كيف تتقاعد في الثلاثينيات؟





كيف تتقاعد في الثّلاثينيّات؟
بقلم: دانيل كيرتزلِبن
ترجمة: علي الصباح

بحسب إحصاءات مؤسّسة غالوب للأبحاث فإنّ (7) من كلّ (10) أميركيين تحرّروا من وظائفهم. هذا أكثر من ثلثينا الّذين لا يوفر لنا العمل شعورًا بالاكتفاء، نسحب أنفسنا بأسف من وإلى المكتب كلّ يوم فحسب!
ثمّة مُجتمعات تُقدّم حلًّا جذّابًا: اسْتَقِلْ.
يُشجع أحد المجتمعات المزدهرة في (الإنترنت) على التّقاعد المبكّر. هم لا يتحدّثون عن أشخاصٍ يستقيلون في الخمسينيّات والستينيّات. يعنون التّقاعد قبل الأربعين - ربّما حتّى في العشرينيّات.
قابلت طوال الأشهر القليلة الماضية سبعة أشخاص تمكّنوا من ترك عالم الوظيفة قبل سنّ الأربعين. تبدو فكرة مجنونة؛ ولكن هؤلاء المتقاعدون المُجدّون يُصرّون على أنّها يجب أن تُوضع في الاعتبار عند كلّ شخص. ما يجمعون على فهمه -ويرجون أن يفهمه الآخرون- أنّ تحقيق الحريّة الماليّة لا يقتصر على وضع ميزانيّة أو قصّ (كوبونات) الخصم: إنّها خاصّة بإعادة النّظر في قيمك الأساسية.

قلّل نفقات الثّلاثة الكبار ثمّ استثمر
إطار العمل الأساسي للتّقاعد المبكر يسيرٌ للغاية: قلّل قدر المستطاع نفقاتك ثمّ استثمر مدّخراتك. معدّلات الادّخار العالية يُمكنها أن تحقّق التّقاعد بسرعةٍ مُدهشة. على سبيل المثال: إذا اقتصدت في نصف دخلك، ستتمكّن من التّقاعد بعد (17) سنة.
أفضل مجال توفر فيه النّفقات ليس من طريق (كوبونات) الخصم أو متاجر التّوفير: إنّها من طريق إجراءات الشّراء الكبيرة. حصّة الأسد الادّخاريّة للتّقاعد المبكّر تأتي من طريق ما يُسمّيه (جيرمي جيكبسون): الثّلاثة الكبار (السّكن، والمواصلات، والطّعام).
يقول (جيكبسون) الّذي يُشارك زوجته (ويني تسينغ) في التّدوين عن التّقاعد المبكّر على موقع go curry cracker: «في حين كان عددٌ من زملائي في العمل يستأجرون سيّارات بي أم دبليو ذات الدّفع الرّباعي، كنتُ أنا قد بعتُ سيّارتي وشرعتُ في استخدام درّاجتي؛ وفي حين كان أحدُ زملائي في العمل ينفق (50) ألف دولار لتجديد مطبخه، انتقلنا نحن للعيش في شقّة صغيرة في حيٍّ مُهيّأ للمشي». أضاف إنّ (تسينغ) تعلّمت كيف تطبخ جيّدًا أيضًا؛ لأنّهما صارا نادرًا ما يتناولون الطّعام في الخارج.
السّعي إلى تقليل الإنفاق على هذه الأمور الثّلاثة يبدو منطقيًّا حين نرى كيف تُنفق العائلات الأمريكيّة أموالها. أنفقتِ العائلاتُ المتوسّطة في (2013) نحو (51) ألف دولار بحسب مكتب إحصاءات العمل، ومجموع السّكن والمواصلات والطّعام يستأثر بثلثي هذا المبلغ. لأغلب العائلات هذه: هي أكبر فرص الادّخار.



حالما تقتصدُ العائلات هذه المبالغ الكبيرة، تصير المهمّة المُقبلة هي: جعل هذا المال يُولّد مزيدًا من المال.
كيف تعرف متى تكون مستعدًّا للتّقاعد؟ كثير من المتقاعدين الّذين تحدّثتُ إليهم يعتمدون على «قاعدة الـ4 بالمئة«، وهي قاعدة شائعة تنصّ على أنّه: يُمكن للمُتقاعد أن يقتطع (4) بالمئة من مدّخراته كلّ عام دون أن يستنفد رأس المال. قدّر (جيكوب وتسينغ) أنّهما سيحتاجان إلى ادّخار (1.2) مليون دولار من المدّخرات. الزّوجان اللّذان يُدوّنان على موقع Frugalwoods قدّرا أنّهما سيحتاجان إلى (1.4) مليون دولار. هذه المبالغ تدرّ على كلا الزّوجين ما يُقارب (50) إلى (60) ألف دولار لنفقاتهم كلّ عام.
مستر موني موستاش، أشهر مُدّون عن التّقاعد المبكّر، أجرى حساباته فيما لو ادّخرت نصف صافي دخلك، وافتـرض عائدًا بمقدار (5) بالمئة، ستتمكّن من التّقاعد بعد (17) سنة حتّى وإن ادخرت (30) بالمئة، ستتمكّن من التّقاعد بعد (28) سنة - والتي تبدو كأنها أمد بعيد؛ ولكن إذا بدأت في سن (22) فذلك يعني أن تتقاعد في الخمسين، أبكر بكثيـر من معظم النّاس. هذا أقلّ من نسبة ادخار عددٍ من المتقاعدين المبكرين. عددٌ من المتقاعدين الّذين تحدّثتُ معهم تمكّنوا من ادّخار (70) بالمئة أو أكثر؛ ما أتاح لهم التّقاعد في أقلّ من (10) سنوات.
نعم، هذه المعدّلات هي أعلى بكثيرٍ من معدّلات ادّخار الأمريكيّين التّقليديّة -تُعادل 5.8 بالمئة من إجمالي الدّخل حاليًّا- إلّا أنّ كثيـرًا من الأمريكان (بالتّحديد أولئك الّذين يملكون دخلًا أعلى من المتوسّط) يُمكنهم الادّخار أكثـر ممّا يظنّون، كما أشار إلى ذلك (تِم لي) متوسّط حجم المنـزل صار أكبـر بنسبة (50) بالمئة عمّا كان عليه قبل (30) سنة؛ لذلك يمكن لكثيرٍ من النّاس الادّخار من طريق تقليل حجم المنـزل. نفقات المواصلات على الأسرة في سنة تفوق (9000) دولار. عِشْ في مكانٍ قريبٍ من محطّة الحافلات المناسبة أو، أفضل من ذلك، عِشْ في مكانٍ هُيّئ للمشي وستتمكّن من تخفيض تلك النّفقات بسهولة.
يقول (جستن ماك كَري) مهندس مدني سابق يبلغ من العمر (34) عامًا، وقد تقاعد قبل سنةٍ ويُدوّن في مدوّنة Root of Good: «إذا فكّرت في الأمر، فإنّ الشّخص الّذي يطبخ غداءك أو يقدّم لك القهوة في المقهى… بوجهٍ ما يعيش أو يتدبّر أمره. إذا عرفت كيف يتدبّر هؤلاء أمرهم وحاكيت طريقتهم؛ ولكنك في الوقتِ نفسه تجني دخلًا متوسّطًا أو مرتفعًا، فتعيش في درجةٍ واحدةٍ أقلّ وتدخّر الفائض كلّ شهر -أعتقدُ هذا ما يجبُ أن تفعله إذا كنت تعيشُ في منطقةِ نفقات معيشتها عالية».
المعرفة الاستثماريّة الجيّدة ستكون مفيدة بالتّأكيد، على سبيل المثال، بعض المتقاعدين الّذين تحدثت إليهم يدعون إلى اختيار محافظ استثماريّة جيّدة وتجنب عمولات السّمسرة المرتفعة. لكن حقًّا، الادّخار الفعّال أهم بكثيرٍ من أيّ استثمار ساحر، كما يقول أحد المتقاعدين.
يقول (بول نوفل)، (46) عامً، الّذي تقاعد من وظيفته كمهندس كهربائي في عمر (38) ويعيشُ مع زوجته (نينا فسينغ) في ولاية أوريغن: «حتّى لو وضعنا 100% من مدخراتنا في السّندات فسنظلّ نحقّق التّقاعد المبكّر». يقول أيضًا، «إنّك لن تملك كثيرًا من السّنوات لتعمل قبل أن تتقاعد، السّعي وراء دخل أعلى لتحقيق سلّة مدّخرات التّقاعد هو أمر مضلل». هو يرى أنّ الاستثمار أقلّ أهميّة من تقليل النّفقات.

نمطُ حياة وثقافةٌ خاصّة
معرفة الكميّة الّتي تحتاجها من المال لتتمكّن من التّقاعد هو أمر سهل. المهمّةُ الأصعب هي إيجاد التّغييـرات على نمط الحياة اللّازمة لادّخار هذا القدر من المال.
إنّه تغييـر أكبـر من مجرّد تقليل النّفقات هنا وهناك. عليك أن تكوّم مجموعةً من خيارات الادّخار بعضها فوق بعض: (الانتقال إلى حيّ أرخص. طبخ كلّ وجباتك في البيت. استقلال الدرّاجة الهوائيّة إلى العمل. التّقليل من شراء الملابس. الاستغناء عن القهوة المكلّفة. عدم تدليل أطفالك). حين تنتهي، سيكون لديك نمط حياةٍ جديد وغير تقليديٍّ في مجتمعٍ استهلاكي.
كما يفعلُ كلّ من يعيشُ حياةً غير تقليديّةٍ لعقودٍ؛ يبحثُ المتقاعدون المبكّرون عن أشباهٍ لأرواحهم في (الإنترنت).
تقول السيدة (فروقل وودز) (فضّل الزوجان عدم الافصاح عن اسميهما): «كانت أقرب الصّداقات لنا تلك الّتي صنعناها في الإنترنت من طريق فضاء التّقاعد المبكر لأنّهم الأكثر شبهًا في التّفكيـر. هذا مصدر حقيقي للرّضا والاستمتاع لديّ، وأنا أحبّ أن أكون قادرة على الوصول إلى النّاس والتّحدّث إليهم عن المتع الّتي يُمكن للاقتصاد أن يجلبها إليهم».
كثيرٌ من المدّخرين المجدّين يعشقون تقليل النّفقات، والاكتفاء الذّاتي، والانشغال بالميزانيّة. ينطبق هذا على الزّوجين (فروقل وودز). يُنجزان خدماتٍ كثيـرة بالاعتماد على أنفسهما - وهو المفهوم المسمى «الاستعانة جذريًّا بمصادر داخليةradical insourcing».
يقول السّيد (فروقل وودز): «في بداية هذا العام سمَحَتْ لي السّيدة فروقل وود لأوّل مرّة أن أقصّ شعرها. مجموعة أفلام يوتيوب وقنينة نبيذ وأنجزناها». (زوجته تقول إنّها مسرورةٌ من النّتيجة).
اكتفاؤهم الذّاتي المعتمد على اليوتيوب لا يقتصرُ على قصّات الشّعر بل إصلاح الدرّاجة والعناية بالحيواناتِ الأليفة أيضًا. ليس هذا فحسب، بل الزّوجان نادرًا ما يشتريان ملابس، وينبشان حاويات القمامة، ويُنفقان صفر دولار على التّرفيه (كتبا في مدونتهما «الدفع لأجل الترفيه أشبه بالإقرار بالهزيمة»). قدّرا نفقاتهما في العام الماضي بنحو (13،700) دولار على نفقات غيـر متعلقة بالمنزل. بالمقابل، متوسّط إنفاق الأسرة الأمريكيّة أكثر من ضعف هذا المبلغ نحو (34،000) دولار.

لماذا يُحبّ المهندسون الاقتصاد في المال؟
أغلب الأشخاص الّذين يستجيبون لدعوتي للمقابلات (بحثتُ عن متقاعدين مبكرين في تويتر وريديت) إمّا مهندسون حاليّون وإمّا متقاعدون. ثمّة سبب منطقي لذلك بالتّأكيد -المهندسون يحصلون على راتب أعلى من المتوسّط غالبًا- ويُمكن أن يكون هناك بعض الانتقاء الشّخصي لعيّنتي. إضافةً إلى ذلك (ربما المهندسون يقضون كثيـرًا من الوقتِ على موقع ريديت)؛ إنّما المتقاعدون أنفسهم يعتقدون بشيءٍ ما في العمل: الحاجةُ إلى التّعديل والعبث، وإيجاد اللّذة في التغييرات اليسيرة لحالتهم المادّيّة.
قال لي (بيتي، الشّهير بمستر موستاش)، في بداية هذا العام: «كنت طفلًا بعقليّة مهندس نمطيّة؛ ما يعني أنّني كنت دائمًا مهتمًّا بتحسين كلّ شيء. لم يكن المال سوى أحد تلك الأشياء».
يستخدم السّيد (فروقل وود) وظيفته -مهندس برامج- كنموذج. يقول: «كثيـرٌ مّما نفعلهُ هو وضع أهداف طويلة المدى وإنفاق أموالنا في سبيل تحقيقها وتحسين كلّ شيء. أقضي وقتًا طويلًا في عملي محاولًا تقليل 100 ميلّي ثانية من زمن تحميل صفحة ويب، وهذا النّوع نفسه من طريقة تفكير التّطوير الأمثل الّتي تندرج هنا».

يعني الاقتصاد الشّديد –غالبًا- تغيير ما كنت تقيمه
ربّما أهمّ شيءٍ تحتاجُ إليه للتّقاعد المبكر هو: القدرة على كسر البرمجة المجتمعيّة التّقليديّة - الفكرة الثّابتة أنّ على المرء أن يعمل لأربعة أو خمسة عقود ويتقاعد في عمر (65) أو أكبر ليتمكّن من عيش حياةٍ منتجة ومُرضية وطبيعيّة.
كلّ من تقاعد مبكّرًا ممّن تحدثتُ إليهم يشدّدون على أنّ مزيدًا من النّاس يمكنهم العيش مثلهم. كثيـرٌ منّا لم يتخيّل قط إمكانيّة خرق أساليب حياتنا.
يقول (ماك كري): «هناك –ربّما- سبعة مليارات طريقةٍ مختلفة للعيش. بعض النّاس يُحبّون عملهم. بعض النّاس يشعرون بالهلع من البيئة غير المنظمة. [لكن] حين تتحدّث مع بعض الناس تدرك –أحيانًا- أنّهم ليسوا سعداء بما يفعلونه في حياتهم، وفي الوقتِ نفسه ليسوا منفتحين لفكرة عمل شيءٍ آخر».
يُعدّ (جيكبسون) مثالًا جيّدًا لكيفيّة تغييـر وجهة نظر أيّ إنسان -عمل بجدٍّ في سنواته الأولى بعد تخرّجه في الجامعة لتسديد ديون الدّراسة؛ ولكنّه اشترى سيارةً جديدةً ومنزلًا يبعد (40) دقيقة عن عمله أيضًا. قراره في السّعي وراء الاستقلال المالي كان يعني التوقّف عن مواكبة دائرة محيطه الاجتماعي المليء بمنازل كبيـرة وسيارات جديدة الّتي وقع فيها في بداية عشرينيّاته.
المغزى أنّ التّقاعد المبكر لا يصلح لكلّ أحد؛ في حين يكون العمل لمُدّةٍ قليلة مع التّمتع بالحياة لأوقات أطول يبدو أمرًا عظيمًا لأغلب النّاس، يعني هذا التّخلي عن بعض الأشياء الّتي قد تجلب لك فرحًا صادقًا -إذا كانت وجبات العشاء الفاخرة في الخارج وامتلاك منزلٍ كبيرٍ يشعرك بالبهجة فعلًا أكثر من فكرة التّقاعد المبكر؛ إذًا الأكثـر منطقيّة عدم التّقاعد في الأربعين.
قد تتعدّى التّحولات حتّى تغييرات في نمط الحياة أحيانًا. البدء بأسلوب حياةٍ ماليّةٍ جديدةٍ يمكنهُ أن يفتح آفاقًا جديدة كليًّا على هُويّتك، كما تعرف السّيدة (فروقل وود) ذلك جيّدًا.
هي من أكثر النّساء بروزًا في مجتمع المتقاعدين مبكّرًا –تُدوّن مُعظم التّدوينات على مدونة (فروقل وودز). تقول إنّ مُحاولتها أن تكون أكثر وعيًا في نفقاتها جعلتها تنظرُ نظرةً مُختلفة إلى أنوثتها.
تقول: «إنّها كانت –حقًّا- رحلة شخصيّة لي بأن لا أقلق كثيـرًا بشأن ما يُفكّر فيه النّاس عنّي، وأن أنال الثّقة بحقٍّ، وأن أصرف ذلك الاهتمام المجتمعي والخوف بشأن المظهر».
توقّفتْ عن شراء الملابس -تقول إنّها لم تشتري أيّ سلعةٍ جديدةٍ منذ (16) شهرًا- ولم تعدْ تضع (المكياج). وتقول إنّ ذلك نتج عنه (تحوّل رائع)؛ لأنّها تخلّت عن معايير المجتمع المزدوجة الّتي يضع فيها المرأة: الآن لديها منظور جديد لما يعنيه أن تكون ناجحة (وتحديدًا، عدم أهميّة ارتباطه بالمظهر). من طريق سعيها إلى تقليل تركيزها على المال، صارت أقلّ تركيزًا على مظهرها، وأكثر وعيًا فيمن تكون.
تقول: «بصراحة، لم تكن المسألة متعلّقة بأن أكون مقتصدة بقدر ما أكون حقيقيّة لنفسي. وجدتُ طرائق لأن أكون واثقة وسعيدة بما لدي فحسب، وأن أبدي اهتمامًا أقلّ على مظهري؛ ما جعل منّي شخصًا أكثـر ثقة. أن أكون كاتبة [و] موظّفة أفضل، وهذا يجعلني أسعد».
بعض الأشخاص لديهم أفضليّة كبيرة في الاقتصاد في المال
قد يستطيع كثيـرٌ التّقاعد قبل سنّ (65)؛ ولكن ثمّة عوامل محدّدة تعطي أشخاصًا محدّدين أفضليّة أكبـر علينا، أحدها العمل في مجالٍ مرتفع الأجور -ومبكّرًا، كما يقول نوفل: «الوظيفة ذات الدّخل المرتفع تكون مهمّة حين تكون شابًّا؛ إذا لم تُتاح، فالعمليّة الحسابيّة لن تتحقّق أبدًا».
إضافةً إلى ذلك عدم امتلاك ديون دراسية -يشيرُ كلّ من (نوفل وفسينغ)، إضافةً إلى الزّوجين (فروقل وودز) إلى أنّ هذا الأمر مهّد طريقهم إلى الاستقلال المالي.
ثمّة عامل آخر أقلّ وضوحًا في نجاح كثيـرٍ من المتقاعدين مبكّرًا: امتياز اجتماعي. تحدّث الزّجان (فروقل وودز) بصراحةٍ عن هذا الموضوع. في إحدى تدويناتهم كتبا عن: كيف ساعدهم التّعليمُ الجيّد لوالديهما، وانتماؤهما إلى الطّبقة الوسطى على أن يحصلا هما على تعليمٍ جيّدٍ أيضًا، ووظائف ذات دخل مناسب، ويبدآن بطريق التّقاعد المبكّر في المقام الأوّل.
تُعدّ المسؤوليّة الشّخصيّة موضوعًا رئيسًا في كثيـرٍ من مدوّنات الاستقلال الماليّ ومنتدياته -إذا ما أخذ النّاس مزيدًا من السّيطرة على أموالهم وحياتهم، فمنطقيًّا، يُمكن بأيسر ممّا يتوقّعون أن يحقّقوا التّقاعد المبكّر. قد يكون ذلك صحيحًا؛ ولكنها أضافت «اللّعبة مهيّأة» في صالحهم وضد آخرين غيرهم كُثر.

إنّه ليس تقاعدًا؛ إنّه تقاعدٌ
أشهر المصطلحات شيوعًا لما أنجزه هؤلاء الأشخاص -الخروج من عالم الوظيفة والسّعي وراء اهتماماتهم عقودًا قبل أي أحد منّا - هو «تقاعد مبكر»؛ ولكن هذه العبارة هي بحدّ ذاتها مثيـرة للجدل داخل المجموعة. كثيرٌ من الأشخاص الآخرين يفضّلون عبارة «استقلال مالي»، لما يتضمّنه التّقاعد من استرخاء وعدم إنتاجيّة لبقيّة الحياة. في الواقع، كثيـرٌ من المتقاعدين مبكّرًا ينتهي بهم الأمر إلى أن يعملوا مجدّدًا -إلّا إنّهم لا يضطرّون إلى العمل في الوظائف التّقليديّة الّتي احتاجوا إلى العمل فيها لتحقيق دخل.
كتب (جيكوب لوند فِسكر) في مدونة Early Retirement Extreme: «أنْ تتحرّر من الحاجةِ إلى العمل لتسديد الفواتير، كثيرٌ [من المتقاعدين مبكّرًا] يخطّطون للتّقاعد من حياتهم المهنيّة بمعنى عدم العمل في تلك الوظيفة».
ما يرمي إليه التقاعد المبكر (أو الاستقلال الماليّ، إذا كان هذا المصطلح الّذي تُفضّله) ويستهدفه أن تملك قدرًا كافيًا من المال لئلا تحتاجُ إلى العمل مرّة أخرى. لكن هذا لا يعني أنّ التّقاعد المبكّر لن يتحقّق إذا ما أرادوا الاستمرار في العمل. يُخطّط الزّوجان (فروقل وودز) إلى التّقاعد مقابل العيش في مزرعةٍ في ولاية فيرمونت، وأن يحقّقا اكتفاءً ذاتيًّا بقدر ما هو مُمكن؛ في حين أنّ (ماك كري) يقول إنّه قد يعمل مستشارًا لمشروعات أصدقائه النّاشئة في مقابل الحصول على أسهم.
في حين قد نتساءلُ ما إذا كان التقاعد المبكر مملًّا، يشرعُ (فِسكر) في استعراض كلّ الأشياء الّتي يمكنك فعلها غير الجلوس على المكتب: «[التّقاعد المبكر] غالبًا ما يعني ممارسة بعض الأعمال الأخرى الّتي تكون ذات معنى أكبـر [من العمل] لديهم؛ ولكن يصعب تحقيق دخل كافٍ منها مثل: تربية الأطفال، وإنقاذ العالم، وتسلّق الجبال، والفنّ، والبرمجة مفتوحة المصدر، والكتابة، إلخ… إنّه لا يعني ممارسة لا شيء».


ما سبب نجاح هاروكي موراكامي؟













ما سبب نجاح هاروكي موراكامي؟
بقلم: رودولف
ترجمة: علي الصباح





يُعَد هاروكي موراكامي عملاق أدبيّ ذو تأثير كبير وشهرة عالمية. تُرجمت أعماله إلى أكثر من لغة وفاز بالعديد من الجوائز، من بينها جائزة فرانز كافكا.

بكونه كاتبا معاصراً، استطاع موراكامي إنتاج أسلوب أدبي يجعل الحدود تتماهى بين الأدب "الخالص" و"الشعبي". رغم أنه من اليابان، إلا أنه يُغرق أعماله بإحالات من الثقافة الشعبية، الأمريكية غالباً، مما سبب له الكثير من النقد داخل بلاده. “نجاح موراكامي يتعاظم إذا ما عرفنا أن بعض الكتّاب اليابانييّن بمؤهلات فائقة، مثل الكاتب الحائز على جائزة نوبل كنزابورو أوي، لم يصلوا إلى قرّاء خارج بلادهم الأصلية بحجم قرّاء موراكامي".


بلا شك، هناك سبب وراء النجاح العالمي لهذا الكاتب الياباني. بمعنى، يلزم وجود تفسير لكون أعمال موراكامي سهلة المنال عالميا ويمكن الارتباط بها، خاصة في أمريكا وبلده الأصلي، اليابان.

ماثيو ريچارد شوزيك، الباحث في الأدب المقارن، حاول أن يفك غموض عالميّة موراكامي بعدد من التفسيرات، كل واحد منها معتبَر ومسوَّغ. شوزيك بالتأكيد ليس الأول ولا الوحيد الذي وضع هذه المسألة بعين الاعتبار، لكن وجدت أن وجهات نظره هي الأكثر إقناعا وتميّزا. مع ذلك، هذه المقالة ستناقش تفسيراّ آخر للقبول العالمي لكتابات موراكامي، والذي كان سيجد اهتماما، لو تم الإقرار به من قبل الباحثين الآخرين.


ذلك الاستخدام للأسلوب ما بعد الحداثي لهاروكي موراكامي جعل أعماله متيسرة على نطاق عالمي واسع. في سبيل دعم هذه الحجة، سأختبر نجاح هاروكي موراكامي، صفاته التي يمكن تصنيفها على أنها "يابانية"، "أمريكية"، أو غير محددة، والأسباب التي استعرضها شوزيك. بينما أحيل إلى العديد من الأعمال، سنركّز على النجاح المبكر المهم لموراكامي، رواية مطاردة خروف بري (١٩٨٢)، الجزء الثاني من ثلاثية الجرذ.


مفهوم تقسيم الأدب، وربما كل الأنماط الفنية، إلى فئتين إما "خالصة" أو "شعبية"، تبدو مبتذلة وغير قائمة على أساس. لكنها تحقق غرضا مفيدا لفهم موقع موراكامي ككاتب. تُعرّف توشيكو إلّيس هذه الفئتين إلى "خالصة" وتعني "الأدب للقرّاء الذين يستمتعون بقراءة الأدب 'بجديّة'"، و"الشعبي" على أنه "الأدب للجمهور الأوسع الذي يقرأ للمتعة".

هذا التمييّز مشابه لوضع حدود بين الفن الرفيع والفن المتدني، فنٌ للفنانين وفنٌ للجميع. من المهم النظر إلى موراكامي في هذا السّياق لأنه أثبت أنه كاتب لكلّ من الفن الرفيع، للطبقة المثقفة، وللقارئ العاديّ. تقول إلّيس وهي تشير إلى من تعدهما أشهر كاتبين منذ الثمانينات "هاروكي موراكامي ويوشيموتو بانانا كتبوا أعمالا يصعب تصنيفها على إنها إما 'خالصة' أو 'شعبية'. مصطلح جديد، أدب 'المابين'، صيغ نتيجة لذلك".

هناك من يرى أن مدخلات موراكامي من الثقافة الشعبية الأمريكية، أو كما يحلو للبعض وصفها بانعتاقه من الثقافة اليابانية، هي التي حطّت أعماله من أن تكون خالصة ولهذا السبب هي مقبولة عند عامة القرّاء. لا يحتاج المرء إلى البحث طويلا ليجد أمثلة لذلك من نصوص موراكامي: "تلك كانت أيام فرقة دورز، ذا ستونز، ذا بيردز، ديپ پيرپل، وموودي بلوز". "أحدهما كان ذا آلامو. أول إخراج لجون واين".

“من ناحية أخرى، شعبية [موراكامي] تدفعه ليلعب دورا عند الجمهور المثقف، بينما في الجانب الآخر، توظيفه لما يبدو تافه ظاهريا، والأكثر أهمية، التقاليد غير اليابانية بشكل صريح تبدو أنها تمنعه عن ذلك الدور". 


هنا يحتج ستيفن هانتكي بأن موراكامي تبنى الأسلوب "الشعبي" من أدب التحريات الصلب hard-boiled detective (نوع من أدب الجريمة، مشابه للأدب الإجرامي Noir fiction، اشتهر في عشرينات القرن العشرين واحتوى على ألغاز تُكشف من قبل شخصيات محققة قوية وغامضة)، في سبيل الوصول والتأثير على مجامع قرائية كبيرة في العالم، حيث لم يعد الأدب اليوم وسيط اجتماعي كافٍ.

حجة هانتكي قد تكون صحيحة وقد لا تكون، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كتابات يوشيموتو بانانا أيضا تعد من ضمن فئة "المابين" مع ذلك غير معروف عنها أنها تستخدم الأنواع الأدبية الأمريكية; لكن حجته هي عامل معقول لموقع موراكامي في المابين، بين كل من الثقافتين ومستوى المثقفين. في الحقيقة، أحد حجج شوزيك الرئيسة للنجاح الكوني لموراكامي هي كون الكاتب "أجنبي عالميا". لذلك، المزيج الموراكامي من الأصل الياباني والتأثيرات الأمريكية يجعله لا يكون أديباً يابانياً ولا أمريكياً، لكن شيء ما غير مصنّف. "الطبقة المثقفة اليابانية تتهكم على موراكامي الذي يعيش خارج اليابان لأكثر من عقدين… النقاد الأمريكان غالبا ما يتعاملون مع أدب المؤلف بكونه غير منفصل عن إرثه الثقافي".

لنفهم موقع موراكامي فيما بين الثقافات بشكل أفضل، يتعيّن علينا فهم صفاته على كلا الجانبين. أي، علينا أن نميّز بين ما يُؤمرِك الكاتب وما يكشف ثقافته اليابانية. بخصوص عناصر موراكامي الأمريكية، رأينا استخدامه للثقافة الشعبية الأمريكية والأنواع الأدبية الأمريكية (أدب التحريات الصلب). أيضا التلميحات بأن أبطال موراكامي يُظهرون سمات الشخصية الأمريكية، لكن هذا الزعم ليس مدعوماً كما يجب.

عوضاً عن ذلك، يبدو أكثر معقولية أن نوجّه التّهمة إلى بطل موراكامي بوجود تأثيرات أمريكية لديه، ربما بنفس الطريقة التي يكون فيها المؤلف متأثراً. بالإضافة إلى ذلك، موراكامي قضى العديد من السّنوات في أمريكا وصرّح بأن "الثقافة اليابانية غدت غير مألوفة له نتيجة لـ 'المنفى الاختياري' [عن اليابان]". لذلك، أبطال موراكامي، والذين غالبا ما يُظهرون عناصر من المؤلف فيهم، ككتاب أيضاً، تأثروا أو اُستمدوا نفس المؤثرات الثقافية التي كانت محيطة بموراكامي نفسه في الولايات المتحدة.

أما بالنسبة للعناصر اليابانية لموراكامي، فقد وجدت الإمساك بها أكثر صعوبة. مع الجيل الجديد من الكتاب اليابانيين "هكذا وعي للأصالة اليابانية لم يعد يحتل مكانة مركزية في أعمالهم… علاقة الكاتب-الوطن لم تعد تحدد نقطة الانطلاق الأساسية للنشاط الكتابي".


رغم هذا التغيّر الأدبي، هناك بعض المفاهيم المميزة. مع أن موراكامي يعرض الإحالات الثقافية الأمريكية التي لاحظها بعد مغادرته لليابان، يظل إرثه جزء من شخصيته. بنفس الطريقة التي لا يتمكن فيها النقاد الأمريكان من دراسة موراكامي دون خلفيته اليابانية، لذلك لا يتم إخراج ذلك الإرث عن الكاتب نفسه.

تقول إلّيس، بالإشارة إلى مانازورا: "إنها الحدود بين هذا العالم والآخر هي التي تلاشت، مما أتاح للبطل أن يتجول عبر المكان والزمان، مصحوباً بظل الموتى. هذا موضوع مألوف في الأدب الياباني". برز هذا المفهوم في الفصول الأخيرة من رواية مطاردة خروف بريّ، حيث أخيراً واجه البطل الجرذ، الذي من المفترض يكون الذات الأخرى له. بينما كان ينتظر وصول صديقه، حيث كان ظهوره من عدمه ما يزال غامضاً، أفشى البطل أمراً بأنه: "سيكون هنا السّاعة العاشرة مساء". حين لم يأتي الجرذ، انكشف سر: "أنت ميت أصلاً، أليس كذلك؟ … قال الجرذ 'هذا صحيح، أنا ميت'".

هناك أمثلة أخرى ملحوظة في الأصالة اليابانية لموراكامي. إطار أعماله غالباً يبدأ وينتهي في أماكن يابانية. كذلك، العلاقات بين شخصيات موراكامي معقدة وقوية وحزينة على نحو لا يُصدق. أرى أن توظيف العلاقات القوية أمراً يابانيّا لأنه موجود عند الكثير من الكتّاب اليابانيين. رواية كوكورو لناتسومي سوسيكي، على سبيل المثال، تقوم كلياً على العلاقات القوية، رغم ما تنطوي عليه من وجع. في روايّة مطاردة خروف بريّ، الرابط بين البطل والفتاة ذات الأُذن هو المحبة والمودة، وهي صفات تكاد لا تُعار أي اهتمام في روايات ما بعد الحداثة الأمريكية. في الحقيقة، أغلب روايات ما بعد الحداثة المعاصرة تعرض علاقاتٍ بائسة أو ميتة: كما في أعمال الروائيين الأمريكين دون ديليلو وثوماس بينشون.


الآن بعد أن صار لدينا فهم لمختلف المدخلات الثقافية الموجودة في أعمال موراكامي، وهذه أهم نقطة طرحها شوزيك، يمكننا الانتقال إلى آرائه الأخرى ومناقشة ما بعد حداثة كتابات موراكامي على أنها عامل إضافيّ لعالميته. قبل ذلك، سأحاول بسط مفاهيم ما بعد الحداثة.


ما بعد الحداثة، كما يعرّفها جان فرانسوا ليوتار، هي الاستدعاء المعاصر لما هو غير صالح للتقديم في الحاضر، ما يرفض الركون إلى القوالب الصحيحة، يرفض الذوق المتفق عليه بما يفسح المجال لتجربة جمعيّة من الحنين للمستحيل، ويدفع إلى التساؤل عن حاضر جديد -ليس للتمتّع فيه بل لتوليد الشعور بوجود شيء عصيّ على الحضور... [العمل] ليس مبنيا مبدئيا على قواعد مسبقة ولا يمكن الحكم عليه وفق أحكام حاسمة… تلك القواعد أو التصنيفات هي ما يبحثها العمل أو النص.

من جهة أخرى، ما بعد الحداثة تدرس بنية الثقافة وهيكلها ومبادئها التوجيهية، بهذه الحال، الأدب، وتجد متعة في المساءلة، في الغوص عميقا داخل متاهة من المعنى حتى تفقد الأشياء معناها، حيث يمكننا بعد ذلك تأملها.

ما بعد الحداثة، كأسلوب في كتابة موراكامي، كما سأوضح، بالتأكيد تضيف إلى ما يتلقاه الكاتب من قبول نقدي على نطاق عالمي.


الإشارة المستمرة إلى الثقافة الشعبية الأمريكية التي نجدها في أعمال موراكامي لها جذورها في ما بعد الحداثة. صحيحٌ ادعاء شوزيك بأن إشارة الكاتب المستمرة إلى الموسيقى والأفلام الغربية تعزله عن قرّاءه اليابانيين، لكن موراكامي لا يقوم بذلك لهذا الهدف. يشير شوزيك، عند حديثه عن نجاحات موراكامي، إلى رواية نهاية يوميات طائر، بأن الشخصية الرئيسة "تتحدث عن الجاز، تقضم الكوكيز، تستمع إلى آلن جينزبيرغ وكيث ريجارد، تشرب القهوة". إلخ.

استخدام موراكامي لهذه الإشارات الغربية يخدم في إتاحة التعليق على الثقافة الغربية بقدر ما تحمل من تأثيرات على شخصياته. أي أن موراكامي يريد من قرّاءه التمعن بما تحدثه هذه التأثيرات، وما الذي تفعله في الناس. على نفس المنوال الذي جعل همبرت همبرت في رواية لوليتا للكاتب فلاديمير نابوكوف محاطا بالممارسات التجارية الأمريكية ودائم الإشارة إليها، كذلك موراكامي يعبّر عن وسائل الإعلام المحيطة به وبشخصياته. الفكرة بالتحديد هي للتفكير وللنظر في المعنى والآثار الناتجة عن كل وسائل الإعلام، ولهذا التأثير على الثقافة الإنسانية في كل مكان.


في جميع أعمال موراكامي، تظهر أسماء الشّخصيات -وحتى الشخصيات ذاتها-بشكل غير مألوف تماما. في رواية مطاردة خروف بريّ، لا يوجد أسماء اعتيادية أو مناسبة، باستثناء الجرذ والراعي، أو الرئيس. يظلّ بطل الرواية بلا اسم، بالرّغم من أنه يعرّف نفسه على أنه "بوكو boku، كلمة شبيهة بكلمة 'أنا'، إلا أنها أكثر تواضعا".

كل من شوزيك وهانتكي يقدمان تفسيرات لشخصيات موراكامي التي بلا اسم. اتهام موراكامي بأنه "يوظِّف هذه الشخصية الرئيسة عبر عمله، بأن يجعله غالبا بلا اسم ليتيح للقارئ أن يستمر في إسقاطه من رواية إلى التي تليها" (هانتكي) تبدو كفكرة شائعة، لكنها محدودة. يحتج شوزيك بأن اللّعب على الأسماء يخدم على تثبيت عمل موراكامي في حالة غير موجودة من الغربة. لهذا السبب، تصبح شخصياته غريبة لكل من القارئ الياباني والأمريكي: "مرة أخرى تكون الشخصيات بمدى الغرابة أو التفاهة التي يكسوها بها القراء" (شوزيك).

بينما قد تكون هذه الآراء صحيحة، ربما آراء شوزيك أكثر من هانتكي، مفهوم التسمية والتصنيف هو إجراء شكليّ يحاول موراكامي بكونه كاتباً ما بعد حداثي تحاشيه في سبيل كشف خلوّه من المعنى. نجد هذا الأسلوب في أعمال أخرى، مثل رواية The Crying of Lot 49 لتوماس بينشون، حيث كان اسم البطل أوديب Oedipa. بشكل جليّ، الاسم هو إحالة إلى مسرحية الملك أوديب لسوفوكليس، بالرّغم من ذلك، شخصية أوديب عند بينشون لا تسلّم أبدا لهذه الرمزية. عوضا عن ذلك، يخدم الاسم في إبراز انتفاء المعنى في أسلوب الإحالة والترميز. هذه المحاولة للعب على مفهوم التسمية هي هدف موراكامي، ونتيجة لذلك، أدت إلى تأويلات مثل التي قدمها شوزيك وهانتكي.


ختاماً، أدرك وجود عوامل عديدة نضعها في عين الاعتبار، وأسباب كثيرة وراء نجاح موراكامي. تطرّقنا هنا للعديد منها، وربما تركنا العديد أيضا. هذه مجرد أمثلة محددة لشعبية موراكامي، وارتباطها، كنتيجةٍ لأسلوبه ما بعد الحداثي في الكتابة، والذي بلا شك يعد سبباً للجزء الأكبر من نجاح هاروكي موراكامي.