علم البيانات


الذي تستهلكه المعلومات بديهي: إنها تستهلك انتباه مستقبليها. لذلك غزارة المعلومات تولد ضحالة في الانتباه, وحاجة  إلى توزيع الاهتمام بكفاءة بين ما قد يستهلكه من مصادر متكاثرة للمعلومات.
هربرت سيمون




وقعت هذه القصة في أحد أفرع متجر تارغت الأمريكي, حيث توجه أحد الزبائن غاضبا إلى المدير وهو يحمل صرة من الكوبونات التي أرسلها المتجر إلى ابنته. ثم قال للمدير "ابنتي حصلت على هذه الكوبونات عبر البريد. هي لا تزال في الثانوية وأنتم ترسلون إليها كوبونات عن ملابس وأسرّة للأطفال؟ هل تحاولون تشجيعها على الحمل؟". المدير لم يحر جوابا. تحقق بنفسه من عنوان البريد ووجده يعود إلى ابنة هذا الرجل والكوبونات كانت بالفعل إعلانات لمنتجات أمومية, فما كان منه إلا أن بادر بالاعتذار إلى الرجل. واتصل عليه بعد عدة أيام ليعتذر مجددا لكنه وجد الرجل يتحدث إليه بخجل وقال "تحدثت إلى ابنتي, وكما يبدو أن هناك بعض الأنشطة في منزلي لم أكن مطّلعا عليها بشكل كامل. ابنتي ستلد في أغسطس القادم. أنا مدين لك باعتذار."

كيف عرف متجر تارغت عن حمل هذه البنت حتى قبل معرفة والدها؟ بل واستغل هذه المعلومة بإرسال كوبونات تنبأ بشكل دقيق إلى حاجتها إليها؟ وماذا يمكنه أن يعرف عن بقية زبائنه؟ الجواب يكمن في هذا العلم الوليد, علم البيانات, الذي تستعين به العديد من الشركات والمتاجر .

علم البيانات هو حقل علمي متشعب, يهدف إلى غربلة البيانات الخام الفارغة من المعنى ليستخلص منها معلومات تساعد في اتخاذ القرارات والتنبؤ بالأحداث المستقبلية. هو صنف جديد من العلم لا يندرج تحت العلوم الطبيعية كالفيزياء ولا تحت العلوم الاجتماعية كعلم النفس, ويُعد بشكل ما امتدادا للإحصاء وللتحليل التنبؤي. صنفته مجلة هارفرد بزنس ريفيو كأكثر التخصصات إثارة في القرن الحادي والعشرين.

لمحة تاريخية

أول إشارة لعلم البيانات كانت عام 1996 في مؤتمر عقد باليابان. أما مصطلح عالم البيانات فأتى بعد ذلك بتسعة أعوام في 2005 من المجلس الوطني للعلوم في الولايات المتحدة. وفي عام 2007 تأسس مركز أبحاث الداتالوجي وعلم البيانات في الصين Research Center for Dataology and Data Science وأصدر اثنين من الباحثين في المركز ورقة علمية  تعرّف علم البيانات على أنه صنف جديد ومغاير عن العلوم الطبيعية والإجتماعية:

"هناك أمثلة متزايدة لبيانات ليس لها مرجعية في العالم الطبيعي, كفيروسات الكمبيوتر وألعاب الفيديو والبيانات المهترئة, كلها أُنتِجَت في عالم البيانات datanature. البيانات المُنتَجَة في عالم البيانات تفوق تدريجيا الحقائق المادية الموجودة في العالم الطبيعي وصارت تُظهِر أنماطا فريدة بها.
على الجانب الآخر, المزيد والمزيد من الأبحاث العلمية ستوجه مباشرة نحو البيانات في عالم البيانات, عوضا عن الحقائق في الطبيعة, مما سيشجع على محاولة فهم البيانات وتبسيطها لاستكشاف الطبيعة والسلوك الإنساني. العلوم الطبيعية تأخذ موادا من الطبيعية كموضوعات للبحث, والعلوم الاجتماعية تأخذ السلوك الإنساني كموضوع للبحث. ولكن البيانات في الفضاء السيبيري cyberspace صارت تدريجيا تغطي بل وتفوق الحقائق في الطبيعة وفي السلوك الإنساني بسبب وجود العديد والعديد من البيانات بلا مرجعية في الطبيعة أو في السلوك الإنساني. نتيجة لذلك, الباحثين في البيانات يميلون إلى بحث البيانات في الفضاء السيبيري, أي أخذ البيانات كموضوع للبحث, خلافا لما هو واقع الآن في العلوم الطبيعية والإنسانية.
في عام 2009 عرّف زو Zhu وآخرون علم البيانات كعلم جديد موضوع بحثه هو البيانات. هناك توافق كبير بأن علم البيانات يختلف عن التكنولوجيات والعلوم القائمة اليوم وسيشكل طريقا بحثيا واعدا في المستقبل."

وللتعرف على علم البيانات بشكل واف يلزمنا معرفة عدة مفاهيم مرتبطة به كالبيانات الضخمة والبيننة وتعلم الآلة.

البيانات الضخمة Big Data

يكمن لب علم البيانات في جمع وتصنيف كميات هائلة ومعقدة من البيانات تُعرف بالبيانات الضخمة ثم تحليلها لتوليد رؤى تتيح تحسين عملية اتخاذ القرار والتنبؤ بدقة بلأحداث المستقبلية في مجال الصحة والاقتصاد وغيرها من المجالات.
في السنوات الأخيرة ظهر تدفق كبير للبيانات على الانترنت من مستخدمي الشبكات الاجتماعية ومن مصادر أخرى. هذه البيانات التي تُعرف بالبيانات الضخمة تتولد منها ملايين البتات كل ثانية, إلا أنها بيانات غير مترابطة ولا تدل على أي معنى, لذا لزم استحداث طرق جديدة أكثر كفاءة لتنطيمها ومعالجتها حاسوبيا ليأتي بعد ذلك دور عالم البيانات ويستخرج منها معلومات مفيدة. فالبيانات الضخمة تتعذر معالجتها في قواعد البيانات التقليدية إما لكبر حجمها, وأو بسبب حركتها السريعة, أو لأنها لا تلائم بنية قواعد البيانات التقليدية, وهذه هي السمات الرئيسة التي تميزها عن البيانات العادية:
  • السعة Volume: حين نتكلم عن حجم البيانات العادية فإننا نستخدم وحدات كالميغابايت والغيغابايت, أما البيانات الضخمة فقد يصل حجمها إلى البيتابايت والإكسابايت.
  • السرعة Velocity: أي الوقت الذي تأخذه البيانات من وصولها للكمبيوترات إلى حين معالجتها. فهي تنتقل وتتدفق بسرعات عالية مما يصعب تنظيمها وتخزينها ومعالجتها.
  • التنوع Variety: هي بيانات عالية التنوع. يجتمع فيها مزبج معقد من البيانات المهيكلة (تُخَزِّن وتُعالج في قواعد البيانات التقليدية) وغير المهيكلة (لا تتلائم مع قواعد البيانات التقليدية كالإيميلات والتغريدات والتدوينات) وشبه المهيكلة (لا تتلائم مع قواعد البيانات التقليدية لكنها مُعِلَّمة بوسوم تتيح خلق ترتيب وهرمية فيها).

فيمكن وصفها اختصارا بأنها البيانات التي لا يمكن معالجتها من قبل كمبيوتر واحد مهما بلغت قوته, لذا صار من اللازم الاتجاه إلى الحوسبة المتوازية Parallel Computing بحيث تُستخدم عدة حواسيب تُربط شبكيا لتعالج البيانات في نفس الوقت.

مخاطر البيانات الضخمة

ما أعنيه بالمخاطر هنا هو ما يتعلق بمستخدمي الانترنت الذين يعدون جزءا رئيسا في توليد هذه البيانات. وأحد أبرز مخاطر البيانات الضخمة انعدام الخصوصية, فلا يمكن إخفاء هوية أصحاب البيانات. فتتعذر إمكانية حجب البيانات الشخصية كالاسم والعنوان والعمر وغيرها من المعلومات الدالة على صاحب البيانات.
في عام 2006 نشرت شركة أمريكان أونلانين AOL بيانات متعلقة بعمليات بحث أجراها أكثر من نصف مليون شخص لمدة ثلاثة أشهر بهدف دراستها وتحليلها من قبل الباحثين. وأولت الشركة عناية كبيرة لإخفاء هوية المستخدمين بنزع كل المعلومات الدالة عليهم واستبدلتها برقم تسلسلي فريد لكل مستخدم ييسرتحليل كل عمليات البحث التي أجراها. وبالرغم من أن البيانات منزوعة الهوية, إلا أن صحيفة نيويورك تايمز تمكنت من التوصل إلى امرأة ومعرفة اسمها وعمرها ومحل سكنها فقط من خلال المفردات التي استخدمتها في عمليات البحث المنشورة.

في نفس العام فعلت شركة تأجير الأفلام نتفلكس Netflix الأمر ذاته بهدف تطوير خدمتها. فنشرت مليون سجل لعمليات تأجير أفلام أجراها ما يقارب النصف مليون مستخدم وعرضت مليون دولار جائزة لأي شخص يتمكن من تطوير نظام ترشيح الأفلام بنسبة 10%. بالرغم من أن هويات المستخدمين كانت منزوعة من البيانات إلا أن بعض الباحثين في جامعة تكساس تمكنوا من معرفة بعض المستخدمين من خلال مقارنة هذه البيانات مع بيانات أخرى في موقع قاعدة بيانات الأفلام في الانترنت IMDb حيث يستخدمه الكثير من الأشخاص لتقييم الأفلام.
في البيانات التي نشرتها شركة أمريكان أونلاين توصل إلى هوية المستخدمين خلال تحليل المادة التي حوتها البيانات ذاتها. أما مع البيانات التي نشرتها شركة نتفلكس فتم التوصل إلى هوية المستخدمين من خلال مقارنتها مع بيانات أخرى متوفرة بشكل عام. لذلك, كلما تزايد توليد البيانات الضخمة كلما تلاشت خصوصية مستخدميها أكثر وأكثر.

البَيْنَنَة Datafication

أحد المفاهيم التقنية الحديثة هو البيننة, وهي خلافا للرقمنة التي تحيل البيانات التناظرية إلى رقمية, البيننة تقوم على استخراج البيانات من كل شيء وتدوينها وتحليلها وتنظيمها. وأقصد كل شيء حتى تلك الأشياء التي لا يُتعامل معها على أنها مصدرا للمعلومات. فمثلا, يمكن لشركات السيارات أن تقوم ببيننة Datafy طريقة الجلوس على كرسي السيارة أثناء القيادة, فتستخرج بيانات حول كيفية توزيع الوزن أثناء الجلوس وشكل محيط الجسد (بعبارة أخرى, بصمة للمؤخرة!), ثم تسجلها حتى يكون هناك نمط محدد وفريد لطريقة الجلوس فإذا اختلف هذا النمط (البصمة) فيما بعد تقوم السيارة بطلب كلمة مرور من السائق أو أن يمتنع المحرك عن الدوران لتمنع بذلك أي محاولة لسرقة السيارة, كذلك تسجيل وجمع نمط الجلسة لعدد كبير من السائقين في اللحظات التي تسبق وقوع الحوادث لتساعد هذه البيانات فيما بعد بالتنبؤ بالحوادث واتخاذ من يلزم قبل وقوعها. فهذا الإجراء قد تعامل مع أمر لم يكن يُرى سابقا على أنه يحمل معلومات أو بأنه يمثل بيانات (كرسي السيارة طبعا!), لكن من خلال بيننته إلى صيغة مقاسة عدديا, أمكن التعامل معه بشكل مختلف واستخراج فائدة منه. فالبيننة أتاحت لكمية من المعلومات التي لم يكن يُنظَر لها على أنها ذات قيمة, إلى معلومات يمكن تخزينها ومعالجتها في الكمبيوترات وكذلك تحليلها.
من الأمور التي لم تكن بيننتها ممكنة سابقا هي أمزجة الناس. فمن خلال دراسة وتحليل نصف مليار تغريدة على مدار سنتين أنتجها ما يقارب المليونين ونصف المليون شخص من 84 دولة أصبح من الممكن معرفة ومقارنة الأنماط اليومية والأسبوعية للناس من مختلف الثقافات والدول حول العالم في دراسة نشرب بمجلة ساينس Science في 2011. وبفضل البيننة صار بالإمكان إخضاع أمزجة الناس وعواطفهم إلى الدراسة والتحليل.

تعلم الآلة Machine Learning

تعلم الآلة هو أحد المجالات الفرعية لعلم الكمبيوتر. يُعرفه عالم الكمبيوتر آرثر سامويل بأنه "المجال الذي يتيح للكمبيوترات القدرة على التعلم دون حاجة لبرمجتها على ذلك". فبدلا عن اتباع البرنامج لأوامر برمجية محددة بدقة, يأخذ كميات متعددة من البيانات ومنها يتعلم ويطور أدائه بالأمثلة والخبرات المتراكمة, أو يتعلم بأن يتخذ قرارات وتنبؤات أكثر دقة.
تطبيقات تعلم الآلة متعددة تشتمل على البرامج التي تتعرف على النصوص والأصوات فتتعلم كلما تم استخدامها وتلقيمها بالمزيد من البيانات. كذلك برامج فلترة البريد الغير مرغوب Spam Filter. فكلما وسِم أحد الإيميلات بأنه غير مرغوب فيه يتعلم البرنامج من هذه المعلومة ويطور من أدائه لاحقا.

كيف تصبح عالم بيانات؟

عالم البيانات هو شخص يتفوق في الإحصاء على أي مهندس برمجيات, ويتفوق في هندسة البرمجيات على أي إحصائي.
جوش ويلز



هال فاريان, كبير اقتصاديين قوقل, يصف وظيفة عالم البيانات بقوله: "إذا أدرت أن تكون ناجحا, عليك أن تكون متمما ونادرا لشيء واسع الانتشار وغير مكلف. البيانات موجودة بكثرة والأمر الهام والنادر على المدى الطويل هو معرفة كيفية استخراج الحكمة منها. لهذا السبب الإحصائيين ومدراء قواعد البيانات والمتخصصين في تعليم الآلة سيكونون بحق في موضع يحسدون عليه."

الفرق بين علماء البيانات والإحصائيين ومهندسي البيانات ومحلليها

علماء البيانات يستخدمون لغات البرمجة والتقنيات المعتمدة على الكمبيوترات خلافا للإحصائيين الذين يستخدمون الطرائق الإحصائية التقليدية المستقاة من الرياضيات. أما مهندس البيانات فهو من يوجد حلولا للقصور التقنية في معالجة البيانات ذات السعة والسرعة العالية, وهو الذي يجهز البيانات ويُعِدُّها ليستطيع عالم البيانات استنباط المعلومات المفيدة منها. أما محلل البيانات فمجال عمله يتناول تحليل كميات أقل بكثير من تلك التي يتعامل معها عالم البيانات ويعتمد على البرامج والأدوات المجهزة سابقا للقيام بعمله عكس عالم البيانات الذي يطور البرامج التي يستخدمها بنفسه.

فما يقوم به عالم البيانات هو استخلاص المعلومات المفيدة من بين أكداس هائلة من البيانات ليعرضها بأسلوب يسهل فهمه. وليقوم بعمله يلزمه المزج بين الإحصاء, والبرمجة, وتصميم المخططات البيانية.
يشرح فرانك لو, مدير ومؤسس إدارة علم البيانات لدى شركة واي فير للأثاث, أهم ثلاث صفات يجب على أي عالم بيانات التحلي بهن:
"علم البيانات هو تقاطع بين مناطق مختلفة من المهارات. هناك ثلاثة مناطق مهمة. الأولى الرياضيات والتقنيات الكمية. الثانية الهندسة لأن علم البيانات تقني جدا. والثالثة استراتيجيات العمل والمعرفة الجوهرية لأي موضوع تعمل عليه."

بعض الأدوات التي تحتاج إلى الإلمام بها (قد تتغير في المستقبل):
  • هادوب Hadoop: منصة عمل لمعالجة كميات كبيرة من البيانات بسرعة عالية.
  • ماب رديوس MapReduce: نموذج برمجي لمعالجة الكميات الكبيرة من البيانات باستخدام الحوسبة المتوازية والموزعة.
  • لغة آر R: لغة برمجة مخصصة للحوسبة الإحصائية.
  • ماهاوت Mahout: برنامج متخصص في تعلم الآلة.
  • تابلو Tableau: برنامج لتصوير البيانات.

أما بالنسبة للإحصاء فلا تحتاج أن تكون ضليعا فيه, بعض الأساسيات الإحصائية تكفي, مثل:
  • Linear regression
  • Ordinary least squares
  • Time series analysis
  • Monte Carlo simulation

الوسائل المتاحة لاكتساب المعرفة في علم البيانات متعددة, فالكثير من الجامعات شرعت في السنوات الأخيرة بتوفير تخصص علم البيانات للدراسات العليا, إن لم يسمح لك وقتك ومالك بالانضمام لأحدها يمكنك أخذ كورسات اونلاين MOOC.

مراجع:
  • Data Science for Dummies by Lillian Pierson
  • Big Data: A Revolution That Will Transform How We Live, Work, and Think  by Viktor Mayer-Schonberger, Kenneth Cukier
  • Data Scientist: The Definitive Guide to Becoming a Data Scientist by Zacharias Voulgaris

دورة حياة التكنولوجيا


أي شيء موجود في الحياة حين ولِدتَ يُعَد صحيحا وطبيعيا.
أي شيء أُخترع وأنت بعمر 15 إلى 35 يُعَد جديدا وثوريا ومشوقا, ويمكنك إلى حد ما أن تزاول عملا يعتمد عليه.
أي شيء أٌخترع وأنت أكبر من 35 عاما سيكون أمرا يخالف سنن الطبيعة.
دوغلاس آدام





عالم الكمبيوتر والمتخصص بالمستقبليات راي كيرزويل (1948) كان مأخوذا طوال حياته بالتكنولوجيا وله العديد من الاختراعات التقنية كالقارئ الضوئي للنصوص وآلة عزف إلكترونية تحاكي البيانيو, وألف العديد من الكتب التي حوت على تنبؤات تقنية دقيقة. في كتابه "عصر الآلات الروحية" يصف تطور أي تكنولوجيا بهذه المراحل السبعة:

تكافح التكنولوجيات من أجل البقاء, وتتطور وتخوض دورات حياة خاصة بها, ونستطيع تحديد سبع مراحل مختلفة. خلال مرحلة الإرهاصات تتوفر المتطلبات الأساسية للتقنية, وقد يستطيع الحالمون تصور اتحاد هذه العناصر معا, لكننا لا نعتبر الحلم مرادفا للاختراع, حتى لو كانت الأحلام مدونة, فقد رسم ليوناردو دا فينشي Leonardo da Vinci صورا مقنعة لطائرات وسيارات, لكننا لا نعتبره مخترعا لأي منها.
المرحلة الثانية -- وهي مرحلة نحتفي بها كثيرا في ثقافتنا -- هي الاختراع, وهي مرحلة وجيزة جدا, لا تختلف في بعض الجوانب عن عملية الميلاد بعد فترة طويلة من المخاض, وهنا يمزج المخترع حب الاستطلاع والمهارات العملية والعزيمة وقدرا من الاستعراض عادة للجمع بين الأساليب المختلفة بطريقة جديدة للخروج بتكنولوجيا جديدة.
المرحلة التالية هي التطوير, حيث يحمي الاختراع ويدعمه أوصياء لديهم شغف به (قد يكون من بينهم المخترع الأصلي), وكثيرا ما تفوق هذه المرحلة في أهميتها مرحلة الاختراع, وقد تتضمن ابتكارا إضافيا يفوق في أهميته الاختراع الأصلي. كان الكثيرون من هواة تجربة أجزاء الآلات قد انتهوا إلى إنشاء عربات ركاب بدون جياد تعمل بالتحكم اليدوي, لكن اختراع هنري فورد Henry Ford للإنتاج على نطاق واسع هو الذي أتاح للسيارة أن تحتل مكانها وتحقق النجاح.
المرحلة الرابعة هي النضج, فمع أن التكنولوجيا تواصل التطور, فإنها تكتسب عندئذ حياة ذاتية وتصبح جزءا مستقلا وراسخا في المجتع, وقد تندمج اندماجا كبيرا في نسيج الحياة حتى يبدو لكثير من المراقبين أنها ستدوم إلى الأبد, ويؤدي ذلك إلى دراما مثيرة عندما نصل إلى المرحلة التالية التي أطلق عليها مرحلة "المدعين", فهنا يهدد أحد المدعين بالقضاء على التكنولوجيا القديمة, وقبل الأوان يتوقع المتحمسون لها النصر, في حين توفر التكنولوجيا الجديدة بعض الميزات, نجد بعد إعادة النظر أن التكنولوجيا الأحدث ينقصها الجودة أو تفتقر إلى العملية, وعندما تفشل بالفعل في إزاحة النظام القائم, يرى المحافظون في ذلك دليلا على أن الأسلوب الأصلي سوف يعيش حقا إلى الأبد.
يكون ذلك في معظم الأحوال نصرا قصير الأجل للتكنولوجيا التي أصابتها الشيخوخة, وبعد وقت قصير تنجح تكنولوجيا جديدة عادة في إحالة التكنولوجيا الأصلية إلى التقاعد. في هذا الجزء من دورة الحياة تعيش التكنولوجيا سنواتها الأخيرة في تدهور تدريجي, وقد أصبح يشاركها الهدف منها ووظيفتها منافس أكثر حيوية. وتفضي هذه المرحلة -- التي قد تشكل (٥-١٠) بالمائة من دورة الحياة -- آخر الأمر إلى مرحلة الأثر التاريخي (من الأمثلة الراهنة; المركبات التي تجرها الخيول, والهاربسيكورد, والآلة الكاتبة اليدوية, والكمبيوتر الميكانيكي الكهربائي).
لتوضيح تلك المراحل تأمل أسطوانات الفونوغراف, فقد سبقها في منتصف القرن التاسع عشر العديد من الابتكارات بما فيها مسجلة الصوت البدائية phonautograph لإدوارد ليون سكوت دو مارتنفي Edouard-Leon Scott de Martinville, وكانت تسجل ذبذبات الصوت كنموذج مطبوع. غير أن توماس إديسون Thomas Edison هو الذي جمع في 1877 كل العناصر بعضها مع بعض واخترع أول جهاز يستطيع تسجيل الصوت وإعادته, وتطلب الأمر مزيدا من التنقيح للفونوغراف لكي يصبح عمليا من الناحية التجارية, وأصبح تكنولوجيا ناضجة تماما في 1948 عندما أنتجت كولومبيا الأسطوانة التي تدور بسرعة 33 دورة في الدقيقة وقدمت آر سي إي فيكتور RCA Victor الأسطوانة الصغيرة التي تدور بسرعة 45 دورة في الدقيقة. كان المدعي شريط الكاسيت الذي ظهر في الستينيات وانتشر في السبعينيات, وتنبأ المتحمسون الأوائل أن حجمه الصغير وإمكانية إعادة التسجيل عليه سيقضيان على الأسطوانات التي يعيبها كبر حجمها وقابليتها للخدش.
على الرغم من هذه الميزات الواضخة, كان ينقص أشرطة الكاسيت الوصول العشوائي (القدرة على الاستماع إلى مختارات بتتابع معين), وهي عرضة لأنواع معينة من التشويش وينقصها نقاء الصوت. وفي أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات وجهت الأقراص المضغوطة CD الضربة القاضية, فقد أتاحت هذه الأسطوانات الوصول العشوائي بالإضافة إلى مستوى من جودة الصوت يقترب من حدود الجهاز السمعي الإنساني, ودخلت أسطوانات الفونوغراف مرحلة الاختفاء التدريجي في النصف الأول من عقد التسعينيات, ومع أن هذه الأسطوانات لا تزال تُنتَج بكميات صغيرة, فإن التكنولوجيا التي ولدت على يد أديسون منذ أكثر من قرن في طريقها لأن تصبح أثرا تاريخيا.
يعد الكتاب المطبوع مثالا آخر, فهو الآن تكنولوجيا ناضجة تماما; إنه الآن في مرحلة المدعين, والمدعي هو الكتاب "الافتراضي" المعتمد على البرمجيات. ونظرا لافتقار الجيل الحالي من الكتاب الافتراضي للوضوح والتباين وغيرهما من المميزات البصرية للورق والحبر, فالجيل الحالي من الكتاب الافتراضي ليست له القدرة على إزاحة المطبوعات المعتمدة على الورق. غير أن انتصار الكتاب الورقي سيكون قصير الأجل, فسوف تنجح الأجيال المستقبلية من الكمبيوترات في توفير بديل مقبول تاما للورق.

3 عادات كتابية لنجاح طويل الأمد: كيف كتب إسحاق عظيموف أكثر من 500 كتاب؟



Image source: wikimedia.org


3 عادات كتابية لنجاح طويل الأمد: كيف كتب إسحاق عظيموف أكثر من 500 كتاب؟
ترجمة: علي الصباح



في المراحل الأولى من كتابتي لرسالة الدكتوراة, أكون محظوظا إذا ما تمكنت من تدبر جمل قليلة في اليوم الواحد. كانت الكلمات تخرج كالنفط السائل المستخرج من بقايا الديناصورات المتحللة. كل فكرة أو عبارة يتم تدقيقها, ثم إعادة تدقيقها, ثم تعديلها, ثم مسحها. في نهاية كل يوم كنت أنظر بإحباط إلى كمية الكلمات التي كتبتها. استمرت الحال هكذا لأشهر.

ثم انقلب عالمي رأسا على عقب بسبب هذا الرجل ذو السوالف الطويلة والنظارات القرنية المتوفى قبل 20 عاما. الذي علمني كيف أرفع قدرتي الكتابية اليومية من كلمات قليلة إلى أكثر من 1000 كلمة.

مقدمة عن إسحاق عظيموف

كانت لعظيموف, عميد أدب الخيال العلمي, قدرة إنتاجية تريع أكثر الروائيين غزارة في الإنتاج. فقد كتب أو حرر أكثر من 500 كتاب, ومئات القصص القصيرة والمقالات. إلى جانب ذلك, أرسل أكثر من 90 ألف رسالة وبطاقة بريدية إلى قراءه في شتى أنحاء العالم. تقع مؤلفات عظيموف ضمن 9 من 10 تصنيفات رئيسة لنظام ديوي العشري. ولو أنه وضع مؤلفا في الفلسفة لشملت مؤلفاته التصنيفات العشر كلها. هو معروف كذلك لعمله الملحمي في الخيال العلمي "سلسلة القاعدة" The Foundation Series, كذلك كتب عن شكسبير, والإنجيل, وقصائد اللمريك الفكاهية, والتاريخ القديم, ودليلا تعليميا لاستخدام المسطرة الحاسبة.
ليتمكن الكاتب العادي من هكذا إنتاج, يلزمه أن ينهي كتابا كل أسبوعين لمدة 25 سنة. أغلب كتب عظيموف كانت بمقدار 70 ألف كلمة, بمعنى جهوزية 5 آلاف كلمة يوميا للنشر. أي كاتب سيخبرك أن كتابته الأولى غير جاهزة للنشر بعد, على افتراض أن عدد كلماته اليومية أعلى بكثير.
إذا كيف كان يفعل ذلك؟ كيف تمكن من تجاوز الكتّاب الآخرين بعامل 10 أضعاف أو حتى 100 ضعف؟ هناك ثلاثة أسباب.

1- عظيموف يكتب كل يوم, سواء رغب بذلك أم لم يرغب

حسبما جاء في ملفه الشخصي في جريدة نيويورك تايمز عام 1969, يبدأ عظيموف عمله ما بين الساعة 9:30 و 10:00 صباحا يوميا. يكتب على ألآلة الطابعة الإلكترونية بسرعة تزيد على التسعين كلمة في الدقيقة, مع احتفاظه بآلة أخرى احتياطية في حال تعطل الأولى. يأخذ فترات قصيرة للراحة ويظل يعمل حتى المساء. ويخلد إلى فراشه ما بين الساعة العاشرة والحادية عشر مساءً, ولعله ينسج في حلمه مسودة للخطوط العريضة لما تبقى من كتابه. وعلى هذا النحو يحدث أن يُنهي كتابا كاملا في غضون أيام قليلة.
منهج عظيموف العملي يجعله يلقي بالكلمات على الورق حتى وإن لم يأته الإلهام. فكان يسخر من فكرة "حبسة الكاتب". فوالده كان صاحب متجر حلويات في بروكلين وكان يفتح باب المتجر في الساعة السادسة صباحا من كل يوم, سواء شعر برغبة في ذلك أم لم يشعر. فوالده كان يقوم بهذا بدون أن يشتكي يوما من "حبسة التاجر".
أسلوب عظيموف في ضخ الكلمات بكثافة جعله يبدو إلى حد ما مناقضا للنمط الشائع للكتّاب. فصورة الروائي القابع أمام آلة الكتابة, مجاهدا في توليد الكلمات, ثم أخذ الورقة وتمزيقها إن لم تكن بالمستوى المرغوب. هذه الصورة تراود خيال الكثير من الكتّاب المبتدئين. لذلك هناك الكثير ممن يرون أنفسهم كتابًا إلا أنهم لم يكتبوا قط. فهم يستخدمون لقب الكاتب كمهنة لهم إلا أن أقلامهم عاجزة عن الكتابة جراء إفراطهم في التنظير.
لكن عظيموف كان يكتب الكلمات بالجملة لإيمانه بأن الإنتاجية المستمرة أهم بكثير من التردد في سبيل تحسين الجودة.

2- استخدم أسلوبا بسيطا في الكتابة

عظيموف يفضل الكتابة بأسلوب بالغ البساطة. فشخصياته غاية في الوضوح وحوارته جدا فعالة وبالغة الإيجاز. بالرغم من الانتشار الواسع لكتاباته وتأثيره الواضح ككاتب, إلا أن ليس هناك الكثير من النقد الأدبي تجاهه. وذلك يعود إلى أنه من خلال حبكة القصص, جعل الأحداث وأسباب وقوعها واضحة للقارئ. فشخصياته لا تتحدث باستفاضة. فلا يتبقى الكثير للنقاد لتفسيره حين لا يجدون شيئا تقدمه الشخصيات.
يعزو عظيموف إنتاجه الكثيف إلى هذا الأسلوب البسيط في الكتابة أكثر من أي شيء آخر. عندما سالته مجلة رايترز دايجست Writer's Digest عن سر كتابته الخصيبة أجاب: أعتقد أني أكتب بخصوبة لأن لدي أسلوبا بسيطا ومباشرا في الكتابة.

3- لم يكترث للنقاد

يتجنب الكثير من الكتاب الأسلوب البسيط في كتابتهم ليبدون أكثر تمرسا. نتيجة لذلك, يأتون بنصوص مبهمة ليعجبوا بها النقاد "بأفكارهم العميقة". أما عظيموف فإنه تلقى انتقادات لنزوعه عن هذه الطريقة.

في عام 1980, كتب كاتب الخيال العلمي جيمس قَن James Gunn عن رواية آي روبوت I, Robot الآتي:
باستثناء قصتين من قصصه [عظيموف] -الكاذب Liar والدليل Evidence- هي ليست بالقصص التي تلعب فيها الشخصيات دورا محوريا. تقريبا كل الحبكات تدور بحوارات قليلة. وليس هناك كذلك طابع محلي أو توصيف من أي نوع. الحوارات بأحسن حال, عملية, والأسلوب بأحسن حال شفاف. قصص الروبوت مثل أغلب قصص عظيموف, تحدث على مسرح مجرد.

كلمة ستيف جوبز لخريجي جامعة ستانفورد 2005









كلمة ستيف جوبز لخريجي جامعة ستانفورد عام 2005
ترجمة: علي الصباح



يشرفني أن أكون معكم اليوم في حفل تخرجكم من إحدى أفضل الجامعات في العالم. لم يتسنى لي انهاء الدراسة الجامعية. في الحقيقة, هذا أقرب ما استطعت الوصول إليه لحفل تخرج جامعي. سأحدثكم اليوم عن ثلاث قصص من حياتي. هذا كل ما في الأمر. ببساطة. ثلاث قصص فقط.

القصة الأولى عن ربط النقاط.

أوقفت قيدي الدراسي في كلية ريد بعد ستة أشهر, لكني ظللت فيها مثل أي طالب مستمر بالدراسة لما يقارب 18 شهرا إلى أن تركتها نهائيا. لماذا توقفت عن الدراسة إذا؟

ابتدأ الأمر قبل ولادتي. والدتي البيولوجية كانت صغيرة في السن, طالبة دراسات عليا وغير متزوجة, فأزمَعَت أن تتركني للتبني. رغبت بأن يتبناني أبوين جامعيين, وعلى هذا رُتّبت الأمور لكي يتبناني محام وزوجته. لكن بعد ولادتي قررا أنهما يريدان بنتا. لذا أبواي, اللذان كانا على لائحة الانتظار, تلقا اتصالا مفاجئا في منتصف الليل يسألهم: "لدينا مولود طارئ, هل تريدانه؟" قالا: "بالطبع". علمت والدتي البيولوجية أن أمي لم تتخرج من الجامعة وأبي لم يتخرج من الثانوية. فرفضت إمضاء أوراق التبني. إلا أنها وافقت بعد ذلك عندما وُعِدت من أبواي بأن الدراسة الجامعية ستتاح لي.

وبعد 17 عاما دخلت الجامعة. لكني اخترت بسذاجة جامعة باهظة التكاليف, مثل جامعة ستانفورد, لتُنفَقَ كل مدخرات أبواي على رسوم الدراسة. بعد مرور ستة أشهر, لم أتمكن من رؤية أي فائدة تُجنى من وراءها. لم تكن لدي أدنى فكرة عمّا أريد فعله في حياتي ولم أعرف كيف ستساعدني الجامعة على معرفة ذلك. حينها كنت أنفق كل ما أدخره أبواي طيلة حياتهما. لذا قررت التوقف عن الدراسة مع إيماني بأن كل شيء سيكون على ما يرام. كنت مذعورا آنذاك, لكن بالنظر إلى الوراء أراه من أفضل القرارات التي اتخذتها على الإطلاق. لحظة توقيف قيدي تمكنت من التوقف عن حضور الفصول التي لا اكترث لها, وبدأت بالتسجيل في فصول بدت لي شيقة.

لم يكن الأمر بتلك الرومانسية. لم يكن لي غرفة في مسكن الطلاب. لذا كنت أبيت في غرف أصدقائي على الأرض, وأجمع علب الكولا الفارغة لأستبدلها بخمسة سنتات لأشتري طعامي, وأسير سبعة أميال في ليالي الآحاد إلى معبد هاري كريشنا لأحصل على وجبة جيدة ولو مرة في الأسبوع. أحببت تلك الحياة. وكل تلك الأشياء التي توقفت عندها اتباعا لفضولي وحدسي, تبدّت لي مدى أهميتها لاحقا. لأعطيكم مثالا واحدا:

جامعة ريد في تلك الأيام كانت توفر فصولا في فن الخط لعلها الأفضل في البلاد. في أرجاء الحرم الجامعي, كانت كل يافطة, وكل ملصق على الدواليب مكتوبا بخط يدوي جميل. ولأنني أوقفت قيدي ولم أعد ملزما بأخذ الفصول الاعتيادية, قررت أخذ أحد فصول فن الخط. تعرفت على الخطوط المذيلة وغير المذيلة, وعن قدر المسافة بين الحروف في تراكيب مختلفة, وعن الأمور التي تجعل الطباعة المتقنة متقنة. كان الأمر جميل, تاريخي, وفنيا دقيق لدرجة لا يمكن حصره بالنطاق العلمي, لذا كنت أراه جذابا.

لم يكن لذلك أي فائدة عملية في حياتي آنذاك. لكن بعد عشر سنوات, عندما كنت أصمم كمبيوتر ماكنتوش الأول, كل ما تعلمته تداعى إليّ. فاستجمعته كله في الماكنتوش, ليكون أول كمبيوتر يحتوي على خطوط جميلة. لو أنني لم آخذ ذلك الفصل بالتحديد, لما كان في الماكنتوش خطوط متعددة ولا خطوط متباعدة نسبيا. وبما أن الويندوز لم يفعل سوى نسخ الماك, فمن المرجح أن لا تتوفر هذه المواصفات في أي كمبيوتر شخصي. لو أني لم أوقف قيدي, لما تمكنت أبدا من أخذ فصل فن الخطوط, ولما تمكن الكمبيوتر الشخصي من الحصول على هذه الخطوط البديعة. بالطبع كان متعذرا لي الربط بين هذه النقاط من خلال النظر إلى المستقبل حين كنت في الجامعة. لكنه كان بغاية الوضوح عندما نظرت إليه بعد عشر سنوات من ذلك.

مجددا, لن تتمكن من الربط بين النقاط وأنت تنظر إلى الأمام, يمكنك فقط الربط بينها حين تنظر إلى الخلف. لذا علىك أن تثق بأن النقاط سترتبط بطريقة ما في المستقبل. عليك أن تثق بشيء ما, غريزتك, القدر, الحياة, الكارما, أيا كان. هذا المسعى لم يخذلني قط, بل صنع كل الفارق في حياتي.

قصتي الثانية عن الحب والفقد.

كنتُ محظوظا. عرفت ما أحب في لحظة مبكرة من حياتي. أنشأت شركة أبل مع وزنياك من كراج منزلي عندما كنت في العشرين من عمري. عملت بشكل متواصل, حتى نَمَت أبل خلال عشر سنوات من شخصين يعملون في كراج إلى شركة تقدر قيمتها مليارين دولار ويعمل فيها 4000 موظف. آنذاك كنا للتو أطلقنا أفضل منتجاتنا, الماكنتوش, وقد صار عمري ثلاثين عاما. ثم طُردت من الشركة. كيف يمكن أن تُطرد من شركة أنت مؤسسها؟ حسنا, أثناء نمو الشركة وقع اختيارنا على شخص ظننت أنه مقتدر على إدارة الشركة معي بشكل جيد. سارت الأمور على ما يرام في السنة الأولى. بعد ذلك بدأت نظرتنا المستقبلية بالتشعب, وكان الصدام بيننا حتميا.عندما حدث ذلك, اصطف مجلس الإدارة إلى جانبه. فصرت خارج الشركة. الذي كان مركزا لحياتي تلاشى, كان ذلك مدمرا.

لعدة أشهر, لم أكن أدري ماذا أريد أن أفعل. شعرت أنني خيبت ظن جيل رجال الأعمال السابق, وبأنني ألقيت الراية حين مُررت إلي. التقيت بديفد باكارد وبوب نويس وحاولت الاعتذار عما اقترفته. كنتُ فاشلا على نظاق واسع, وفكرت بالهرب من وادي السيليكون. لكن شيئ ما بدأ يبزغ فيّ تدريجيا. كنت لا أزال أحب كل ما فعلته. مجرى الأحداث في أبل لم يغيرني قيد أنملة. طُردت, لكني لا زلت أشعر بالحب. فقررت أن أبدأ من جديد.

لم أرَ ما حدث آنذاك بشكل جيد. لكن لاحقا تبدى لي أن طردي من أبل كان أفضل شيء يمكن أن يحدث لي. ثقل النجاح حل محله خفة البداية من جديد, وعدم معرفة كل شيء. حررني ذلك لألج في أكثر مراحل عمري إبداعا.

خلال الخمس سنوات التالية, أنشأت شركة أسمها نكست NeXT, وأخرى أسمها بكسار Pixar, ووقعت في حب امرأة مذهلة صارت زوجتي. شركة بكسار انتجت فيلم توي ستوري, أول فيلم رسومي من خلال الكمبيوتر, وحتى الآن هي أنجح ستوديو للأفلام الرسومية. وفي التفاتة عجيبة للأحداث, ابتاعت أبل شركة نكست, لأعود إلى أبل, وتصير التكنولوجيا التي طورناها في نكست الأساس الذي ترتكز عليه أبل لتنهض من جديد. وأنا ولورين لدينا عائلة جميلة الان.

أنا متأكد أن لا شيء من هذا سيحدث لو لم أُطرد من أبل. كان دواءً بشع المذاق للغاية, لكني أظن أن المريض يحتاجه. أحيانا تضربك الحياة بطوبة على رأسك. لا تفقد إيمانك. أنا مقتنع بأن السبب الوحيد الذي الذي جعلني استمر هو حبي لما أفعله. عليك أن تجد ما تحب. عملك سيأخذ حيزا كبيرا في حياتك. والوسيلة الوحيدة لتكون راضيا تماما هي أن تزاول ما تقتنع بأنه عمل عظيم. والوسيلة الوحيدة لتأدية عمل عظيم هي أن تحب ما تفعل. إذا لم تجده بعد, استمر في البحث. لا تَقِر. مثل كل شؤون القلب, ستعرفه حين تجده. ومثل أي علاقة عظيمة, تصير أفضل وأفضل مع مرور الزمن. لذا استمر في البحث حتى تجده. لا تَقِر.

قصتي الثالثة عن الموت.

قرأت عبارة وأنا في السابعة عشر من عمري, مضمونها: "إذا عشت كل يوم وعددته كآخر يوم في حياتك, يوما ما ستكون على حق". تركت أثرا على نفسي, ومنذ ذلك الحين, خلال الثلاثة وثلاثين عاما المنصرمة, كنت أنظر إلى المرآة كل يوم وأسأل نفسي: "إذا كان اليوم آخر يوم في حياتي, هل سأرغب في الاستمرار بما أفعله؟" وحينما تكون الإجابة "لا" لعدة أيام متواصلة أعرف أنه يلزم تغيير شيء ما.

التذكر الدائم بموتي الحتمي هو أكثر أداة ساعدتني على المضي في القرارات الكبرى في حياتي. لأن تقريبا كل شيء.. كل التوقعات السطحية, كل الكبرياء, كل مخاوف الإحراج أوالفشل, كل هذه الأمور تنهار أمام الموت, ليبقى فقط ما هو مهم بحق. التذكر الدائم بأنك ستموت هو الوسيلة الأفضل لإجتناب الوقوع في فخ التوهم بأن لديك ما تخسره. أنت بالفعل عاري. لا سبب يدفعك لعدم اتباع قلبك.

قبل سنة شُخِّصتُ بمرض السرطان. أجريت فحصا في السابعة والنصف صباحا وكان جليا وجود ورم في البنكرياس. أخبرني الأطباء أن هذا النوع من السرطان يتعذر جدا علاجه, ويجب أن لا أتوقع العيش لأكثر من ثلاثة إلى ستة أشهر قادمة. نصحني طبيبي بأن أسارع في توضيب أموري, وهذه عبارة الأطباء حين يقصدون الاستعداد للموت. يعني أن تُخبر أبنائك خلال أشهر قليلة بكل ما تريد إخبارهم به حين ظننت أن لديك عشرة سنوات قادمة لتقضيها معهم. يعني أن تتأكد أن كل شيء مدبر بالشكل الصحيح لتسهل الأمور قدر المستطاع على أسرتك. يعني أن تجري توديعاتك الأخيرة.

عشت مع هذا التشخيص طيلة اليوم. لاحقا في المساء أجريت تحليلا, حيث مرروا منظارا داخليا من خلال بلعومي إلى معدتي ثم أمعائي, ومن خلال إبرة أُخِذَت بعض الخلايا من ورم البنكرياس. كنتُ هادئا, وأخبرتني زوجتي, التي كانت إلى جانبي, أن الأطباء حين عاينوا الخلايا بالميكروسكوب شرعوا بالبكاء, حيث إتضح أنه ورم نادر من أورام البنكرياس التي يمكن علاجها جراحيا. أجريت العملية والآن أنا بصحة جيدة.

كان ذلك أقرب اتصال بيني وبين الموت, وآمل أن يكون الأقرب لعدة عقود قادمة. وحيث أني عايشت تلك الحالة, يمكنني أن أقول لكم الكلام الآتي بقدر أكبر من الموثوقية بعد أن كان الموت مجرد فكرة خيالية:

لا أحد يريد أن يموت. حتى من يطلبون الجنة لا يريدون أن يموتوا ليذهبوا إليها. مع ذلك الموت هو مصيرنا المشترك. لم ينجو منه أحد. وذلك لأن الموت هو اختراع الحياة الأوحد والأفضل. هو عامل التغيير في الحياة. يستبدل القديم بالجديد. الآن أنتم الجدد, لكن يوما ما ليس بعيدا عن اليوم, ستصبحون تدريجيا قدماء, وسَتُنَحّونَ جانبا. أعتذر عن كوني قاسيا, لكنها الحقيقة.

وقتك محدود, لا تهدره بأن تعيش حياة شخص آخر. لا تقع في فخ الدوغمائية, بحيث تحيا وفقا لما يتناسب مع أفكار الآخرين. لا يسلبك الضجيج الناتج من آراء الآخرين صوتك الداخلي. والأهم من ذلك, لتكن لك الجرأة بأن تتبع قلبك وحدسك. بطريقة ما, يعرفان ما تريد أن تكون. كل ما عدا ذلك ثانوي.

عندما كنت يافعا, كانت هناك مجلة باهرة اسمها كاتالوج كل الأرض, تُعَد أحد أناجيل جيلي, أنشأها الزميل ستيوارت براند ليس بعيدا عن هنا في منلو بارك, وأنعشها بلمساته الشاعرية. كان ذلك في نهاية الستينيات, قبل الطباعة عبر الكمبيوترات المكتبية, فكانت تُكتب كلها بالآلات الكاتبة, وباستخدام المقصات وكاميرات بولارويد. كانت شيئا شبيها بنسخة ورقية من قوقل, قبل ظهور قوقل ب35 عاما. كانت مثالية, مليئة بالأدوات الأنيقة والأفكار العظيمة.

ستيوارت وفريقه أصدروا العديد من الأعداد, وحينما قاربت نهايتها, أصدروا العدد الأخير منها. كان ذلك في منتصف السبعينيات, وكنت بعمركم. في الغلاف الخلفي للعدد الأخير وُضِعَت صورة لصباح مبكر لطريق ريفي. في الأسفل وُضِعَت هذه العبارة: "دُم جائعا, دُم أخرقا". كانت تلك رسالتهم الوداعية. دُم جائعا, دُم أخرقا. لطالما سعيت إلى ذلك بنفسي. والآن, بما أن تخرجكم للتو بدأ, أتمنى لكم ذلك.

دُوموا جوعى, دُوموا خُرْقا.


شكرا لكم جميعا.

جاهلية تكنولوجية - قصة قصيرة







اليوم ولجتُ قاعدة بيانات الإنستغرام المستلقية في أحد أركان الكمبيوتر. الكمبيوتر الذي جلست إليه مسترخيا وبدأت أقلب الصور. صور تعلوها المسرة والبهجة والأمل. الأمل هجر الجميع عندما أعلنت أكثر من جهة بحثية دولية الحقيقة. الحقيقة كانت مخبوءة عن أعين الناس. الناس, كل الناس اُستخدموا لأكبر تجربة علمية في تاريخ العلوم والأحياء والأموات والإنسانية!

حامت كلماتها على رأسي.
الخبر الجلل جلجل الكل. بتنا نرقب تصرفاتنا, حركاتنا, أجسامنا. الأمراض في تنوع وازدياد; فجأة تنبهنا ﻷول حالة تصاب بالزهايمر في الثلاثينيات من العمر. المواليد تأتي مشوهة وأرحام النساء لا تكد تقوى على الحمل والإمكانات الطبية تتقهقر. العلم يقف مهزوزا متلعثما. الجميع في حالة ذهول.
الجميع أدرك أن الموت يخيم على الجميع. قضي الأمر.

ألم يكن بينهم امرأة أو رجل رشيد؟
كيف فعلوا بأنفسهم كل هذا؟
كيف أهملوا كل صيحة نذير وتحذير, وقابلوها بمبالاة باردة وتخدير.

اليوم, بعد أمد طويل, لازالت أجسادهم مشعة تقذف ما بداخلها من مخزون سنوات الجهل والغفلة. لو أنهم تداركوا, لو. هل كان استخدام الهواتف النقالة بستر يقيهم ضربات إشعاعها أمرا مستعصيا؟



جورج بول والمنطق الجبري




Image Source: Wikimedia.org


نشأته

من أسرة إنجليزية بسيطة, ولد الرياضي والفيلسوف جورج بول في إنجلترا عام 1815. وكان تعليمه النظامي متواضع جدا, فبالرغم من أن تعليم المدارس المتوفر للطبقات الفقيرة آنذاك لم يكن يغني من العلم شيئا, فإنه بسبب فقر أسرته الشديد لم يستطع حتى أن يواصل تحصيله لأبعد من الإبتدائية. لكن وبتشجيع من والده المحب للعلوم وبمساعدة صديق له تعلم شيئا من مبادئ اللغة اللاتينية وهو في الثامنة من عمره, ثم أكمل رحلته العلمية حتى أتقن اللاتينية وتعلم إلى جانبها اللغة اليونانية. فقد عُرف بول منذ نعومة أظفاره بذكاءه, فحين كان عمره سنتين ونصف افقتده أهله في المنزل ولم يجدوا له أثرا, وفي غمرة بحثهم عنه, وجدوه في الشارع محاطا بجمع من الناس المفتونين بقدرته على تهجئة العديد من الكلمات الصعبة وكان هذا الطفل الأعجوبة يكتبها بكل أريحية ليمطروه بوابل من القطع النقدية تقديرا لمهارته المبكرة جدا.

وفي طفولته شُغف بول بالقراءة حتى أخذت منه مأخذا, فكان كثيرا ما يُرى أثناء مراهقته وهو منغمس بالقراءة. لم تقتصر مطالعاته على الكتب العلمية والتاريخية بل كان محبا للشعر والأدب كذلك, فعندما أتقن اللغة اليونانية أتى بترجمة بديعة لعدد من القصائد التي شكك الكثير حينها بأن من ترجمها صبي لم يتجاوز الثانية عشر من عمره.
عندما بلغ سن السادسة عشر عمل مدرسا مساعدا لحاجته إلى أن يساعد في إعالة أسرته. واستمر في هذا العمل أربع سنوات قضاها في تعليم الطلبة صباحا واستكمال تعليمه الذاتي مساءََ, حتى أتقن اللغة الفرنسية والألمانية والإيطالية. وظل مخلصا للعلم إلى آخر حياته حتى أنه مات ميتة درامية, تكشف مدى إخلاصه للعلم وللتعليم.

أما ولعه في الرياضيات فبدأ عند سن العشرين, حيث فتح مدرسة خاصة لتعليم الأطفال, وأثناء مطالعاته لكتب الرياضيات المقررة آنذاك, أثار تدني مستواها استغرابه وعندها أولاها جانبا أكبر من اهتمامه.


أعماله

سعى جورج بول إلى التعبير عن المنطق (أو إختزاله) في قواعد جبرية بسيطة وسهلة وهو ما يسمى بالجبر المنطقي Logical Algebra والذي يعد أهم إنجازاته. وعبر عنه بوضوح في كتابه الشهير "بحث في قوانين الفكر" An Investigation of The Laws of Thought والذي نال شهرة واسعة عند نشره, ولكنه ما لبث أن توارى في طي النسيان مع تقادم السنين حتى أشار إلى أهميته كل من برتراند رسل ووايتهد عام 1910 ثم أتى كلود شانون في ثلاثينيات القرن العشرين ليتنبه إلى إمكانية الإستفادة من تطبيقات الجبر المنطقي في نظرية المعلومات.


سأنقل, بتصرف, شرح الدكتور ماهر عبدالقادر للجبر المنطقي كما جاء في كتابه "فلسفة العلوم: المنطق الرياضي":

"إن من أهم مميزات الحساب المنطقي البولي أنه يستند إلى استخدام الرموز بالإضافة إلى قواعد تأليف تلك الرموز, ولذا فإن بول يميز بين قسمين في إطار الحساب المنطقي, وهما معا يؤلفان ما يطلق عليه جبر المنطق البولي Boolean Logical Algebra:
  • حساب المجموعات Calculus of Classes
  • حساب القضايا Calculus of Propositions
ومن خلال القسمين تبدو نظرة بول الحسابية على اعتبار أنه يستخدم علم العدد كنموذج لحسابه المنطقي, ولذا فإنه قبل أن نشير إلى هذين القسمين لا بد وأن نقف على الرموز التي يستخدمها بول في حسابه الجبري المنطقي.


رموز العمليات عند بول

يضع بول مجموعة من الرموز الأساسية التي يستخدمها في إجراء عملياته الاستنباطية التحليلية, وهي:
١- يرمز للأشياء أو الموضوعات بالرموز x, y, z التي تمثل المجموعات.
٢- يرمز للعمليات الرياضية بالرموز +, -, ×, ÷ وهي بمثابة الثوابت المنطقية Logical Constants. ووظيفة هذه الرموز أنها تؤدي إلى تأليف تصورات جديدة ابتداء من التصورات التي لدينا.
٣- يضع رمزا لعلاقة الذاتية Identity وهو علامة المساواة = المستخدمة في الجبر العادي Ordinary Algebra.
٤- يشير للمجموعة الكلية Universal Class بالقيمة "١" الذي يمثل فصول كل الأشياء المتصورة باستقلال تام عما إذا كانت هذه الأشياء موجودة في الواقع أم لا.
٥- يرمز للمجوعة الفارغة Empty Class أو اللاوجود بالقيمة "0" والمجموعة الفارغة هي المجموعة التي لا تحتوي على أي عنصر.
٦- إذا قلنا أن x = x فإن هذا يعني أن x متطابقة مع x."



ما فائدة هذا كله؟

ما فعله بول من خلال تجريد المنطق والتعامل معه على أساس رمزي خالص كان حلما يراود الكثير من الفلاسفة والمناطقة قبله, من أرسطو حتى ليبنيز, فمن خلال هذا العمل أصبح من الممكن الحصول على الاستنتاجات المنطقية من خلال الرياضيات.
وبشكل غير مقصود ولا متوقع من قبل بول, تفرعت من أعماله مفاهيم رياضية عديدة مثل المجموعات والأرقام الثنائية والفضاء الاحتمالي والدوائر الإلكترونية. وعُد عمل بول أنه نوع جديد من الرياضيات يتوافق تطبيقه مع الحواسيب وطرق تخزين المعلومات واسترجاعها, فشكل لبنة أساسية في بنيان العالم الرقمي الذي ننعم به اليوم.


وفاته

ارتبطت حياة بول بتعلقه الشديد بالعلم, وكذلك وفاته. ففي يوم ممطر من أيام نوفمبر من عام 1864 توجه بول إلى الجامعة ليلقي محاضرة, وبالرغم من الجو الماطر البارد إلا أنه اتخذ طريقه إلى هناك سيرا لثلاثة أميال, ليصل إلى الفصل مبللا تماما ثم ألقى المحاضرة بهذا الشكل. ترتب على ذلك أنه أصيب بالحمى ولازم الفراش لما يقارب الثلاثة أسابيع ليتوفى في شهر ديسمبر من نفس العام في منزله في مدينة بالينتيمبل بسبب إلتهاب رئوي.
ونال بول قدرا كبيرا من التكريم تخليدا لذكراه ومساهماته العلمية بعد مماته. فسميت مكتبة الجامعة التي درّس فيها (جامعة كورك) بإسمه وكذلك إحدى الفوهات على سطح القمر. وأعلنت جامعة كورك, التي درّس فيها بول, سنة 2015 لتكون سنة جورج بول لمرور مئتي عام على ولادته.