مقتطفات من سيرة الروائي هاروكي موراكامي


للحفاظ على الاستمرارية, عليك بالمحافظة على الإيقاع.
هاروكي موراكامي






مقتطفات من كتاب: عمّ أتحدث حين أتحدث عن الجري لـ هاروكي موراكامي
ترجمة: علي الصباح




هاروكي موراكامي ذلك الروائي الذي يستدرج قُرّاءه بانسيابية إلى عوالم بعيدة وساحرة لا يستطيعون الفكاك منها والرجوع إلى عالمهم الواقعي إلا بعد مجاوزة الصفحة الأخيرة, ويظل يتشبث بهم ذلك الشعور بأنهم قد عايشوا واقعا غرائبيا كالأحلام لا ينفكون يريدون الرجوع إليه مع كل عمل يتلقفونه من أعماله.

عندما قرر موراكامي أن يبدأ بكتابة الروايات, قرر حينها أنه يريد أن يعيش حياة صِحيِّة ويحافظ على لياقته ليكون قادرا على إنتاج الأدب حتى آخر يوم في حياته. فتوقف عن التدخين وشرع في ممارسة الجري, وفي هذا الكتاب دوّن بعض اليوميّات المتعلقة بممارسته للجري في ماراثونات عدة حول العالم, وتخلله كذلك بعض آراءه حول الكتابة, فاجتزأت منه بعض الفقرات التي أعجبتني فيما يتعلق بالأدب وكتابة الروايات.



*****






في كل مقابلة أُسأل عن أهم صفة يجب أن يتحلى بها الروائي. إنها بديهية: الموهبة. لا يهم مدى الحماس والجهد الذي تضعه في الكتابة, إن كنت تفتقد إلى الموهبة الأدبية فيمكنك أن تنسى أن تصبح روائيا. هذا يُعَد شرطا مسبقا أكثر من كونه صفة مهمة. فأفضل السيارات لن تتحرك إن لم يكن فيها وقود. مع ذلك, مشكلة الموهبة أن الشخص الموهوب لا يمكنه التحكم بكميتها أو جودتها. قد تجد الكمية غير كافية وتريد زيادتها, أو تقرر أن تقتصد لتدوم لأكثر مدة ممكنة, لكن بكلا الحالتين الأمور لا تسير بهذه السهولة. للموهبة عقلها الخاص وآبارها, وحين تجف تكون النهاية. بالطبع هناك بعض الشعراء ومغني الروك الذين ذهبت عبقريتهم بلمحة بصر -أشخاص مثل شوبرت وموزارت, الذين حولتهم وفاتهم الدرامية المبكرة إلى أساطير- لديهم جاذبية خاصة, لكن ليس لغالبيتنا هذا النموذج الذي نحتذي به. إذا سألتَ عن ثاني أهم صفة للروائي فهذا أيضا سهل: التركيز -القدرة على تركيز كل ما لديك من موهبة محدودة على ما هو مهم في اللحظة الراهنة. بدون هذا لن تتمكن من إنتاج أي شيء ذو قيمة, لكن إذا تمكنت من التركيز بفعالية ستتمكن من التعويض عن عدم الثبات في موهبتك أو حتى عن أي نواقص فيها. بشكل عام أصب تركيزي على العمل لثلاث أو أربع ساعات كل صباح. أجلس إلى مكتبي وأركز تماما فيمَ أكتب. لا أرى شيئا آخر, لا أفكر بشيء آخر. حتى أن الروائي ذو الموهبة العالية والذهن المليء بالأفكار العظيمة والجديدة قد لا يتمكن من كتابة أي شيء إذا ما كان, على سبيل المثال, يعاني آلاما حادة في أسنانه. الألم يحجب التركيز. هذا ما أعنيه حين أقول أنك بلا تركيز لن تتمكن من إنجاز أي شيء.


بعد التركيز, أهم صفة للروائي هي المداومة. إذا ركزت على الكتابة لمدة ثلاث أو أربع ساعات يوميا ثم شعرت بالتعب بعد أسبوع واحد من هذا العمل فلن تتمكن من كتابة عمل طويل. ما يلزم كاتب الخيال -على الأقل الذي يأمل بكتابة رواية-- هو الطاقة اللازمة للتركيز يوميا لنصف سنة, أو سنة, أو سنتين. يمكنك أن تقارن ذلك بالتنفس. إذا كان التركيز هو عملية حبس الهواء فحسب, فالمداومة هي فن التنفس بهدوء وبطء في نفس الوقت الذي تحبس فيه الهواء في رئتيك. إذا لم تجد التوازن بينهما ستصبح كتابة الروايات باحترافية خلال مدة طويلة صعبة. الاستمرار بالتنفس في نفس الوقت الذي تحبس فيه نَفَسَك. لحسن الحظ, هاتين الصفتين --التركيز والمداومة-- يختلفان عن الموهبة, حيث يمكن اكتسابهما وشحذهما بالتدريب. ستكتسب بشكل طبيعي صفتي التركيز والمداومة حين تجلس كل يوم إلى مكتبك وتدرب نفسك على التركيز على نقطة واحدة. هذا يشابه كثيرا تدريب العضلات الذي ذكرته سابقا. يجب عليك باستمرار نقل موضوع تركيزك إلى سائر جسدك والتأكد من أنه سيمدك بالمعلومات الضرورية لتكتب كل يوم وتركز على العمل الذي بين يديك. وتدريجيا ستوسع حدود قدراتك. وبشكل لا يُلحظ سترفع مستواك. هذا يحتوي على نفس عملية الجري يوميا لتقوية العضلات وللحصول على بنية جسم عداء. أضف بعض المحفزات واستمر. وكرر ذلك. الصبر أمر لازم لهذه العملية, لكنني أضمن النتائج التي ستتحقق. أقر كاتب الغموض ريموند تشاندلر مرة, في مراسلاته الخاصة, بأنه حتى لو لم يكتب شيئا فإنه يجلس إلى مكتبه كل يوم ويركز. أُدرك السبب وراء هذا الفعل. بهذه الطريقة يعطي تشاندلر نفسه القوة الجسدية اللازمة التي يحتاجها الكاتب المحترف, بهدوء يعزز قوة إرادته. هذا النوع من التدريب اليومي كان لا مفر منه عنده.


*****

حين قررت أن أصير كاتبا محترفا برزت لي مشكلة: مسألة الحفاظ على اللياقة البدنية. فأنا أميل إلى اكتساب الوزن حين لا أفعل شيئا. تشغيل الحانة تطلب جهدا بدنيا صارما كل يوم, مما مكنني من الحفاظ على عدم زيادة وزني, لكن حالما بدأت بالجلوس يوميا إلى مكتبي صارت طاقتي تنخفض تدريجيا وبدأت باكتساب الكيلوغرامات. وكذلك كنت أدخن بشراهة كلما زاد تركيزي في عملي. في تلك الأيام كنت أدخن ستون سيجارة في اليوم. أظافري كلها صفراء وتفوح من بدني رائحة الدخان. اتخذت قراري أن هذا لا يمكن أن يكون مناسبا لي. إذا أردت حياة طويلة كروائي, يلزمني إيجاد وسيلة أحافظ بها على لياقتي وعلى وزن مناسب. للجري عدة مزايا; أولا, لا تحتاج إلي شخص آخر لتجري, ولا تحتاج إلى معدات خاصة. لا تحتاج إلى الذهاب لمكان خاص لتمارسه. طالما لديك أحذية جري وطريق جيدة يمكنك أن تجري قدر ما تشاء. التنس ليست كذلك. يلزمك أن تذهب إلى ملعب تنس وتحتاج شخصا آخر لتعلبان معا. يمكنك أن تمارس السباحة بمفردك لكنك تظل تحتاج أن تذهب إلى المسبح.

*****

القيلولة هي إحدى العادات التي أداوم عليها للمحافظة على صحتي. أنا حقا آخذ الكثير من القُيّل. غالبا ما يغلبني النوم مباشرة بعد الغداء, أسقط على الكنبة وأغفو. بعد ثلاثين دقيقة أكون يقظًا جدا. وحالما استيقظ لا يعود جسمي خاملا ويصير ذهني صافيا تماما. هذا ما يسمى siesta في جنوب أوروبا. أظن أنني تعلمت هذه العادة عندما عشت في إيطاليا, لكن ربما تخونني الذاكرة لأنني كنت دائما أحب أخذ القُيّل. على أية حال, أنا من الأشخاص الذين من طبيعتهم إذا نعسوا لا يجدون صعوبة في النوم أينما كانوا. مؤكد أنها موهبة جيدة إذا أردت أن تحافظ على صحتك لكن المشكلة أنني أحيانا أنام في مواقف لا يجب أن أكون فيها نائما.

*****

لا يهم أي مجال تتحدث عنه -لا تتحقق رغبتي في التغلب على شخص آخر. ما يهمني أكثر هو مدى تحقيقي للأهداف التي وضعتها لنفسي, لذا بهذا الإعتبار, الجري لمسافات طويلة هو الأنسب لنمط تفكيري.

*****


كما ذكرت سابقا, منافسة الآخرين سواء في الحياة العامة أو في مجال عملي, ليس هو نمط الحياة الذي أسعى إليه. اعذرني على توضيحي للبدهيات, لكن العالم مليء بشتى أنواع البشر. الآخرون لديهم قيمهم التي يحييون خلالها, نفس الشيء ينطبق عليّ. هذه الفروقات تفتح مجالا للخلاف, والمزج بين هذه الخلافات يفتح مجالا لسوء فهم أكبر. نتيجة لذلك, بعض الناس يُنتَقدون بظلم. غني عن القول بأن سوء التفاهم أو الانتقاد ليس ممتعا, بل هو تجربة مؤلمة تؤذي الناس بعمق. مع ذلك, كلما كبرت كلما أدركت تدريجيا أن هذا النوع من الألم والأذى جزء ضروري من الحياة. إذا فكرت في الأمر, الناس مختلفون عن بعضهم البعض لذلك يمكنهم أن يخلقوا ذواتهم المستقلة. خذني أنا على سبيل المثال, قدرتي على اقتناص جوانب لا يستطيع الآخرون رؤيتها من مشهد ما, أن اشعر بمشاعر مغايرة عن الآخرين وأنتقي مفردات تختلف عن مفرداتهم, هذا يتيح لي أن أكتب قصصا تنتمي إليّ وحدي. ولهذا السبب لديّ هذه الحالة الرائعة حيث يقرأ عدد كبير من الناس مؤلفاتي. لذلك, حقيقة أني أنا نفسي ولست شخصا آخر هي واحدة من أعظم ممتلكاتي. الأذى العاطفي هو الثمن الذي يجب أن يدفعه الإنسان ليحقق إستقلاليته.

*****


بالنسبة لي, كتابة الرويات في الأساس عمل يدوي. الكتابة ذاتها عمل ذهني, لكن إنهاء كتاب كامل أقرب إلى العمل اليدوي. إنها لا تتضمن حمل أشياء ثقيلة أو الجري سريعا ولا القفز عاليا. مع ذلك, ينظر أغلب الناس إلى الجانب الخارجي للكتابة فقط, ويظنون أن الكتّاب منطوون في بيئات عمل هادئة ليزاولون عملا فكريا متعلق بأبحاثهم. فيعتقدون إذا ما كانت عندك القوة البدنية الكافية لحمل كوب قهوة فستتمكن من كتابة رواية. لكن حالما تضع يديك فيها ستكتشف سريعا بأنها ليست وظيفة هادئة كما تُصَوّر. العملية بأكملها --الجلوس إلى مكتبك, شحذ انتباه ذهنك كشعاع ليزر, تخيل أشياء تأتي من عند الأفق الخالي, إنشاء قصة, انتقاء المفردات المناسبة, واحدة واحدة, المحافظة على استمرار تدفق القصة-- يتطلب, على مدار فترات طويلة, طاقات أكبر مما يتخيله أغلب الناس. قد لا يتحرك جسدك, لكن يعتمل داخلك جهد متحرك مرهق. كل إنسان يستخدم عقله حين يفكر. لكن الكاتب يرتدي ثيابا تُسمى السرد ويفكر بكامل كيانه. بالنسبة للروائي, هذه العملية تتطلب اللعب بكل ما يدخره جسدك, وغالبا حتى الانهاك. الكتاب الموهوبون يخوضون هذه العملية بشكل لا واعي, وفي بعض الحالات يكونون في غفلة عنها. , طالما يمتلكون قدرا من الموهبة, خاصة حين يكونون حدثاء, ستغدو كتابة الرواية بالنسبة إليهم أمرا ليس بتلك الصعوبة. يستطيعون بسهولة إزالة كل العقبات. أن تكون صغيرا في السن يعني أن يكون جسدك ممتلئا بالحيوية. القدرة على التركيز والمداومة سيتوفران عند الحاجة, ولن يكون ضروريا السعي ورائهما. إذا ما كنت صغيرا وموهوبا ستكون أشبه بمن يمتلك أجنحة.


*****


بشكل طبيعي, هناك أناس في العالم (عددهم محدود بالطبع) يتمتعون بموهبة هائلة بحيث تظل متوقدة منذ بدايتهم إلى نهايتهم وأعمالهم دائما تكون بأعلى جودة. هؤلاء المحظوظون يمتلكون بئر مياه لا تنضب مهما استقوا منها. بالنسبة للأدب, هذا شيء يستحق الامتنان. يصعب تخيل تاريخ الأدب بدون هؤلاء القامات مثل شكسبير, بلزاك, وديكنز. لكن العمالقة في النهاية عمالقة --قامات أسطورية استثنائية. بقية الكتاب الذين لا يستطيعون الوصول لهذا العلو (بما فيهم أنا بالطبع) يلزمهم تعزيز نواقص موهبتهم بشتى الوسائل التي يمتلكونها. بغير هذه الطريقة لن يتمكنوا من كتابة روايات ذات معنى. الطرق والاتجاهات التي يمكن للكاتب أن يسلكها تصير جزءً من فردانية ذلك الكاتب, أو ما يجعله مميزا. معظم ما أعرفه عن الكتابة تعلمته خلال الجري كل يوم. هذه دروس عملية وبدنية. إلى أي حد يمكنني دفع نفسي؟ ما هو القدر الكافي للراحة --وما هو القدر الزائد عن الحاجة؟ إلى أي حد يمكنني الاحتفاظ بشيء ما ويظل بصورة لائقة ومتماسكة؟ متى يصير الأمر ضيق الأفق وغير مرن؟ إلى أي مدى يجب علي أن أكون واعيا بالعالم الخارجي, وإلى أي مدى يجب علي أن أركز على عالمي الداخلي؟ إلى أي مدى يمكنني أن أكون واثقا من قدراتي, ومتى يجب أن أشكك بقدراتي؟ لو لم أمارس الجري لمسافات طويلة حين بدأت في كتابة الروايات, لأخذت كتاباتي منحى مختلف تماما. كيف؟ صعب علي أن أقول كيف. لكن شيئا ما سيكون مختلفا بكل تأكيد.


*****


على أية حال, أنا سعيد لأني لم أتوقف عن الجري طوال هذه السنوات. والسبب هو أني أحب الروايات التي كتبتها. وأنا حقا أتطلع لأرى نوع الرواية التي سأكتبها لاحقا. بما أنني كاتب له حدود --شخص غير كامل يعيش حياة غير كاملة ومحدودة-- فكوني لا أزال أشعر بهذه الطريقة هو انجاز حقيقي. وإذا كان الجري يوميا يساعدني على تحقيق هذا, فأنا ممتن جدا للجري. الناس أحيانا يسخرون ممن يجرون كل يوم بدعوى أنهم قد يفعلون أي شيء في سبيل العيش لفترة أطول. لكنني لا أظن أن هذا هو السبب الذي يدفع أغلب الناس إلى الجري. أغلب العدائين لا يجرون لأنهم يريدون حياة أطول, لكن لأنهم يريدون أن يحيوا الحياة لأقصى مدى. إذا كنت ستُعَمَّر لسنوات طويلة فمن الأولى أن تعيش بأهداف واضحة وبحياة مفعمة عوضا عن العيش بحياة ضبابية, وأرى أن الجري يحقق ذلك. أن تبذل قصارى جهدك حسب ما تتيحه إمكانياتك على أكمل وجه: هذا هو جوهر الجري, وهو أيضا كناية عن الحياة --وبالنسبة لي, للكتابة أيضا. أعتقد أن الكثير من العدائين سيوافقوني.


*****


بينما كنت أجري أتتني بعض الأفكار حول كتابة الروايات. أحيانا يسألني الناس: "أنت تعيش كل يوم حياة صحية يا سيد موراكامي, لكن ألا تعتقد بأنك يوما ما ستجد نفسك غير قادر على الكتابة." الناس لا يتطرقون كثيرا إلى هذا حينما أكون مسافرا, لكن يبدو أن الكثير من اليابانيين ينظرون إلى كتابة الروايات باعتبارها نشاطا غير صحي, بأن الروائيون بشكل أو آخر يجب أن يفسدوا ويعيشوا حياة ضارة ليتمكنوا من الكتابة. هناك نظرة شائعة بأن على الكاتب أن يعيش بنمط حياة غير صحي ليتمكن من نزع نفسه من دنس العالم وليتملك نوع من النقاء الذي يعطيه قيمة فنية. هذه الفكرة تتشكل عبر الزمن. الأفلام والمسلسلات التلفزيونية تعزز هذا التصور --أو هذه الأسطورة-- لشخصية الفنان. أوافق مبدئيا على أن كتابة الروايات هي عمل ضار بالصحة. حينما نبدأ بكتابة رواية, حينما نستخدم الرواية لنحكي قصة, سواء أعجبك أو لم يعجبك هناك صنف من السموم المختبئ عميقا داخل جميع البشر يطفو على السطح. كل الكتاب يجب عليهم أن يواجهوا هذه السموم وجها لوجه ويكونون واعين بها ويكتشفون طريقة للتعامل معها, لأن بغير هذه الطريقة لا يمكن لأي نشاط ابداعي أن يأخذ مجراه. (أرجو أن تعذر غرابة هذا التشبيه: أشهى قطعة من سمك الينفوخ تلك التي تكون قريبة من السم --قد يكون هذا قريبا لما أرمي إليه.). لذا فمن البداية, الأنشطة الفنية تتضمن عناصر ضارة بالصحة ولا اجتماعية. أعترف بهذا. لهذا السبب يكون من بين الكتاب والفنانين الآخرين مجموعة ممن قد تكون حياتهم فاسدة أو ممن يتظاهرون بأنهم لا اجتماعيين. يمكنني تفهم ذلك. أو بالأحرى, لا أنكر بالضرور هذه الظاهرة.

*****

في الجري لمسافات طويلة المنافس الوحيد الذي عليك أن تتغلب عليه هو نفسك, ما كنتَ عليه.


*****


لكن هؤلاء أمثالنا الذين يأملون بمزاولة مهنة الكاتب المحترف لأمد طويل علينا أن نطور نظامنا المناعي الخاص بنا بحيث يقاوم أخطار السموم (بعض الأحيان القاتلة) القابعة فينا. قم بهذا, وستتمكن حتى من التخلص من سموم أقوى بكفاءة أكثر. بعبارة أخرى, يمكننا خلق حكايات أفضل لتتعامل مع هذا. لكن يلزمك طاقة أكبر لتخلق نظام مناعة وتتحكم به على مدار فترات طويلة. يجب عليك أن تنقب عن تلك الطاقة من مكان ما, وأين يمكنك أن تجدها بأفضل من وجودك المادي؟ أرجوك لا تسيء فهمي, أنا لا أزعم أن هذه هي السبيل الوحيدة التي يمكن للكتاب أن يسلكوها. كما أن هناك أنواع مختلفة من الأدب, هناك أنواع مختلفة من الكتاب, كل يملك نظرته الخاصة تحاه العالم. ما يتعاملون معه يختلف, كما تختلف أهدافهم. لذا لا يوجد ثمة طريق صحيحة للروائيين. لا داعي لذكر ذلك. لكن بصراحة, إذا أردت كتابة عمل واسع النطاق, زيادة قوتي وقدرتي أمر لا بد منه, وأرى أن هذا شيء يستحق, أو على الأقل فعله أفضل بكثير من تركه. هذه ملاحظة تافهة, لكن كما يقال: إذا كان يستحق أن تفعله, فيستحق أن تعطيه أفضل ما لديك --أو في بعض الحالات أفضل مما لديك. للتعامل مع شيء غير صحي, يحتاج المرء أن يكون صحيا قدر الإمكان. هذا شعاري. بعبارة أخرى, الروح السقيمة تحتاج إلى جسد صحيحا. قد يبدو هذا متناقضا, لكنه أمر شعرت به تماما منذ أن صرت كاتبا محترفا. الصحي والسقيم ليس بالضرورة أن يكونا على طرفي نقيض. لا يعارضان بعضهما البعض بل يكملان بعضهما وفي بعض الحالات يتحدان معا. بالطبع بعض الأشخاص الذين يسلكون مسارا صحيا في حياتهم لا يرون إلا الجانب الصحي, بينما الآخرون الذين تتدهور صحتهم يفكرون بهذا التدهور فقط. لكن إذا اتبعت هذا النظرة الأحادية للصحة الجيدة لن تكون حياتك مثمرة.


*****


بعض الكتاب اللذين كتبوا أعمالا باهرة, جميلة, قوية في شبابهم يجدون أنهم حين يكبرون يتملكهم الإرهاق فجأة. كلمة "انطفأ" تكون مناسبة جدا هنا. أعمالهم اللاحقة قد لا تزال جميلة, وإرهاقهم قد ينقل معاني معينة, لكن الأمر واضح بأن طاقتهم قد بدأت تنضب. أعتقد, أن هذا نتيجة لعدم قدرة أجسادهم على احتمال دفق السموم التي يتعاملون معها. الحيوية الجسدية التي ظلت مستمرة لفترة قد تجاوزت قمتها, وفعاليتها كنظام مناعة قد بدأ يتلاشى. حينما يحدث ذلك سيصعب على الكاتب أن يظل مبدعا بشكل حدسي. التوازن بين القوة الخيالية والقدرات الجسدية التي تسمح باستدامتها قد تفتت. ويظل الكاتب يطبق الأدوات والطرائق التي اكتسبها ويسخر الحرارة المتبقية لصهر شيء ما إلى ما يشبه العمل الأدبي --طريقة مقيدة لا يمكنها أن تكون رحلة ممتعة. بعض الكتاب ينهون حياتهم عند هذه اللحظة, بينما آخرون يقررون التوقف عن الكتابة وسلك مسار آخر. إذا كان ممكنا, أود أن أتجنب هذا الانطفاء الكتابي. فكرتي عن الأدب أنه شيء أكثر عفوية, أكثر تماسكا, شيء ذو طبيعة حيوية إيجابية. بالنسبة إلي, كتابة رواية كتسلق جبل شديد الانحدار, مكافحة للصعود إلى أعلى الجرف, بلوغ القمة بعد عناء شديد. قد تتخطى حدودك وقد لا تتخطاها, كلاهما ممكن. دائما أحتفظ بهذه الصورة الذهنية حين أكتب. لا أحتاج لأن أذكرك أنك يوما ما ستخسر. مع مرور الوقت حتما سيتدهور الجسد. آجلا أم عاجلا, سيُهزم ويتلاشى. حين يتفتت الجسد, الروح كذلك (على الأرجح) ستذهب أيضا. أنا واعٍ لذلك بشدة. على الرغم من ذلك, أحاول قدر الإمكان تأخير حلول النقطة التي عندها ستُهزم حيويتي وستنتصر عليها السموم. هذا مسعاي كروائي. مع هذا, في هذه المرحلة لا أملك رفاهية أن أنطفئ. لهذا السبب بالتحديد حتى وإن كان الناس يقولون "هو ليس ماهرا" فأنا مستمر بالجري.


*****


مشروع آخر أعمل عليه الآن هو ترجمة رواية غاتسبي العظيم لسكوت فيتزجيرالد والأمور تسير على ما يرام. انتهيت من المسودة الأولى وأراجع الثانية. آخذ وقتي على مهل, أمر على كل سطر بعناية, بينما أقوم بذلك تصير الترجمة مصقولة أكثر وأصير أكثر قدرة على تقديم نثر فيتزجيرالد ليكون أقرب إلى الطبيعة اليابانية. قد يبدو غريبا إعلان هذه الدعوى بهذا الوقت المتأخر, لكن رواية غاتسبي مرموقة جدا. لم أسأم منها قط, بغض النظر عن المرات التي أعيد قراءتها. هي من ذلك النوع من الأدب الذي ينعشك عند قراءته, وكلما أفعل ذلك أفاجأ بشيء جديد, وأستشعر ردة فعل جديدة تجاهه. أجده أمرا مميزا كيف أن كاتبا شابا, يبلغ من العمر ٢٩ عاما فقط آنذاك, يمكنه إدراك --ببصيرة وإنصاف وبحرارة-- حقائق الحياة. كيف كان ذلك ممكنا؟ كلما فكرت في هذا أكثر, كلما كررت قرائتي للرواية, كلما زاد الأمر إلغازا.


*****

ما أعنيه هو أنني لم أشرع بالجري لأن شخصا ما أراد مني أن أكون عداءً. بالضبط مثلما أنني لم أصبح روائيا لأن شخصا ما أراد مني ذلك. يوما ما, وبلا سابق مقدمات أردت أن أكتب رواية. وكذلك يوما ما, بلا سابق مقدمات شرعت في الجري --ببساطة لأني أردت ذلك. كنت دائما أفعل ما أشعر أني أحب القيام به في الحياة. قد يحاول الناس إيقافي وإقناعي بأني مخطيء, لكني لا أتغير. أنظر لأعلى باتجاه السماء متسائلا ما إذا كنت سأحظى بنظرة خاطفة من اللطف, لكني لا أجد ذلك. كل ما أراه هو غيوم صيفية لا مبالية تتنقل فوق المحيط الهادئ. وليس لديها أي شيء لتقوله لي. الغيوم دائما كتومة. ربما لا يجب أن أنظر إلى الأعلى تجاهها. الذي يجب أن أوجه نظري إليه هو داخلي. كالنظر في بئر عميقة. هل يمكنني أن أرى لطفا هناك؟ لا, كل ما أجده هو طبيعتي. شخصيتي, عنادي, عدم تعاوني, غالبا طبيعة أنانية لا تزال في ريب من أمرها --من ذلك, حين تحدث المتاعب, أحاول أن أبحث عن شيء مرح أو قريبا للمرح متعلق بذلك الموقف. حملت هذه الشخصية كحقيبة يد عتيقة, خلال طريق طويلة ومغبرة. لا أحملها لأني أحبها. المحتويات جدا ثقيلة, وتبدو قذرة ومبقعة. حملتها معي لأني لا أملك شيئا آخر لأحمله. مع ذلك, أعتقد أنه نما فيّ تعلق تجاهها. كما يمكنك أن تتوقع ذلك.

لا تكن حساسا! ما الذي يحدث حين يتزوج الأشخاص الحساسون للغاية؟


قد تكون حساسا في الداخل, لكن ما أراه في الخارج هو محارب.
لورين غراهام







ترجمة: علي الصباح


هل أنت شخص حساس للغاية؟ أو متزوج من شخص شديد الحساسية؟

إذًا جئت إلى المكان الصحيح.

ستحدثنا تشيري غريغوري مؤلفة كتاب "علاج شامل لحياة مثالية" عن ما يحدث حين يتزوج الأشخاص شديدوا الحساسية. هي خبيرة بذلك لأنها واحدة منهم:


بدعابة وحنو نشير إلى أول منازعة حدثت بيننا بإسم "جدال أريكة غريغوري العظيمة".
حدثت بالضبط في أول يوم بعد انتهاء شهر العسل.
كنا للتو قد انتهينا من تفريغ شاحنة مليئة بالأثاث إلى داخل شقتنا الصغيرة. وحالما شرعنا في وضع الطاولات والكراسي في أماكنها, اكتشف كلانا أن الآخر --يا للهول-- يرتب الغرفة بالطريقة الخاطئة.
حاولنا أن نوجد حلا وسطا. لكن حينما وصلنا إلى اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت الأريكة ستوضع أمام الحائط الشرقي أو الجنوبي, تصلبنا.
وحين تصاعد حديثنا ليصير شجارا, قال دانييل مشددا: "يجب أن نرتبها حسب طريقتي لأنني منطقي وأنتِ عاطفية جدا."
غني عن القول, أن الشجار حول الأريكة قد توقف فجأة حين بدأ "نقاش" جديد كليا. أمضيت أياما أحاول أن أقنع عريسي الجديد بأمرين:
  • أن يعترف بخطأه هو (بالنهاية أنا اجتزت اختبار GRE بنسبة 99%)
  • يعتذر لتسببه بجرحي (بعد شهر عسل بديع جدا)


بعد فشلي في الإثنين كونت رأيا عنه بأنه متعجرف ومتبلد المشاعر.


شخص حساس للغاية -- من, أنا نحن؟
بعد خمسة وعشرون عاما, عثرت على كتاب إلين آرون "الشخص الحساس للغاية". التهمته خلال يوم واحد, وذهلت من دقة وصفها لي بالرغم من أننا من لم نلتقِ أبدا.
حينما أخذ دانييل وابنيّ اللذان كانا في سن الجامعة, اختبار تقييمي للشخصية الحساسة للغاية, كنت مصدومة مرة أخرى: كل واحد فينا هو شخص حساس للغاية. بما فيهم زوجي "متبلد المشاعر". نحن فقط نملك مجموعات مختلفة من الحساسيات. في نقاط التلاقي نفهم بعضنا جيدا. في نقاط الاختلاف نحن حقا مختلفون.
الكثير من النزاعات في زواجنا التي كانت تبدو بلا معنى فجأة أصبحت ذات معنى تام. أنا ودانييل نتشارك في هذه الصفات الثلاثة للشخصيات الحساسة للغاية, لكننا نمارسها ونعبر عنها بطرق مختلفة جدا.


الصفة الأولى من صفات الشخص الحساس للغاية: عمق في التحليل
كلانا محلل بطيء نميل إلى "العيش داخل رؤوسنا". بينما كنتُ أفكر كثير في العلاقات الشخصية الحقيقية, كان ذهن دانييل يميل إلى الأفكار النظرية المجردة.


الصفة الثانية من صفات الشخص الحساس للغاية: الانتباه المفرط
أنا ودانييل ترهقنا سريعا المحفزات الحسية. لكن ليس من نفس الحواس. الروائح القوية والأصوات العالية تجعلني في حالة تأهب قصوى, بينما الفوضى البصرية والمضايقة اللمسية تجعل دانييل منفعلا.


الصفة الثالثة من صفات الشخص الحساس للغاية: التفاعلية العاطفية
كلانا عاطفيين. لكن مشاعرنا التي يسهل إثارتها تسير باتجاهين متعاكسين. على سبيل المثال, حين نتلقى ردود فعل سلبية أقوم باستيعابها وألوم نفسي, بينما دانييل يصرفها بأن يلوم الآخرين.


شخص حساس للغاية -- نعم, أنا!
اكتشاف وتقبل صفات الشخص الحساس للغاية الخاصة بي جعلتني امرأة أسعد وزوجة أفضل. هناك مهارتين انتفعت منهما:


  1. إعادة قراءة الماضي
بينما لا أستطيع تغيير الماضي, يمكنني تغيير القصة التي أرويها لنفسي عنه.
لطالما كرهت نفسي لكوني محرجة اجتماعيا --لا أتمكن أبدًا من الإتيان برد سريع في اللحظة! الآن أدركت أني أحتاج دائما من 24 إلى 48 ساعة لأحلل ما يقوله لي الآخرون.
اعتدت على التظاهر بعدم انزعاجي من العطور والأصوات لأنني كنت أشعر بالنقص إذا ما كنت انفعالية جدا تجاه هذه الأشياء. الآن أشعر بالعطف تجاه نفسي كلما رأيت الاتصال الجلي ما بين اشتداد المشاعر ومصارعتي مع الصداع والقلق طوال عقود ماضية.
اعتدت أن أوبخ نفسي لكوني, كما يلقبني الأخرين, "ملكة المأساة". الآن لدي شيء من التعاطف للشعور المسعور الذي كنت أشعره قبل أن أتعلم بعض طرائق التهدئة النفسية واستراتيجيات للخلاص من المواقف الصعبة.
إذا كنتَ شخص شديد الحساسية,  فإعادة صياغتك للماضي بضوء هذه السمة يمكن أن تكون محررة لك ومشجعة. ضع في عين الاعتبار مجالات مثل:
  • التفاعل الحسّي القوي, كأن تستثار بسهولة, تحديق العينين عند الإضاءة الساطعة, تجنب بعض الأقمشة أو أنواع اللمس, إلخ.
  • ردود فعلك تجاه التغيير, بالأخص في آخر لحظة أو عندما تحدث أمور كثيرة في نفس الوقت.
  • أوضاع اجتماعية شعرت فيها بالإحراج أو تغلبت عليك العواطف.
إدراكك لصفات الشخص شديد الحساسية الخاصة بك في العمل سيعطيك رد فعل مثل, "إذا لهذا السبب فعلت ذلك!" و "أوه, هذا مفهوم جدا, الآن!"
 


2. تعلمت أن أحدد احتياجاتي وأن أصل إليها
جلبت معي اعتقادين متناقضين إلى زواجي:
  • ليس لدي احتياجات.
  • يجب على زوجي أن يدرك من تلقاء نفسه احتياجاتي.


هذا يعني أنني كنت أخجل من أي احتياج يأتيني فجأة ثم أتألم إذا لم يستطع دانييل تلقائيا أن يلبي هذه الاحتياجات التي لم يكن من المفترض أن أمتلكها من الأساس.
الآن بعد أن عرفت أنني شخص حساس للغاية, أدرك تماما أن هناك شخص واحد فقط يعرف احتياجاتي الفريدة:


أنا.


على سبيل المثال, دانييل لا يستطيع  الانتباه إلى الأصوات التكرارية, فعندما تصاب كلبتنا بنوبة من النباح أكون أنا الشخص الذي ينتبه لها. لا أقول, "ما خطبك؟ ألا تسمعها؟" أنا أسمعها. لذلك أنا من يقوم بجلبها إلى الداخل.


وينطبق الشيء نفسه على جوانب أخرى من الحياة اليومية.
  • أحمل معي سترة لأحافظ على درجة حرارتي حين نخرج في رحلة بالسيارة.
  • أحزم معي وجبة خفيفة غنية بالبروتين وقنينة مياه لأستطيع أن آكل حتى لو لم يكن دانييل جائعا.
  • أضع على أذنيّ سماعات تحجب الضوضاء حين يشاهد فيلما بصوت مرتفع.


عوضا عن إنكار احتياجاتي, بينما أتوقع أن يلبيها زوجي بشكل سحري, أسأل نفسي سؤالين:
  1. ماذا أحتاج في هذه اللحظة؟
  2. كيف يمكنني أنا تلبية ذلك؟


جدال أريكة غريغوري العظيمة, المشهد ثاني مرة
إعادة النظر إلى جدال أريكة غريغوري العظيمة من خلال عدسات الشخص الحساس للغاية يمكننا من رؤية أعلام حمراء لم يتمكن أي منا ملاحظتها آنذاك:


العلم الأحمر الأول للشخص الحساس للغاية
كان كلانا قد تجاوز موعد الطعام لأكثر من ساعتين, وحين نكون جائعين نصير أكثر عرضة للإنفعال. الآن لا نقوم بأي نوع من "المناقشات" إلا بعد وجبة طعام جيدة.


العلم الأحمر الثاني للشخص الحساس للغاية
كلانا مر بتغييرات كبيرة في الأسبوعين اللذين سبقا جدال الأريكة: عرسنا, شهر العسل (والذي وقعنا خلاله مرضى بسبب التسمم بالطعام), نقل الأثاث من منزل والديه إلى منزل والديّ, القيادة إلى الجامعة, وترتيب المنزل معا. لم يلاحظ أي منا تأثير هذه التغييرات الكبيرة التي حدثت في وقت قصير. نحن الآن نعرف كيف يمكن لهذه التغييرات أن تؤثر بشكل مزعزع فينا, ونعمل حسابا لذلك في حواراتنا.


العلم الأحمر الثالث للشخص الحساس للغاية
كلانا كان يحاول لي ذراع الشخص الآخر ليجعله ينفذ ما يريد بدون أن ننتبه إلى مدى رد فعلنا تجاه التكتيكات العنيفة. الآن نحن حذرين جدا لنبتعد عن الإكراه.
إدراكي لكوني شخص حساس للغاية أعطاني هديتين لا تقدران بثمن: التعاطف والإذن. التعاطف تجاه مجموعة احتياجاتي. والإذن بأن أعتني فيها وأكون نفسي ببساطة.

أعلن استقلالك وابدأ حياة التجوال حول العالم

يقولون, في الواقع, الإنسان مصنوع من الرغبة. كما تكون رغبته يصير إيمانه. كما يكون إيمانه تصير أعماله. كما  
تكون أعماله يصير هو.
التعاليم العليا للأوبانيشاد  





مقتطفات من كتاب التجوال: دليل غير تقليدي لفن السفر طويل الأمد حول العالم
ترجمة: علي الصباح


من بين كل العبارات الصادمة التي يمكن لأحدنا أن يسمعها في الأفلام، هناك عبارة واحدة أنقذتني. لم تأتي من فلم كوميدي غير تقليدي، أو فلم خيال علمي مقصور على فئة معينة، أو فلم أكشن مثقل بالمؤثرات. أتت من فلم وول ستريت لأوليڤر ستون، حين أخبر شارلي شين --شخص واعد في البورصة-- خليلته عن أحلامه.


"أعتقد أني إذا ما تمكنت من تكوين كمية كبيرة من المال قبل بلوغي الثلاثين والخروج من هذا الصخب، سأتمكن من قيادة دراجتي النارية في أرجاء الصين."


حينما رأيت المشهد لأول مرة على الفيديو لسنوات مضت، كدت أقع من كرسيي من الذهول. في النهاية، شارلي شين أو أي شخص آخر يمكنه العمل لثمانية أشهر في تنظيف الحمامات وسيحصل على مايكفي من مال يتيح له قيادة دراجته النارية في أرجاء الصين. حتى لو لم يكن يمتلك دراجة نارية يمكن لشهرين إضافيين من دعك المراحيض أن يوفرا له مالا كافيا ليشتري واحدة في الصين.


الأمر المهم هنا، معظم الأمريكيين لن يجدوا في هذا المشهد أية غرابة. لأسباب ما، نرى السفر لفترات طويلة إلى بلدان بعيدة كحلم يعاود على التكرار، أو كإغراء شاده، لكننا لا نراه كشيء ينطبق الآن وهنا. عوضا عن ذلك --من باب التزامنا المجنون تجاه الخوف، والموضة، ودفع الفواتير الشهرية على أشياء لا نحتاج إليها بالضرورة-- نحتجز سفراتنا في مدد قصيرة، بشكل متلهف سريع. بهذه الطريقة، بينما نرمي ثروتنا من أجل فكرة مجردة نطلق عليها "أسلوب حياة"، يغدو السفر مجرد أمر كمالي آخر. تجربة مريحة ومغلفة نشتريها بنفس الطريقة التي نشتري فيها ثيابنا وأثاثنا.


منذ وقت ليس بعيد، قرأت أن ربع مليون دير ورحلات متعلقة بالرهبنة لفترات قصيرة قد حجزت من مكاتب السفريات للعام السابق. مزارات روحية من اليونان إلى التبت تحولت إلى جهات سياحية مزدحمة، وخبراء السفر يعزون هذا الازدهار إلى أن كثيري الإنجاز المشغولون بشكل دائم يسعون إلى حياة أكثر بساطة.


من دون شك، الأمر الذي لم يكترث أحد إلى الإشارة إليه هو ن شراء حزمة سياحية للحصول على حياة أكثر بساطة كمثل من يستخدم المرآة لينظر كيف يبدو في حين أنه هو في الحقيقة لا ينظر إلى المرآة. ما يُباع في الواقع هو الفكرة الرومانسية بحياة أبسط، و--كما أنك مهما حركت رأسك أو عينيك فلن يتيح لك ذلك رؤية نفسك عبر الزجاج-- رحلات الأسبوع أو العشرة الأيام لن تأخذك بعيدا عن الحياة التي تحياها في بلادك.


في النهاية، هذا الزواج القسري بين الوقت والمال كان دافعا لجعلنا نحيا نمطًا من التشبث. كلما ربطنا بين التجربة والقيمة المالية، كلما زاد اعتقادنا بأن المال هو ما نحتاج إليه لنحيا. وكلما ربطنا بين المال والحياة، كلما اقنعنا أنفسنا بأننا فقراء جدًا لنقدر على شراء حريتنا. مع هكذا طريقة تفكير، ليس بمستغرب أن الكثير من الأمريكان يظنون أن السفر عبر البحار لفترات طويلة خاص بالطلبة، أو الخارجين من ثقافات أخرى، أو للأغنياء جدا.


في الواقع, السفر لفترات طويلة لا علاقة له بالعوامل الديمغرافية --العمر، الإيديولوجية، الدخل-- بل مرتبط كل الإرتباط بالنظرة الشخصية تجاه الحياة. لا علاقة للسفر لفترات طويلة بأن تكون تلميذا جامعيا؛ بل أن تكون تلميذا للحياة اليومية. السفر لفترات طويلة ليس تمردًا على المجتمع؛ بل هو تصرف مبني على منطق سليم ضمن إطار المجتمع. السفر لفترات طويلة لا يحتاج إلى كمية كبيرة من المال؛ بل يحتاج فقط أن نمضي خلال العالم بشكل مدروس أكثر.


المضي في العالم بطريقة مدروسة كان دائما تقليدا يحترم الوقت، ومتوفر بشكل متوار تحت اسم التجوال. التجوال ينطوي على أخذ فترات إجازة ممتدة من حياتك الطبيعية --ستة أسابيع، أربعة أشهر، سنتين-- لتسافر حول العالم حسب شروطك أنت. التجوال أبعد من السفر، هو نظرة إلى الحياة. التجوال هو عبارة عن تسخير رفاهية وإمكانيات عصرالمعلومات لتوسيع خياراتك الشخصية عوضا عن زيادة ممتلكاتك الشخصية. التجوال عبارة عن البحث عن مغامرة داخل الحياة العادية، وحياة عادية داخل المغامرة. التجوال عبارة عن سلوك --اهتمام ودود تجاه الأشخاص، البلدان، والأشياء التي تجعل من المرء مستكشفًا بكل معنى الكلمة. التجوال ليس نمط حياة، وليس موضة عابرة. إنه فقط طريقة غير مألوفة للنظر إلى الحياة --تعديل في القيم تتبعه الأفعال. وكأي شيء، التجوال مرتبط بالوقت --بضاعتنا الحقيقية الوحيدة-- واختياراتنا لكيفية إنفاقه.


جون ميور مؤسس نادي سييرا (لو كان هناك متجول بالفطرة فسيكون هو) اعتاد على التعبير عن دهشته من المسافرين الأثرياء اللذين يأتون إلى حديقة يوسيميتي فقط ليسارعوا بالمغادرة بعد ساعات قليلة من التطواف. كان ميور يسميهم "فقراء وقت" --أُناس مهووسون بشدة في الاعتناء بممتلكاتهم المادية ووضعهم الاجتماعي بحيث لا يمكنهم توفير وقت ليستمتعون به بحق ببهاء برية سييرا الكاليفورني. أحد زوار ميور في حديقة يوسيميتي في صيف 1871 كان رالف والدو إيميرسون، الذي سارع في الذهاب لرؤية أشجار السيكويا، وقل عنها: "إنها أعجوبة أن نتمكن من رؤية هذه الأشجار ولا نزداد عجبا." حينما هرع إيميرسون مرتحلا بعد ساعات قليلة، مع ذلك، تفكر ميور بامتعاض في ما إذا كان هذا المتعالي المشهور قد رأى حقا الأشجار في المقام الأول.


بعد ما يقارب القرن، عالم الطبيعيات إدوين واي تيل استخدم أمثلة ميور ليندب نمط الحياة المتسارع للمجتمع الحديث. دوّن في كتابه "خريف حول أمريكا" الصادر عام 1956 "الحرية كما عرفها ميور، مع وفرة من الوقت، وأيام غير صارمة، ومدى متعدد من الخيارات… هكذا حرية تبدو أكثر ندرة، وأصعب على النوال، وتتباعد جيلا بعد جيل."


لكن رثاء تيل لتدهور الحرية الشخصية ليس سوى تعميم أجوف في عام 1956 كما هو الآن. كما كان جون ميور واعيا بذلك, التجوال لم يُنَضّم من خلال تعريف الناس المتقلب لنمط الحياة. عوضا عن ذلك، كان دائما خيارا شخصيا داخل المجتمع الذي كان باستمرار يستعدينا لعدم فعل ذلك.


هذا الكتاب عن العيش وفقا لهذا الخيار.



*****

المسافر الجيد لا يملك خطة محدد، ولا ينوي الوصول 
لاو تزو، طريق الحياة


متى تبدأ التجوال
التجوال مرتبط بأن تخفف قبضتك على ما يسمى بثوابت هذا العالم. التجوال مرتبط برفض تأخير السفر لوقت آخر في حياتك قد يكون أفضل. التجوال هو أن تأخذ بزمام أمور ظروفك عوضا عن أن تنتظر بسلبية لأن تحدد هي مصيرك. لذلك، السؤال عن كيف ومتى تشرع بالتجوال ليس سؤالا حقيقيًا بالمرة. التجوال يبدأ الأن. حتى لو كان الواقع العملي للسفر بعيدا لأشهر أو سنوات، التجوال يبدأ في اللحظة التي تتوقف فيها عن اختراع المعاذير، تبدأ بتوفير المال، وتنظر في الخرائط مع الشعور بارتعاش مخدر من إمكانية تحققه. إلى هنا، حقيقة التجوال تصير أكثر وضوحا كلما ضبطت نظرتك إلى العالم وبدأت في تقبل الريبة المنعشة التي يحملها السفر الحقيقي.

*****


البساطة
الفكرة التي تنطوي على أن الاستثمار المادي بشكل أو آخر أهم في الحياة من التطوير الذاتي --هو ذات الشيء الذي يؤول بالكثير إلى الاعتقاد بأن حياة التجوال غير ممكنة. كلما استظهرت الخيارات الحياتية من حولنا على هيئة خيارات استهلاكية، كلما تناسينا أن ثمة فرق بينهما. لذلك، أقنعنا أنفسنا أن شراء الأشياء هو سبيلنا الوحيد ليكون لنا دور في هذا العالم، فنستنتج بشكل خاطئ بأننا لن نكون أغنياء بما يكفي لشراء تجربة رحلة سفر طويل الأمد. لحسن الحظ، العالم لا يحتاج أن يصير سلعة استهلاكية. مثل السلامة البيئية، السفر لفترة طويلة ليس شيئا تشتريه، هو شيء تعطيه لنفسك. بالتأكيد، الحرية اللازمة للتجوال لم يكن تحديدها عائدًا على الدخل أبدًا. هي توجد خلال البساطة --الخيار الواعي في كيفية استخدام ما تملك من دخل. وخلافا للصور النمطية الشائعة, السعي وراء البساطة لا يستلزم أن تصير راهبا، أو أن تعيش على الكفاف، أو أن تقوم بثورة راديكالية. ولا يعني أنك يجب أن تتجنب بشكل لا واعي دور المستهلك. عوضا عن ذلك، البساطة تستلزم شيئا من التضحية الشخصية: تعديل على عاداتك وروتينك داخل المجتمع الاستهلاكي نفسه.


في النهاية، قد تكتشف أن التجوال بمبالغ قليلة هو طريقتك المفضلة للسفر، حتى لو توافرت لك خيارات أعلى سعرا. بالتأكيد، البساطة لا توفر عليك المال والوقت فقط، بل تجعلك أكثر إقداما على المغامرة، تجبرك على التواصل بصدق مع الناس المحليين، وتتيح لك الاستقلالية لتتبع شغفك وفضولك إلى طرقات جديدة. بهذه الكيفية، البساطة --في موطنك وخلال السفر-- تتيح لك الوقت للسعي في الحصول على معنى متجدد بسلعة غالبا ما تكون مهملة ولا تستطيع شرائها بأي ثمن: الحياة نفسها.



*****


أيها المسافر، 
ليس ثمة طريق، 
الطرق تشق بالمسير. 
أنطونيو ماكادوا


غيّر نمط حياتك
بينما تقيد الاتساع المادي في حياتك، تحتاج أن تتجرع مرارة كبح المشتريات الغير مهمة لنمط حياتك الأسبوعي. بشكل بسيط، أن تحيا أكثر تواضعا (حتى لو لم تكن متواضع) وتستثمر الفائض لتمويل سفرك. عوضا عن الأكل في المطاعم، اطبخ في البيت وجهز غدائك للعمل أو المدرسة. عوضا عن الاحتفال في النواد الليلية ومشاهدة الأفلام في السينما أو الذهاب إلى الحانات، استمتع في المنزل مع أصدقائك أو عائلتك. كلما سنحت لك فرصة للتلخص من عادة مالية، اقتنصها. الأموال التي ستتدخرها ستعينك بشكل كبير في سفرك، تناولتُ العديد من سندويشات المورتديلا (وفوّتُ الكثير من الحياة الليليّة في عز أيام فرقة الغرنج في سياتل) بينما كنت أوفر للتجوال بعد الجامعة --إلا أن الأشهر الثمانية التالية من الحرية في طرقات أمريكا الشمالية كانت أكثر من كافية.

هنا حيلة مرحة أستخدمها لتوفير المال: أتنازل عن بعض الرفاهية في بلدي، وعوضا عن ذلك أتخيل تجربة يمكنني فقط القيام بها حينما أكون مسافرا. عوضا عن الخروج لتناول ستيك من لحم، أتخيل السوشي الذي يمكنني تناوله في أوساكا. عوضا عن شراء غيتار آخر، أتخيل الغوص عند الشعاب المرجانية في الفلبين. الخيال أداة قوية. أستخدمه لأستمتع بكل الاحتمالات التي تنتظرني في رحلتي --ومحفظتي لم تتجاوز جيبي.


*****

قلّص ممتلكاتك
لعل أصعب خطوة لجعل الأشياء أبسط هي التخلص من الركام --تقليص ما تمتلكه. كما لاحظ ثورو، التقليل يمكن أن يكون أهم خطوة للفوز بحريتك وتغيير حياتك: "امتلك في ذهني ما يبدو ظاهريا على أنه ثروة, لكن الأكثر فقرا بشكل مريع من راكم نفايات لكنه لا يعرف كيف يتصرف بها، أو يتخلص منها، وهكذا يكون قد صاغ أغلاله الذهبية أو الفضية."

*****

حينما كنت صغيرا سألني خبير مالي كبير عما أريد أن أفعله عندما أكبر وقلت: "أن أسافر." أجاب: "آه! إنه مكلف كثيرا، المرء يلزمه الكثير من المال ليقوم بذلك". كان مخطئا. لأن هناك صنفين من المسافرين؛ الرحالة المستريح، حيث تحيطه غيمة من المصروفات الشرهة طوال الوقت، والرجل الذي غيّر نفسه واستمتع بالقليل من عدم الراحة كتغيير نمط الحياة.
رالف باگنولد، رمال ليبية


الأمتعة
ما الذي يجب علي التخطيط لأخذه معي أثناء السفر؟ أقل ما يمكن، نقطة. لا يمكنني التدليل كفاية على أهمية السفر خفيفًا. سحب حزمة هائلة من الخردة من مكان إلى مكان كفيل بإعاقة مرونتك وإحالة سفرك إلى جعجعة فارغة. للأسف، نمط الحياة في بلادك لا يمكنه أن يهيئك لكم من الأشياء القليلة التي تحتاج إليها في رحلتك. لذلك، أفضل ما يمكنك القيام به حين تقرر ما تحزمه هو أن تشتري --هذه ليست مزحة-- حقيبة سفر صغيرة. هذا الحزم القليل سيتيح لك الأساسيات فقط: دليل سياحي، زوج من النعل، أدوات النظافة الأساسية، أمور متعلة بالصحة (بما فيها كريم للشمس)، سدادة أذن تستخدم لمرة واحدة (للأماكن المزعجة) وهدايا صغيرة لمضيفك وأصدقائك المستقبليين. وبعض الملابس البسيطة والعملية, ,اخرى ملائمة للمناسبات الاجتماعية. كذلك مصباح يدوي صغير. زوج من النظارات الشمسية. حزمة ليوم كامل (لحمل أشياء أصغر حينما تترك الفندق) وكاميرا رخيصة. ثم --انظر للأسفل لتتأكد من امتلاكك لحذاء طويل أو قوي للمشي-- أغلق الحقيبة بقفل صغير وقوي. هذه قد تبدو كمية غير كافية للسفر, لكن ليس إذا أدركت أنك تسافر إلى عالم مليء بأناس لديهم نفس احتياجاتك اليومية. بالتأكيد حيثما تسافر ستجد كمية كبيرة من مستلزمات الحمام، ملابس إضافية، أقلام، دفاتر، محارم ورقية، مناشف، مياه معلبة، ومأكولات خفيفة --حتى لو لم تكن العلامات التجارية المنتجة مألوفة. أي مكان ممطر سيكون ممتلئ بالمظلات الرخيصة للبيع، وشبكات اصطياد البعوض ستجدها بسهولة في المناطق المليئة بالحشرات. الملابس الدافئة (بعضها تراثي جميل) بالتأكيد ستباع في كل مكان حيثما يكون المحل باردا. والتسوق لهذه الأشياء حين تحتاج إليها قد يغدو مغامرة بحد ذاته. كما في الكتب ذات العلاقة والخرائط، غالبا يسهل العثور عليها (باللغة الانجليزية) في الجهة التي ستسافر اليها مقارنة في بلادك.

*****



دع الأشياء تحدث
لا تضع حدودا لما يمكنك القيام به أو ما لا يمكنك القيام به. لا تضع حدودا لما هو جدير أو غير جدير بوقتك. تجرأ بأن تلعب ألعابا مع يومك: شاهد، انتظر، اسمع؛ دع الأشياء تحدث. أينما تكون، ليكن متجر للهدايا في الفاتيكان، قرية بين الأدغال في بنما، أو بقلب مدينة أوگادوگو --أعر انتباها لأدنى همهمة أو تفصيلة تحيطك. كما أشار دين ماك كانل: "أي شيء يُلحظ، حتى وردة صغيرة أو ورقة رفعت من الأرض وعرضت على طفل، ملمع الأحذية أو حفرة من الحصى، كل شيء به جاذبية محتملة…. أحيانا يكون لدينا دليل سياحي رسمي أو أفلام عن السفر تساعدنا على تحديد ذلك. غالبا نحن لوحدنا. وإلا كيف نتعرف على أي شخص آخر سوى أنه عبارة عن مجموعة من الإشارات المتشربة من الكون المليء بالإشارات؟ كيف لنا أن نبدأ بمعرفة العالم بغير هذه الطريقة؟"

*****

إذا ما اندفع شخص بثقة تجاه أحلامه ومساعيه ليحيا الحياة التي يتخيلها، سيجد نجاحًا غير متوقع في ساعات عادية. سيركن  
بعض الأشياء خلفه، سيرفض حدودا غير مرئية؛ قوانين جديدة وعالمية وحرة ستتشكل حوله وفيه. 
هنري ديفيد ثورو، كتاب والدن


استكشف محلّك
إذا ما كنت محتارا بما يمكنك فعله في مكان ما، فقط ابدأ بالمشي حول بيئتك الجديدة. امش حتى يغدو يومك أكثر تشويقًا --حتى لو تطلب ذلك السير لخارج المدينة والولوج إلى الأرياف. في النهاية ستشاهد منظرا أو تقابل شخصا يجعل ما مشيته ذو فائدة. إذا ما "تهت" خلال هذه العملية، فقط خذ الباص أو التاكسي إلى معلم رئيس محلي ومن هناك ستجد طريقك إلى فندقك.
دون يومياتك من بداية سفرك، وانتظم بكتابتها يوميا. لك مطلق الحرية بأن تكتبها باقتضاب أو بإسهاب كما تحب. احتفظ بسلسلة من القصص، الأحداث، المشاعر، الفوارق والانطباعات. النتيجة ستكون سجل استثنائي لخبراتك ولنموك.

*****


كيف تغسل ملابسك
بعض الأماكن (مثل الهند) تتوفر فيها خدمة غسيل ملابس رخيصة وفي كل مكان، لكن أماكن أخرى كثيرة لا تملك هذا. لحسن الحظ، غسل ملابسك أمر يمكنك أداءه بسهولة. أحضر سدادة لمغسلة حمام فندقك، واستخدم الشامبو كمنظف. واحضر حبل بنجي صغير لاستخدامه كحبل غسيل. إذا كانت ملابسك لاتزال مبللة قليلا في الصباح، أفضل حل هو أن ترتديهم في ذلك اليوم (والذي قد لا يكون مريحا في البداية، إلا أنه أفضل من وجود ملابس مبللة داخل حقيبتك).

*****


أولئك اللذين يزورون أوطانا أجنبية ولا يرافقون إلا أُناسا من بلدهم, يغيرون أجوائهم، لكن لا يغيرون تقاليدهم. يرون قمما جديدة، لكن يجدون نفس الرجال؛ وبرؤوس خاوية كجيوبهم، يعودون لأوطانهم بأجساد مسافرة، لكن بعقول لم تسافر. 
تشارلز كاليب كولتون، لاكون

ادعم السكان المحليين
في أغلب الأماكن، الفنادق الرخيصة وبيوت الضيافة تكون مملوكة لأهل البلد، مما يعني أن السفر المقتصد هو في الواقع أفضل وسيلة لدعم الاقتصاد المحلي. كذلك، أماكن الإقامة المحلية عادة ما تكون متاحة للمساومة في أسعار الغرف --خاصة خلال موسم السياحة الضعيفة. الكثير من الأماكن تعرض نسبة من الخصم عند حجز عدة ليال.
لا تقبل غرفة قبل أن تطلب معاينتها أولا. تأكد من عمل الكهرباء والماء، وتأكد من عمل أقفال الباب. لاحظ موقع غرفتك بالمقارنة مع الديسكوات، المساجد، المصانع، الشوارع الرئيسة أو أي بيئة محيطة قد تسبب ازعاجًا في أوقات محددة من اليوم.

*****


تعرّف على الآخرين لتعرف ذاتك
من أكثر الأشياء التي تحتفظ بها الذاكرة عند مقابلة أشخاص من دول أجنبية هو ما تفعله هذه اللقاءات بتوعيتك على غرائز التغذية الثقافية الخاصة بك. ما هو صحيح أو خاطئ في أمريكا لا ينطبق بالضرورة على الدول الأخرى --واذا استمريت بالنظر إلى الآخرين من خلال قيمك، ستفقد فرصة النظر إلى العالم عبر أعينهم. الأمريكيون، على سبيل المثال، يعلون من قيمة الفردانية، بينما أغلب الحضارات الآسيوية ترى الفردانية على أنها خيانة أنانية للواجب وللعائلة. الغربيون يفضلون المباشرة والموضوعية في الصفقات التجارية، بينما العديد من الشرقيين يرون ذلك على أنه برود ولا إنساني. الناس في بعض الثقافات سيحكمون عليك بناء على دينك (أو على عدم وجوده). آخرون سيتفاعلون بشكل غريب بناء على نفوذك (أو على عدم وجوده)، الشكل، أو الجنس. القراءة عن هذه الفوارق الثقافية شيء، ومعايشتها شيء آخر. في النهاية، الهوية الثقافية أمر غريزي، ليس فكريا --وهذا يعني أن التحدي الذي سيواجهك ليس كيف تتحكم بتصرفاتك بل كيف تتفاعل غريزيا مع التصرفات الغير مألوفة للآخرين.


ممارسة السفر المفعم بالحياة هو اكتشاف نقطة التداخل بين التاريخ والحياة اليومية، طريقة إيجاد الجوهر في كل مكان، كل يوم: في الأسواق، الكنائس الصغيرة، الحدائق البعيدة، المحلات الحِرَفيِّة. الفضول نحو ما هو خارق في ما هو طبيعي يدفع بلب نية المسافر إلى رؤية ما خلف حجاب السياحة. 
فيل كوزينو، فن الحج