعجب بكتاباته. ثم تلتقي به بعد سنوات قليلة، وهنا يبدأ نجاح آخر، وهو وقوعه في حبها بعدما تعدى الستين من عمره، لتصبح رفيقة بقية عمره، ولنقرأ اسمها يتكرر في الكثير من إهداءات أعماله اللاحقة، ومنها سيرته الذاتية «ذكريات صغيرة»: "إلى بيلار، التي لم تكن قد ولدت بعد، وتأخرت في المجيء".
مثلما كان إقصاؤه عن الصحافة لحظة انطلاقته الأدبية الحقيقية ونجاحه فيها حتى صار معروفًا على نطاق عالمي، تعرض مرة أخرى للإقصاء، وانتهى به المطاف هذه المرة إلى نجاح أدبي أعظم، وهو جائزة نوبل.
فبعد أن نشر رواية «الإنجيل برواية يسوع المسيح»، والتي أعاد فيها كتابة حياة المسيح، مع مساءلات أخلاقية أزعجت واستفزت الكنيسة الكاثوليكية. فقررت الحكومة البرتغالية أن تتدخل وتمنع الرواية من الترشح للجائزة الأدبية الأوروبية، لكونها، حسب رأيهم، لا تصلح لتمثل الأدب البرتغالي. فدار في البرلمان جدال حول قرار الحكومة وتدخلها في منع ترشح الرواية، وهناك من وصف تصرفها بأنه عودة إلى محاكم التفتيش.
وحين تضايق ساراماقو من قيد الرقابة في بلاده، ابتعد ونفى نفسه إلى جزيرة لانزاروت الإسبانية. ودوّن أفكاره وشيئًا من يومياته ونشرها لاحقا في كتابه «المفكرة»، والذي تضمن انتقاداته للسياسات العالمية آنذاك، وآراءه بشأن الأزمة المالية في 2008، وكذلك رأيه المناصر للقضية الفلسطينية، وذكر الشاعر محمود درويش، الذي شبهه بنيرودا.
وعاش في الجزيرة سنوات، تحوّل فيها تناوله للقضايا الأدبية التي كانت مكرسة لما يتعلق بالبرتغال من تاريخ وقضايا محلية، ليوسع نظرته ويكتب أدبًا عالميًا. فخرج بروايته الأشهر «العمى». ونال بعدها بسنوات قليلة جائزة نوبل للآداب. هذا النجاح جعل أعماله رائجة بشكل لم يسبق له مثيل. وفتح له بابًا واسعًا من الشهرة والثراء المالي، بعد حياة طويلة مليئة بالمعاناة. لكنه لم ينسَ من أين بدأ.
ذهب إلى السويد ليستلم الجائزة، وليصبح أول أديب من البرتغال، ومن اللغة البرتغالية، ينال هذه الجائزة. فيفتخر به أهل البرتغال والبرازيل أيضًا، الناطقون بالبرتغالية. وهناك ألقى كلمة يتذكر فيها المكان الذي نشأ فيه، عن طفولته مع جده وجدته في مزرعتهما، وكيف أن شخصيته صارت مزيجًا من كل تلك الشخصيات التي عاش معها، وكذلك من الشخصيات التي تخيلها في أعماله. أي أن الأدب الذي كان يكتبه، كان بدوره يشكّل شخصيته ومساره في الحياة.
