قصة قصيرة: العشاء الأخير



Source: novica.com



هناك أشخاص يعيشون هروبًا يوميًا من حياتهم, إما لأنهم تورّطوا في سلوك دربٍ لم يعودوا يتواءمون معه, أو لأنّ هنالك من فرضها عليهم. عرفت لاحقًا أنّ كلّ الأصدقاء المجتمعين للعشاء الليلةَ هاربٌ بطريقته، ولكلّ واحدٍ منهم سرٌ يكبّله, يخنقه, يعمّق وحدته.
بعض التفاصيل التي سأرويها عرفتها منهم مباشرةً، وبعضها الآخر خمّنتها حسب معرفتي بهم. ففي لحظةٍ ما من حياتهم كان لزامًا عليهم أن يتوقفوا لمصارحة ذواتهم والآخرين. المصارحة التي حاولوا تجنّبها قدر المستطاع، تهربًا من تحمّل المسؤولية. فالمصارحة تحمّل قائلها مسؤولية تبعاتها على متلقيها. لا تستطيع أن تلقيَ عليه ما يعكّر رصيد ذكرياته عنكَ وتطلعاته إليك, وتمضي. الأمرُ أكثر تعقيدًا.

- - -

استيقظت صباح اليوم مترقبًا عشاء الليلة. فمع نهاية كلّ فصلٍ دراسيّ يدعوني أحد الأصدقاء من معهد اللغة الإنگليزية في كاليفورنيا، في ختام دراستهم، واستعدادًا للعودة إلى أوطانهم، إلى حفلةٍ وداعية نملؤها بالذكريات والوعود، حفلةٍ أشبه ما تكون بغروب شمس نهارٍ قضيناه في رحلةٍ مبهجةٍ. ستكون الحفلة الليلةَ في شقتي التي دعوتهم إليها لنتشارك العشاء والحديث الأخير بيننا قبل أن نرحل.
عند الساعة السادسة باشرتُ غسلَ الخضروات وتقطيعها لأعدّ معكرونة پِنّه penne مع الروبيان والسبانخ والمشروم والبصل وصلصة الطماطم على صوت محمود درويش, الآتي من هاتفي, وهو يلقي إحدى قصائده.
قبل تمام الساعة السابعة بقليلٍ وصلت يونجي، هتفت وهي تضع طبقَها على الطاولة الدائرية الواقعة بين المطبخ والصالة, "أعددتُ كيمچي مع الرز المقلي". أشرتُ إلى المعكرونة، "شارفتُ على الانتهاء". تمايلت مبتسمةً تتنسم رائحتها وهي تقترب مني, "أوه، معكرونة بالروبيان! أجزم يا نواف أنك لا تحسن تطبخ غيرها".

يونجي تعدّت الثلاثين من عمرها, إلا أنّ ملامح وجهها ما تزال طفوليةً، وروحها دائمًا مرحةٌ بما يليق مع عملها ممرضةً. كانت ترتدي طِماقًا أسود legging مع بلوزةٍ بنفسجيةٍ عليها صورة سلحفاةٍ سماويةٍ ذاتِ رقبةٍ طويلةٍ (قد يكون ديناصورًا)، وشعرها يلامس منتصف ظهرها. تسعى إلى المحافظة على نمط حياةٍ شبيهٍ بحياتها في كوريا الجنوبية؛ فتحرص على حضور الصلاة كلَّ أحدٍ في إحدى الكنائس الپروتستانتية، وتحضر دروس تفسير الإنجيل مرةً في الشهر، ومذ عرفتها لا أذكر أنّها فوتت الذهاب إلى النادي الصحي إلّا نادًرا، وهي مع ذلك لا تُعَد، حسب المعايير الشرق-آسيوية، نحيلةً بما يكفي. أشياء كثيرةٌ طرأتْ عليها خلال إقامتها هنا، عقلها صار يحمل أفكارًا لم تراودها من قبل، وأسئلةً. خليلها يعمل قسيسًا في كوريا، وهي لم تره منذ سنةٍ تقريبًا. أخبرتني أنّ والدتها اعتنقت المسيحية بعد أن توفيَ والدها بحادث سيارةٍ وهي مازالت تحبو. فنشأت نشأةً دينيةً مغايرةً عن محيطها. لعلّ والدتها ظنّت أنّ حرمانها من زوجها بوفاته المفاجئة, وهو في أواخر عشريناته, كان رسالةً وعقوبةً لها من القدر على حياتها المليئة باللهو واللعب واقتناص الملذات، فخافت أن تُعاقَب أيضا بحرمانها من ابنتها الوحيدة. فما كان منها إلّا أن اختارت تغيير حياتها رأسًا على عقب, وأن تبدّل محيطها وعلاقاتها بشكلٍ كاملٍ، وأن تتطوعّ بجلّ وقتها في خدمة الكنيسة؛ لذلك نشأتْ يونجي وهي تتعلم ألّا تخطو أيّة خطوةٍ قبل أن تتأكدَ من أنّ المسيحَ سيكون موافقًا عليها.
كنت أحرّك المعكرونة التي شارفت على النضوج حين دخل إيتارو ووضع لوحَ التزلج ذا العجلات عند الباب. التفتَ إلينا وحيَّانا، "كيف حالكم؟". حدَّقتْ به يونجي، "أهلاً إيتارو، ماذا جلبتَ معك؟". ابتسم في وجهها ورفع كيسًا يحتوي على زجاجة نبيذٍ أحمر ومجموعةٍ متنوعة من الأجبان ووضعها على الطاولة، ثم أسرع إلى الحمام.
إيتارو أصغرنا، مازال في العشرين من عمره، وملامح وجهه الآسيوية تجعله يبدو أصغر من ذلك بعدة سنوات. قرر أن يدرس الطب في جامعة كيوتو باليابان بعد إلحاحٍ من والديه، وبعثته جامعته إلى هنا ليدرس الإنگليزية لمدة سنة. التقيت به أوّل مرة حين انتقلت إلى هذه الشقة. اعتدنا في عُطَل نهاية الأسبوع أن نستأجرَ الأفلام ونشاهدها برفقة أصدقائنا. هو لا يحسن التصرفَ مع الفتيات, وفي أوقات فراغه يعزف على الفلوت flute. في تلك الليلة كان يلبس شورتًا رياضيًا أبيضَ مع بلوزة سماويةٍ فاتحةٍ.
حدٌقت يونجي في شاشة هاتفي وهي تخفض صوته, "أنت محظوظ في سكنك مع شخصٍ هادئٍ مثل إيتارو. الفتيات اللاتي أعيش معهن مزعجاتٌ جدًا، يا إلهي، فوق ما تتصور". أطفأتُ النار وأضفتُ جبنةً مبروشةً فوق المعكرونة التي يتطاير منها البخار، ثمّ أغلقت القِدر وحملته إلى الطاولة المستديرة، "هو بالفعل هادئ أكثر من اللازم. وغالبًا ما يمكث في غرفته". في تلك اللحظات، وصل إيكارت وقد أحضر سلطةً أعدّها من الكرنب الأحمر والفاصوليا البيضاء والفليفلة الخضراء والذرة مع صلصة الخلّ والليمون. حيّانا ووضع طبقه على الطاولة. متأنقًا كعادته؛ يرتدي بنطلونًا خاكيًا مع قميصٍ برتقاليّ غامقٍ تبرز منه عضلات ساعديه، وحذاءً بنيًا. قامته طويلة، وملامح وجهه هادئةٌ وتعابيره رزينةٌ. يلبس نظارة بإطارٍ أسودَ نحيلٍ ويعتمر قبعةً سوداء عليها حرفي NY متداخلين, يغطي بها صلعته. عمره اثنتان وأربعون سنة زوجته تدير أحد المتاحف الألمانية وهو يعمل مدرسًا جامعيًا للإقتصاد.

الشقة ليست كبيرةً. بعد الدخول من الباب تكون غرفة إيتارو جهة اليمين، والمطبخ على اليسار مفتوحًا على الصالة التي تحتوي على ثلاث كنبات، الأولى كبيرةٌ ومواجهةٌ للتلفاز وعلى طرفيها كنبتين صغيرتين بينهما طاولةٌ خشبيةٌ مستطيلةٌ، ثمّ البلكونة المطلّة على الشارع الرئيس، وقبل باب البلكونة يقع باب غرفتي يمينًا، وبين المطبخ والصالة تقع الطاولة المستديرة.

فتح إيكارت الثلاجة وصاح بي, "لا يوجد إلا ثلاث زجاجات من البيرة!". أخبرته وأنا أرتّب الطعام على الطاولة أن جستن سيجلب معه ما يكفي من البيرة. نبهتني يونجي, "هذه الطاولة لن تسعنا كلنا، لم لا ننتقل إلى الطاولة الأخرى؟". وافقناها وشرعنا ننقل الطعام إلى الطاولة المستطيلة. وفي ذلك الوقت، انضمّ إلينا إيتارو، ووصل جستن حاملًا دزينةً من بيرة "بلو مون" وضع نصفَها في الثلاجة.
جستن لا يحبّ شرب الكحوليات، لكن لم يكنْ يدري ماذا يجب عليه أن يجلبَ معه, ولم يبدِ اعتراضًا حين طلبت منه أن يتكفّل بشراء البيرة. أوّل مرة رأيته فيها كان في حرم الجامعة التي يقع فيها معهد اللغة، خلال وقفة نظّمها الطلبة تضامنًا مع ضحايا إحدى الاعتداءات الإسرائيلية على غزة. كان متلفعًا بالكوفيّة الفلسطينية بين مجموعة طلابٍ يشكلون حلقةً ويحملون الشموع. في المدّة التي عرفته فيها، كانت كلّ علاقاته مقتصرةً على طالباتٍ عربياتٍ مبتعثاتٍ، وكان أكثر أصدقائه من الطلبة العرب. ليس في ملامحه أيّ أثرٍ يدل على والدته الفلبينية. شكله يميل أكثر إلى أبيه التركي. عقله متحررٌ جدًا ومتقبّل لكلّ الناس على اختلافاتهم، يحضر الكثير من الحفلات التي يقيمها الطلبة  في نهاية كلّ أسبوعٍ. شخصيته اجتماعيةٌ ومرحةٌ. في أعماقه يشمئز من خوض حكومته حروبًا غير مسوّغةٍ في الشرق الأوسط، كثيرًا ما عبّر عن تذمّره حيال ذلك, ويسعى إلى المشاركة في المظاهرات والوقفات الاحتجاجية كلّما سنحت له. في تلك الليلة كان يرتدي جينزًا أزرق، عليه بقعٌ باهتةٌ، مع قميص پولو أسود.
تذمرت يونجي, "كلّها أيّام قليلة ونرحل إلى بلداننا". قال إيتارو, "لا أريد العودة إلى اليابان". تساءلت يونجي, "ألا تشتاق لأهلك وأصدقائك؟". زم شفتيه، "والداي تقليديان إلى أبعد الحدود. لديهم تصوّراتٌ مثاليةٌ عن الحياة. يريداني أن أقصرَ اهتماماتي كلها على الدراسة والتفوق فيها، وألّا أقضيَ وقتي في ممارسة الرياضة أو الذهاب إلى السينما أو العزف. يرون كلّ هذه الاهتماماتِ هراءً يصرفني عن بلوغ مرتبةٍ مهنيّةٍ عاليةٍ, وذلك ما لا يليق بي. أتمتّع بحريةٍ وافرةٍ هنا، حين أعود سأختنق".
كلّنا كنّا مدركين لحقيقة أنّ اجتماعنا الليلة قد يكون آخر لقاءٍ بيننا. وأنّ الجميع حين يرحلون سينسى بعضُهم الآخر، وسننهمك في حياتنا اليومية. أليس محزنًا أن هذه الصداقات رغم جمالها وعمقها لا تستمر؟
التفت إليّ إيكارت وسألني, "كم درجة الحرارة الآن في الكويت يا نواف؟". أجبته, "جحيم!". سألني جستن, "هل حسمت أمرك بخصوص إكمال دراسة الماجستير؟". نظرت إليه بكسلٍ, "سأبحث عن وظيفة عوضًا عن ذلك، إن أكملتُ دراستي الآن فسأتجاوز الثلاثين وأنا بعد لا أملك أيّة خبرةٍ في العمل". حدّقت يونجي إليّ، "ماذا عن الزواج؟ متى تتزوج؟". ليس لدي طاقةٌ تكفي لأكرّر إجابتي عن هذا السؤال، ولأختصر سألتها, "ما نوع هاتفكِ؟". رفعت حاجبيها, "سامسونگ گالاكسي". سألتها, "لو علمتِ قبل شرائك له، أنّه قد يفشل عن العمل بنسبة ٦٠٪‏، هل كنتِ ستشترينه؟". أجابت, "طبعًا لا. لماذا أشتري هاتفًا لا يعمل في أغلب الأوقات. سأشتري آيفون عوضًا عنه". رفعت سبابتي وهززتها باتجاهها، "بالضبط! تُظهر الإحصائيات أنّ ٦٠٪‏ من الزيجات تنتهي بالفشل. هناك أصنافٌ عديدةٌ من العلاقات الأخرى، وهي أكثر استقرارًا من الزواج". اعترضتْ, "لكنّ العلاقات الأخرى لا تقدم استقرارًا ولا نموًا، وهي غالبًا ما تكون مؤقتةً, لا تشبع رغباتِك الحقيقيةَ في الانتماء إلى شخصٍ ومشاركة حياتك معه وتكوين أسرةٍ وتربية أطفالٍ. بعد الثلاثين ستملّ من هذه العلاقات، ستسعى إلى علاقةٍ تكون أكثر صلابةً، أكثر عمقًا. حينها ستنظر إلى المرآة لتكتشف كم أضعت من عمرك في سبيل لا شيء". عقّبتُ, "بالرغم من كلّ هذه الأشياء التي توفّرها مؤسسة الزواج والأسرة إلّا أنّها لم تعد متماسكةً, سرعان ما تنهار. الكثير من أصدقائي الذين تزوّجوا شعروا بعد فترةٍ وجيزةٍ أنهم تورطوا في دوامةٍ من الروتين والملل وأعباء نفسية لا تنتهي، بعضهم تغيّرت شخصيته إلى الأسوأ ولم يعدْ يعرف كيف يعود كما كان, بعضهم أنجب أطفالًا ثم أدرك فداحة ما اقترف. كلّهم صاروا يتوقون أكثر وأكثر إلى حياة الحرية والاستقلالية التي تمتّعوا فيها قبل زواجهم". استوضحتْ, "وهل الحلّ أن تنفرَ من الزواج؟ لا تفكّر بسطحيّة يا نواف، تكوين أسرة أمرٌ يختلف عن الهواتف النقالة. أولئك الأزواج يتحمّلون مسؤولية عدم استمرارية زواجهم, وهذه التجربة بالنسبة إليهم ستمنحهم المزيدَ من الوعي في تجربتهم التالية, وستُعرِّفهم على أنفسهم بشكلٍ أعمق. لا تخشَ من التجربة الفاشلة. تكمن متعة الحياة بأنّها سلسةٌ من التجارب غير المتوقعة!". تدَّخل إيكارت, "كلام يونجي منطقي، الزواج يحقق أشياء لا تحققها العلاقات الأخرى؛ لذلك هو كنظامٍ للعلاقات استمرّ عدة آلاف من السنين منذ ابتكرته البشريّة أوّل مرةٍ، وسيظل، فنحن لا نملك نظامًا أفضل منه رغم كلّ ما يعتريه, مع وجود بعض المحاولات هنا وهناك لإيجاد بديلٍ أفضل". سأل جستن, "وما الذي يعتري الزواج؟". ردّ إيكارت دون تفكير, "إنّه يلزم الزوجين على الاكتفاء، جنسيًا، بشخصٍ واحدٍ طوال العمر، وهذا أمرٌ ليس باليسير. فبعد سنةٍ واحدةٍ من الزواج، أضمن لك، أنّك ستبدأ بالتفكير، فقط تفكير لا أقول أكثر, بأشخاصٍ آخرين، وستشعر حينها أنّك مقيدٌ؛ لهذا نجد الكثير من الأشخاص في القرن الماضي قرروا أن يطوّروا الزواج إلى علاقةٍ أكثر انفتاحًا". قاطعته يونجي, "تقصد open relationship؟". هزّ رأسَه قائلًا, "بالضبط. هكذا كان زواج الفيلسوف الفرنسي سارتر مع سيمون، وكذلك كان زواج برتراند راسل، الفيلسوف البريطاني. وهنالك الكثير من الإشاعات على أنّ زواج بعض الفنانين مثل براد بِت مع أنجلينا جولي هو علاقةٌ مفتوحةٌ, وكذلك زواج الممثل ويل سميث". عقّب إيتارو, "رأيي من رأي نواف، الزواج علاقةٌ باتت غير مستقرةٍ جدًّا بالنسبة لجيلنا، لا شكّ أنّنا سنتجاوزه بعد أجيالٍ قليلة, أرى هذا جليًا. رغم كلّ ما نعانيه في اليابان من تناقص السكان عامًا بعد عامٍ, نحن في سبيلنا إلى الانقراض، لكن لا يبدو أنّ هناك أيّ دافعٍ لدى الشباب للإقدام على نمط حياةٍ يتناسب أكثر مع الظروف التي عاشها أجدادنا". تدّخل جستن, "هذه تخبطات بشرٍ لا يعجبهم شيء. الأديان ضَبَطت الأمور وجعلتها واضحةً. نحن لسنا حيواناتٍ, لا يمكن أن نمارس الجنس مع أيّ شخصٍ نلتقيه، لأنّه أعجبنا ثمّ نمضي نمارس الجنس مع شخصٍ آخر, وهكذا دوالَيْك. الزواج يضفي على المجتمع استقرارًا ويحفظ حقوق الزوجين". قلت له, "الأديان جاءت في أزمنةٍ تختلف كليًا عن زمننا الحالي، المجتمعات أكثر تداخلًا وتعقيدًا اليوم". أصرّ جستن, "مهما حاولنا، لن نستطيع أن نصلَ إلى قوانين أفضل من القوانين الّتي اختارها لنا الرب". اعترض إيكارت, "لا أعتقد أنّ ثمة نموذجًا واحدًا مناسبًا الجميع؛ لذلك أرى في العلاقات المفتوحة حلًا جيدًا للكثيرين". تساءل جستن, "ألا ترى في هذه العلاقات استغلالًا للمرأة من الرجل الذي لا يريد أن يرتبط بامرأةٍ واحدةٍ؟ ما الفرق بينه وبين الخيانة إذًا؟ وماذا نفعل بالغيرة وهي غريزةٌ طبيعيةٌ عند كلّ الناس؟". اعتدل إيكارت في جلسته, "لا شك أنّ الغيرة غريزةٌ طبيعيةٌ عند الكل, لكنّها ليست مقصورةً على الزواج، فأنت تغار من زميلك في العمل إذا أطال مديرك في مدحه, وتغار إذا رأيتَ أقرب أصدقائك يقضي الكثير من الأوقات مع صديقٍ غيرك, لكنّك تعلّمتَ أن تكبتَ هذه الغيرة في تلك العلاقات, فلماذا حين نأتي إلى الزواج يصرّ كلّ شخصٍ على ألّا يتلفّظ قرينه بأيّ إطراءٍ على أحدٍ غيره، وألّا يُعجب بشخص غيره وألّا يحب شخصًا آخر؟ لا أرى سببًا مقنعًا لذلك سوى عدم النضج والأنانية. أمّا الخيانة, فقد يرى الزوج أنّ زوجته خانته حين تحتسي كوبًا من القهوة مع رجلٍ آخر, وقد لا يرى زوجٌ ثانٍ أنّ في ذلك خيانةً. قد ترى الزوجة أنّ زوجها يخونها حين يطيل التحديقَ إلى نادلات المطاعم الجميلات، أو حين يمارس الرياضة مع فتاةٍ يقابلها في النادي الرياضي، وقد لا ترى زوجةٌ أخرى أنّ هذه الأفعال تبلغ مرتبة الخيانة، فليس هناك تصرفٌ واحدٌ يتفق الجميع على تصنيفه بوصفه خيانةً. فالخيانة هي كسر القواعد المتّفق عليها، طالما أنّ هنالك اتفاقًا بينهما حول ما يجوز وما لا يجوز, يصير الخائن هو من يتجاوز ما اُتفق عليه, وهذا يختلف من شخصٍ إلى آخر. وليس في العلاقات المفتوحة أيّ استغلالٍ للمرأة, بالعكس, هي تجعل المرأة في مرتبةٍ متساويةٍ مع الرجل, لها الحقوق ذاتها التي له، وليست أداةً لنزواته". تدّخلت يونجي, "لا أتخيّلني أبدًا في علاقةٍ مفتوحةٍ. الغيرة تنهش قلبي". ضحك إيكارت, "لكل شخص ما يلائمه".

بعد أن انتهيت من تناول العشاء، أخذت علبة السجائر وتوجّهت إلى البلكونة. هتف بي إيكارت, "سأجلب بيرة من الثلاجة وأتبعك". كان الهواء لطيفًا. سياراتٌ قليلةٌ تعبر الشارع، وأفراد متناثرون يتجولون على أقدامهم. رنوت إلى السماء المرقشة بالنجوم، هذا العدد الوافر من النجوم يبعث في النفس طمأنينةً، مهما ابتعدتْ فثمَّة أعين تلحظني وتحيطني بعنايتها. أشعلت سيجارةً وخرج إليّ إيكارت حاملًا زجاجتيّ بلو مون, ناولني واحدةً وناولته السيجارة وأشعلت ثانية. كان قرار إيكارت بأن يأخذ إجازةً مفتوحةً ليطوّر لغته الإنگليزية، هو في حقيقته محاولةً للابتعاد عن حياته التي تسير على نفس الرتم في السنوات الأخيرة, وعلاقته مع زوجته التي غدت دوامةً لا فكاك منها من الرتابة بعد زواجٍ بدأ قبل  سبع عشرة سنةٍ، بعد علاقة حبٍ كانت عميقة.
رفع إيكارت قبعته لتكشف عن رأسه الأصلع، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ باهتةٌ وهو ينظر عاليًا, "أمارس الرياضة وأتناول طعاما صحيًا.. سيجارةٌ واحدةٌ من حين لآخر لن تؤثر". ارتدى قبعته وأخذ نفسًا عيمقًا من السيجارة. بعد لحظاتٍ من الصمت تكلمتُ أخيرًا بملامح محايدة, "بعد أيامٍ قليلةٍ سأرجع إلى بلادي، أجّلت هذه اللحظة أكثر من مرة. لم أعد قادرًا على تأجيلها أكثر". التفت إليّ بابتسامةٍ ساخرةٍ, "أنت مكثتَ هنا ثلاثَ سنوات فقط تتعلم اللغة. لو كانت اللغة الصينية لانتهيت من احترافها منذ زمنٍ طويلٍ". ضحكتُ, "ومازلتُ لا أُتقن الإنگليزية". سألني, "لماذا لا تريد العودة, ألهذه الدرجة أحببت الحياة في كاليفورنيا؟". أجبته, "هل تعرف الصدمة الثقافية العكسية reverse culture shock؟ أن تعتاد الحياة في ثقافةٍ بعيدةٍ عن ثقافتك الأصلية وتتكلم بلغةٍ غير لغتك الأم حتّى في مناماتك, وتكوّن علاقاتٍ وثيقةً مع أشخاص من تلك الثقافة, ثمّ بعد طول انقطاع, تحاول الدخول مرةً أخرى إلى ثقافتك الأصلية ومجتمعك ولغتك وأصدقائك، لتكتشف حجم تغيّرك عنهم, ومدى صعوبة الانضمام إليهم مجددًا كنسخةٍ مكررة لما كنتَ عليه سابقًا, وأن تحاول تتأقلم مع محيطك الجديد-القديم؟ هذه عمليةٌ ليست يسيرةً, الكثير ممّن عادوا إلى بلادهم غمرهم شعورٌ فظيعٌ بالصدمة, والكآبة, والرفض. صار همّهم الوحيد هو الفرار من هذا الواقع الجاثم. كلّما سمعت قصة أحدهم، أفكر أنّ عليّ أن أؤجلَ هذه اللحظة ما أمكنني, لعلّ أمرًا يحدث في المستقبل, لكن للأسف لم يحدث شيئًا". اتسّعت عيناه، "أعرف هذا الشعور، خبرته حين عدت في الإجازة الماضية إلى ألمانيا. لم يكن شعورًا مريحًا. لا أحد يستطيع أن يفهم ما مررتُ به، لا يبدو أن أحدًا يكترث. يمكنني أن أرى بوضوحٍ الفرق الجلي بين تفكيري وتفكير كلّ من هم حولي هناك. كنت فقط أفكّر بالعودة إلى هنا. زوجتي أحسَّت أن شيئًا ما قد تغيّر، لكن ليس بيدي حيلة". سألته, "ألا تريد أن تجدَ عملا هنا؟". صارحني, "بلا أدنى شك. قدَّمت أوراقي على أكثر من جامعةٍ وأنتظر الرد". استفسرت, "ماذا عن زوجتك؟". أخذ رشفةً, "هي لا تريد العيش خارج ألمانيا. عندما عدت في الإجازة السابقة أخبرتها بنيتي العمل في الخارج، لكنّها لا تريد. بتُّ ألحظ كيف أنّ كلينا يفكّر بشكلٍ مختلفٍ، يبدو أنّني تغيرت كثيرًا خلال مكوثي هنا، أو ربما منذ اللحظة التي قررت فيها القدوم إلى هنا, لا أدري. وجدت ذاتي التي افتقدتها قبل عدة سنواتٍ. بالمناسبة, حدَّثتني أيضا عن حلمٍ أقلقها كثيرا". تساءلت, "حلم؟". تكلم بجدية, "تقول إنّها رأت هذا الحلم مرارًا. نحن الاثنان نمسك بأيدي بعضنا بعضًا ونسير في سرورٍ على حافة جبٍل, إلى أن مرّت غيمة إلى جانبنا فقفزت إليها وناديتها، أن اقفزي، لكنّها خشيت الوقوع. ظللنا ننظر لبعضنا بعضًا والغيمة تبتعد. هبط طائرٌ أحمرُ فوق رأسي، فانشغلت به. صرخت تناديني بأعلى صوتها 'إيكارت، إيكارت، إيكارت'. لكنّ الغيمةَ ابتعدت كثيرًا، وتوارت في الأفق، والعصفور ما يزال على رأسي". بادرته, "ماذا يعني هذا الحلم؟". ألقى بعقب سيجارته من البلكونة, "لا أراه يحتاج إلى تفسيرٍ".
لم يكن لدى إيكارت ما يشتكي منه في زوجته. بينهم تفاهمٌ كبيرٌ, وهي تسانده لأبعد مدى, وتحبّه. لكنّ ما يثقل كاهله أنّه هو الذي تغيّرت مشاعره, لا يعرف كيف ولا لماذا. لم يعد يجد أيّة إثارةٍ في حياته معها. يخشى أن يحطّم قلبها, ويهدم هذه الحياة المستقرة. لا يريد أن يكون سببًا في إيذائها، وفي الوقت نفسه، يشعر أنّ حياتَه معها وصلت إلى طريقٍ مسدودٍ, ولا يريد أن يقضي بقية حياته مع إنسانة لم يعد يحبها كما كان. باتت تستهلكه ببرودٍ، لا يدري ماذا يجب عليه أن يفعل. لعلّه يعرف بالضبط ماذا يجب عليه أن يفعل; أن يصارحها. لكنه لا يريد تحمّل مسؤولية ما سيتبع تلك المصارحة، والأثر الذي سوف تتركه مصارحته فيها. مشكلة الصراحة أنّها تحتّم عليك أن تضع في عين الاعتبار كيف سيعيش متلقيها مع نتائجها.

حين خرجنا من البلكونة، كانت الأضواء خافتةً والأصدقاء يتابعون مسلسل House of Cards. زجاجة النبيذ تتوسط الطاولة مع صحنٍ فيه قطعٌ متنوعةٌ من الأجبان. وكأسان أمام يونجي وإيتارو. جميعهم يتابعون أحداث المسلسل مشدوهين. انغمست في الكنبة, يلفحني هواءٌ آتٍ من باب البلكونة المفتوح, مال رأسي إلى اليمين, وبعد لحظاتٍ قليلةٍ غفوت.

- - -

بعد تلك الليلة سافر كلّ واحدٍ منا إلى بلده باستثناء جستن. ومع الأيام خبا تواصلنا وانشغلنا بحياتنا. إيتارو خرج من منزل والديه وترك دراسة الطب. صار يعمل أيّام الأسبوع كمرشدٍ سياحيّ للزائرين الذين يريدون التعرف على معابد كيوتو. في عطلة نهاية الأسبوع يعمل مع فرقته الغنائية في حانة زاك باران Zac Baran في سرداب جامعة كيوتو. في آخر محادثةٍ بيننا شرح لي سبب قراره, "حين تحاصرك ظروفٌ لا تملك الخلاص منها, تصير بين خيارين: إمّا أن تمضي لحظات عمرك حنقًا وألماً, أو أن تتعلم كيف تتأقلم معها إلى أن تواتيك فرصة للنفاذ". إجادته للغة الإنگليزية فتحتْ له بابًا مكّنه من العمل في وظيفةٍ يجني منها ما يكفيه من مالٍ ليستقلّ ويزاول الحياة التي يريدها هو.

أمّا جستن فقد اعتنق الإسلام. أعفى لحيته, ونشط في جمع التبرعات لمساعدة المحتاجين. غدت صفحته في في الفيسبوك خاليةً إلا من أخبار الحروب الدائرة في الشرق الأوسط. ما يزال صوته يرنّ في أذني, "الظلم أعلى مرتبات الشرّ. غايتنا في الحياة أن نقيمَ العدل".

أما يونجي فعلى العكس من جستن. فقدت كل اهتمامٍ دينيّ, ولم تعد مسيحيةً. كانت تشعر دائمًا أنّ الدين يكبّلها بقيودٍ لا ترى لها مسوّغًا. غلب عليها الشكّ في كلّ معلومةٍ كانت تعرفها. كانت تقول, "الرومان كانوا يدوّنون كلّ شيءٍ, كيف فاتهم أن يدونوا أيّة معلومةٍ عن حياة يسوع وموته، لو كان موجودًا بالفعل في ذلك الوقت كما أخبرنا كتبة الأناجيل؟". أخبرتني أنّها ما تزال تملك السيرة الذاتية لستيفن هاوكينگ التي استعارتها مني حين كنّا في كاليفورنيا. لدهشتها, لاحظت أنّ قرارها بعدم الاستمرار في ممارستها الدينية, عوضًا عن أن يحررها من الدين, حاصرها دينيًا بشكلٍ أعمق. فصارت تقرأ بنهمٍ كتبًا في تاريخ الأديان, وكتبًا مقدسةً لأديانٍ أخرى, وتتابع مناظراتٍ دينيةً تلفزيونية, وتحضر جلسات نقاشٍ فكريةٍ. استمرت هكذا لمدة سنةٍ ونصف. إلى أن قررت أخيرًا أنّها لا تريد لحياتها أن تضيع هدرًا في هذه المجادلات. امتنعت عن تصنيف نفسها دينيًا. فهي ليست مسيحيةً, ولكنّها في الوقت نفسه ليست ملحدةً. لم تعد هذه المسألة تحتلّ أيّة مساحةٍ من الاهتمام لديها. حين قررتْ أن تصارح خطيبها بعزمها على مفارقته, لم يبدُ عليه أيّ تأثر, بدا صلبًا وواثقًا. كأنّه توقّع ذلك. في أقل من عشر دقائق طُويَت صفحتهما.
بعد انتهاء علاقتها بعامين, تعرّفت عبر إحدى صديقاتها إلى رجلٍ أمريكيّ من أصلٍ كوريّ يمتلك شركةً عقاريةً في الولايات المتحدة الأمريكية, وكان في زيارة لكوريا. هي الآن ترتّب لانتقالها إلى العمل في مستشفى جون هوبكنز بولاية ميريلاند.

إيكارت ما يزال يعيش مع زوجته وابنه الذي يدرس في الجامعة وابنته التي في الثانوية. محاولته لتجنب إيذاء مشاعر زوجته لم تفلح. رغم أنّه لم يصارحها بأيّ شيء, إلا أنّها كانت تشعر به, كانت تشعر بكلّ شيء. درّس لمدة سنة كاملة في الجامعة بعيدًا عن عائلته. وخلال تلك الفترة كانت له بعض العلاقات العابرة. كانت زوجته تتمثّل أمامه في كلّ مرة يمارس فيها الجنس مع امرأةٍ أخرى. علاقاته لم تذهب بعيدًا, سرعان ما كانت تخبو إثارتها بعد أسابيع قليلةٍ ليدرك أن لا شيء  يجمعه مع هذه المرأة أو تلك. ثم يطفو حنينه إلى زوجته مجددًا. قال لي, "الحبّ وحده لا يكفي. العلاقات يلزمها تطويرٌ دائمٌ من كلا الطرفين ومتابعة حتى تحافظَ على استمراريتها". هو الآن أكثر سعادةً بعد أن تأكد أنه أكثر انسجاما في العيش مع عائلته.

- - -

قبل أيامٍ قليلةٍ, بينما كنت أرتّب أدراجي المكتظّة بأشيائي القديمة, عثرتُ على قطعة فلاش ميموري حفظت فيها مئات الصور التي التقطتها في كاليفورنيا. جلست أشاهدها واحدةً تلو الأخرى. لم أنتبه إلا بعد مرور أكثر من ساعةٍ كاملةٍ من الحنين. الصور لم تكن كافيةً لاستدعاء كلّ عناصر الذكريات. أغلقت اللابتوب, وأخرجت زجاجة بلو مون من الثلاجة، تناولت الفتّاحة من درج المطبخ وفتحت الغطاء، مسكت كأس ستاين stein بيدي اليسرى وأملته جهة اليمين، صببت البيرة ببطءٍ حتى امتلأ. تابعت انبعاث الفقاعات من قاع الكأس حتى غمرت أعلاه بالزبد. رشفت رشفةً وأغمضت عينيّ وأنا أستشعر برودة السائل وهو يتمدد في فمي، ثم أشعلتُ سيجارة بينما أُنصت إلى صوت محمود درويش الآتي من هاتفي:

وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب.
وكُلَّما فَتَّشْتُ عن نفسي وجدتُ الآخرين.
وكُلَّما فتَّشْتُ عَنْهُمْ لم أَجد فيهم سوى نَفسي الغريبة،
هل أَنا الفَرْدُ الحُشُودُ؟
[..]
وأَنْظُرُ نحو نفسي في المرايا:
هل أَنا هُوَ؟
هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل الأخير؟
وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض،
      أَم فُرِضَتْ عليَّ؟
      [..]
وجلستُ خلف الباب أَنظُر:
هل أَنا هُوَ؟
هذه لُغَتي.
وهذا الصوت وَخْزُ دمي
ولكن المؤلِّف آخَرٌ…
أَنا لستُ مني إن أَتيتُ ولم أَصِلْ
أَنا لستُ منِّي إن نَطَقْتُ ولم أَقُلْ
أَنا مَنْ تَقُولُ له الحُروفُ الغامضاتُ:
اكتُبْ تَكُنْ!
واقرأْ تَجِدْ!
وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ،
يَتَّحِدْ ضدَّاكَ في المعنى …

وباطِنُكَ الشفيفُ هُوَ القصيدُ

الحياة قصيرة


source: http://coglil-attimo.webnode.it


الحياة قصيرة
بقلم: پول گراهام
ترجمة: علي الصباح


الحياة قصيرة, كما هو معروف. تساءلت كثيرا عن هذه الحقيقة عندما كنت طفلا. هل الحياة فعلا قصيرة, أو أننا في الواقع نتذمر من محدوديتها؟ هل سنظل نعتقد أن الحياة قصيرة لو كانت أعمارنا أطول بعشرة أضعاف؟


ولأن لا يبدو أن هناك وسيلة لمعرفة إجابة هذا السؤال, توقفت عن التساؤل حياله. ثم أنجبت أطفال. مما أمدني بوسيلة للإجابة على هذا السؤال, والجواب هو أن الحياة بالفعل قصيرة.


إنجاب الأطفال علّمني كيف أُحوّل قيمة متواصلة, الوقت, إلى قيمة غير مترابطة. لديك فقط 52 أسبوعا مع طفلك ذو العامين. إذا كنت معه في كل كريسماس من عمر 3 إلى 10, فيكون لديك فقط 8 مرات يمكنك أن ترى فيها طفلك وهو يحتفل به. وإن كان يتعذر تحديد الكثرة من القلة في أي كمية متواصلة, إلا أن 8 ليست بالكمية الكثيرة من أي شيء. إذا كان لديك 8 حبات من الفول السوداني, أو رف يحتوي على 8 كتب لتختار منها, حتما ستبدو هذه الكمية محدودة, بغض النظر عن مدة حياتك.


حسنا, الحياة إذًا قصيرة. هل معرفة ذلك تشكّل أي فارق؟


بالنسبة لي نعم. تعني أن مناقشات مثل "الحياة قصيرة جدا لـ س" لها أهمية عظيمة. ليس مجازا أن نقول أن الحياة قصيرة بالنسبة لشيء ما. إنه ليس مجرد مرادف للتكدير. إذا وجدت نفسك تفكر بأن الحياة قصيرة لممارسة شيء ما, فعليك أن تجرب التخلي عنه إن استطعت.


حين أسأل نفسي عن الأشياء التي وجدت أن الحياة قصيرة عنها, تقفز إلى ذهني كلمة "الهراء". لاحظت أن هذه الإجابة هي بشكل ما كلام مكرر. فيكاد يكون تعريف الهراء أنه الأشياء التي تقصر عنها الحياة. ومع ذلك للهراء صفات مميزة. هناك شيء مزيف حياله. إنه مثل وجبة سريعة من التجارب.


إذا سألت نفسك عن الوقت الذي تقضيه في الهراء, فأنت على الأرجح تعرف الإجابة. لقاءات غير ضرورية, مجادلات بلا هدف, بيروقراطية, التظاهر أمام الآخرين, التعامل مع أخطاء الآخرين, الازدحامات المرورية, فترات إدمانية سابقة ليس لها أي مردود مفيد.


هناك وسيلتان من خلالهما تدخل هذه الأشياء حياتك: إما بالإكراه أو بالإغواء. إلى حد ما عليك أن تتحمل الهراء الذي تفرضه عليك الظروف. عليك أن تجني المال, وجني المال يتضمن القيام بالعديد من الأعمال. طبعا قانون العرض والطلب ينص على أن: كلما زاد عائد عمل ما, تقلصت تكلفة انجازه. قد تكون كمية الهراء المفروضة عليك أقل مما تتصور. هناك دائما تلك المجاميع من الناس التي تنسحب من العمل الروتيني اليومي المتعارف عليه وتذهب لتعيش في مكان تكون الفرص فيه أقل, لكن الحياة تكون أكثر أصالة. قد يغدو ذلك شائعا في المستقبل.


يمكنك ممارسة الهراء على نطاق أصغر دون أن تنتقل. كمية الوقت التي يجب عليك أن تقضيها في الهراء تتفاوت بين مختلف أرباب العمل. معظم المنظمات الكبيرة (والكثير من الصغيرة) غارقة فيه. لكن إذا أعطيت أولوية أعلى لتفادي الهراء فوق المال والنفوذ فستجد رب عمل يستهلك فترات أقل من وقتك.


إذا كنت تعمل بشكل مستقل أو في شركة صغيرة, فيمكنك تنفيذ ذلك على المستوى الشخصي. إذا تفاديت أو تخلصت من زبائن سامّين, ستتمكن من تقليل كمية الهراء في حياتك بمعدل يفوق كمية الدخل التي قللتها.


بينما بعض الهراء مفروض عليك لا محالة, إلا أن الهراء الذي يتسلل إلى حياتك عبر إغوائك ليس خطأ أحد سواك. ومع ذلك, الهراء الذي تختاره قد يكون أصعب في التخلص من الهراء المفروض عليك. الأشياء التي تخدعك لتضيّع وقتك في الانغماس بها يلزمها أن تكون بارعة جدا في إغوائك. مثال على ذلك يألفه الجميع هو المجادلة على الانترنت. حين يعارضك شخص ما, فهو بشكل ما يهاجمك. أحيانا بوضوح. غريزتك تهب للدفاع عنك حين تتعرض للهجوم. لكن مثل الكثير من الغرائز, هذه لم تكن مصممة للعالم الذي نعيشه الآن. خلاف ما هو متوقع, في كثير من الأحيان الأفضل أن لا تدافع عن نفسك. وإلا استلب هؤلاء الأشخاص حياتك, حرفيا.


الجدال على الانترنت يسبب الإدمان بشكل تلقائي. هناك ما هو أخطر من ذلك. كما كتبت سابقا, أحد النتائج الثانوية للتقدم التكنولوجي أن الأشياء تميل لتغدو أكثر قابلية للإدمان. مما يعني أن علينا القيام بمجهود أكثر وعيا لتجنب السلوكيات الإدمانية - لنقف خارج ذواتنا ونسأل "هل هكذا أريد أن أقضي وقتي؟".


بالإضافة إلى تجنب الهراء على المرء أيضا أن يسعى إلى الأشياء المهمة. لكن هناك أشياء مختلفة تهم أشخاص مختلفون, وعلى الكثير من الناس اكتشاف المهم بالنسبة إليهم. البعض محظوظون ليدركوا في وقت مبكر أنهم يحبون الرياضيات أو الاعتناء بالحيوانات أو الكتابة, ثم يحاولون إيجاد وسيلة لإنفاق الكثير من الوقت في ممارسة ذلك. لكن أغلب الناس يبدأون حياتهم مع خليط من الأشياء المهمة والأشياء غير المهمة, وتدريجيا يتعلمون كيف يميّزونهما عن بعضهما.

للصغار على وجه الخصوص, معظم هذا الالتباس ناتج عن المواقف المصطنعة التي يجدون أنفسهم فيها. في المرحلة المتوسطة والثانوية, نظرة الأطفال الآخرين لك تبدو كأنها أهم شيء في العالم. لكن حين تسأل البالغين عن الأخطاء التي ارتكبوها في تلك الفترة, أغلبهم سيقول لك أنهم اكترثوا أكثر مما يجب لما يفكر فيه الأطفال الآخرون عنهم.


أحد المرشدات التي تعينك على اكتشاف الأشياء المهمة هو أن تسأل نفسك ما إذا كنت ستهتم بها في المستقبل. الأشياء المزيفة في العادة يكون لها بروز حاد لتبدو على أنها مهمة. هكذا تخدعك. المنطقة التي تحت المنحنى صغيرة, لكن طبيعتها تنغرس في وعيك كالدبوس.


الأشياء المهمة ليست بالضرورة تلك الأشياء التي يسميها الناس "مهمة". احتساء القهوة مع صديق أمر مهم. لن تشعر فيما بعد أنه كان وقتا مهدرا.


أحد الأشياء العظيمة حول إنجاب الأطفال أنهم يجعلونك تقضي أوقاتك في الأشياء المهمة: هم. يمسكون بطرف كمك بينما تحدّق في هاتفك ويقولون "هلّا لعبت معي؟" والاحتمالات تقول أن هذا في الحقيقة خيار يقلّص الهراء.


إذا كانت الحياة قصيرة, فعلينا أن نتوقع أن يأخذنا قصرها بغتة. وهذا ما يحدث في العادة. تعُدُّ الأشياء على أنها من المسلمات, ثم تفقدها. تظن أنك تقدر دائما على كتابة ذلك الكتاب, أو تسلق ذلك الجبل, أو أي شيء آخر, ثم تدرك أن النافذة سُدَّت. أكثر نافذة مسدودة مثيرة للحزن حين يتوفى الآخرون. حياتهم أيضا قصيرة جدا. بعدما توفت والدتي, تمنيت لو أني قضيت المزيد من الوقت معها. عشت حياتي كما لو أنها ستكون موجودة إلى الأبد. وفي طبيعتها الهادئة ما عزز ذلك الوهم. لكنه كان وهما. أعتقد أن الكثير من الأشخاص ارتكبوا الخطأ الذي ارتكبته.

الطريقة الاعتيادية لتفادي الأخذ بغتة من قبل شيء ما هو أن نكون مدركين له بوعي. عندما كانت الحياة غير مستقرة كان الناس مدركين للموت بطريقة تبدو الآن رهيبة. لست متأكدا من ذلك, لكنني لا أرى أن من المناسب أن نذكّر أنفسنا على الدوام بأن ملك الموت يحوم فوق أكتافنا. لعل من الأفضل أن ننظر إلى المشكلة من الجهة الأخرى. شجع عادة التطلع للأشياء التي ترغب بشدة أن تنجزها. لا تنتظر إلى أن تتسلق ذلك الجبل أو تكتب ذلك الكتاب أو تزور والدتك. عليك أن تذكِّر نفسك على الدوام لماذا يجب عليك ألّا تنتظر. فقط افعله.


أستطيع أن أفكر في شيئين إضافيين يمكن للإنسان أن يجربهما حين لا يملك الكثير من شيء ما: حاول أن تجني المزيد منه, وتمتع بما لديك. كلاهما تصرف عملي.


الطريقة التي تعيش بها تؤثر على المدة التي ستحياها. أغلب الناس يمكنهم أن يكونوا أفضل. أنا من بينهم.


لكنك قد تحصل على تأثير أعلى عبر منح اهتمام أكبر للوقت الذي بحوزتك. سهل أن تجعل الأيام تمر سريعا. "التدفق" الذي يعشقه كثيرا الأشخاص المبدعون لديه جانب مظلم يعيقك عن التوقف وتذوق الحياة وسط المهام اليومية الموحلة والصخب. من أكثر الأشياء التي قرأتها لفتا للنظر لم تكن في كتاب, بل عنوان أحد الكتب: "حرق الأيام" لجيمس سالتر.


من الممكن أن تبطيء الوقت إلى حد ما. صرت أتقن ذلك بشكل أفضل. الأطفال يساعدون. حين يكون لديك أطفال صغار, سيكون هناك الكثير من اللحظات المثالية التي لن تستطيع إلا ملاحظتها.


سيساعدك شعورك بأنك تمكنت من الاستفادة من بعض التجارب إلى الحد الأقصى. سبب حزني على والدتي ليس فقط لأني أفتقدها ولكن لأنني أفكر في كل الأشياء التي كان من الممكن لنا القيام بها معا ولم نفعل. ابني الأكبر سيبلغ السابعة قريبا. رغم أني أفتقد نسخته حين كان بعمر الثلاث سنوات, إلا أنني لا أحمل أي ندم لأي شيء كان يمكن أن يكون خلاف ما كان. قضينا أمتع الأوقات التي يمكن لأب وابنه ذو الثلاث سنوات أن يحصلا عليها.


قلِّص الهراء بلا هوادة, لا تنتظر لتفعل الأشياء المهمة, وتمتع بالوقت الذي تملكه. هذا ما عليك فعله حين تكون الحياة قصيرة.

قصة أناستاسيوس الفارسي: التوأم التاريخي لسلمان الفارسي



من المؤكد أنه ليس هناك شيء مؤكد.
هيگل


القديس أناستاسيوس الفارسي



التاريخ يرويه بشر. أحيانا لا يعطينا رواة التاريخ إلا جانبا واحدا من الصورة (الحدث)، أو أجزاء مبعثرة منها، أو نسخة مختلقة لم تكن. فيكون لزاما علينا البحث عن الجانب الآخر منها, أو تأليف ما تبعثر, أو التدقيق فيما وجدناه وفحصه.


هذه محاولة للتعرف عن قرب إلى القديس أناستاسيوس الفارسي, الذي رُويت عنه الكثير من المعجزات والخوارق, وتشكلت حوله جماعة دينية Cult في أورشليم مباشرة بعد الانتصار على الفرس إلا أنها سرعان ما توارت وانقطعت أخبارها بشكل تام بعد دخول المسلمين لفلسطين عام 638م لتظهر بعد ذلك في القسطنطينية وروما. وكان له حضور واضح في المجمع المسكوني السابع (المعروف بمجمع نيقية الثاني 787م) بعد أكثر من قرن ونصف من وفاته.


منعطف أول: مَگوندَت يصير أناستاسيوس

ولد مَگوندَت Magundat في أواخر القرن السادس الميلادي في مدينة الري ببلاد فارس لأسرة مجوسية. وفي عهد كسرى الثاني شارك في محاصرة دمشق وأورشليم مع الجيش الساساني سنة 614م, والتي انتهت بالاستيلاء على صليب الصلبوت True Cross (يعتقد المسيحيون أن عيسى صلب عليه) وأخذه إلى العاصمة الساسانية قطيسفون. أثار صليب الصلبوت فضول مَگوندَت, ودفعه إلى التساؤل عن الديانة المسيحية وعن عيسى, ويُقال أنه رأى بعض الكرامات من هذا الصليب.
ثم شارك مع الجيش الساساني في حصار خلقيدونية ليقرر حينها أن يترك الجيش ويتوجه إلى مدينة منبج السورية Heirapolis مع أخيه. وفي منبج ظل يتردد على صائغ فضة فارسي مسيحي ويرافقه لأداء الصلوات.
ثم قرر أن يتعمد.
فذهب إلى أورشليم ليلتقي بالأسقف مودستوس Modestus وتعمد على يديه, واختار اسمه الجديد أناستاسيوس Anastasius في في إشارة إلى أنه سيولد من جديد بعد تعميده.
وفي عام 620م صار أناستاسيوس راهبا في دير مار سابا St Saba في بيت لحم (من أقدم الأديرة المسيحية وأهم دير يوناني, وفيه كان يوحنا الدمشقي آخر حياته, وفي التراث المسيحي اعتقاد أن آخر صلاة قبل رجوع المسيح ستكون في هذا الدير). علمه بيرس القسطنطيني Pyrrhus of Constantinople الحروف اليونانية وسفر المزامير, واستهوته أخبار القديسين والشهداء التي كان يقرأها ويسمعها بتأثر. وبعد سبع سنوات تجلى له الروح القدس في إحدى مناماته طالبا منه الذهاب إلى مدينة قيسارية Caesarea (كانت تحت سلطة الفرس آنذاك) حيث الأماكن التي مر بها المسيح ووالدته العذراء.


دير مار سابا
ذهب هناك لإحدى الكنائس, وفي أحد الأيام رأى مجموعة من العرّافين الفرس يمارسون طقوسهم بالقرب من موقع عسكري. فلم يكن منه إلا أن أنكر عليهم ضلالاتهم واستطرد يروي لهم كيف أنه كان مجوسيًا مثلهم في السابق إلى أن اهتدى لإتّباع المسيح. فما كان منهم إلا أن أوجسوا منه خيفة, وظنوه جاسوسا. فاقتيد إلى الأسر, وظل لثلاثة أيام حبيس زنزانة بلا طعام ولا شراب. إلى أن وصل المزربان (القاضي) الفارسي ليحاكمه. ونُقل إلى مدينة بيشلو Bethsaloe (تقع ضمن كركوك اليوم). وهناك تجرع من العذاب أنواعا شتى; فحملت عليه الأثقال, وكان يعلّق من يد واحدة عدة ساعات في اليوم, وكاد يموت جلدًا ثلاث مرات, وما كانوا يريدون منه إلا أن يكفر بالمسيح ولو بلسانه فقط, إلا أنه رفض وثبت. وصلت أخباره إلى جوستين Abbott Justin رئيس دير مار سابا, فأرسل إليه رفيقين مسيحيين يتفقدان أحواله. ودلّاهما عليه رجل يهودي تعرف عليه بعد أن رأى أناستاسيوس يصلي محاطا بهالة نورانية. أحد هذين المسيحيين دوّن تفاصيل وفاته.
بعد هذا العذاب الطويل قرر كسرى الثاني إعدامه مع سبعين شخص آخر في 22 يناير 628م ورميت جثثهم إلى الكلاب. إلا أن جثة أناستاسيوس وحدها لم تقربها الكلاب. دُفنت رأسه المقطوعة مع جسده في كنيسة القديس سرجيوس St Sergius في العراق القريبة من محل وفاته, وأخذ القس المرافق له رداءه الكهنوتي إلى فلسطين.
رويت الكثير من الكرامات حول القديس أناستاسيوس. فبعد إعدامه بعشر أيام انتصر هرقل على الفرس (ليعيد صليب الصلبوت في العام التالي). ويرى المسيحيون أن أناستاسيوس كان سببا في هلاك كسرى الثاني وانتهاء ملكه بعد أسابيع قليلة من إصداره أمر الإعدام.


منعطف ثان: رحلة الرفات من العراق إلى روما


بعد دفن أناستاسيوس أخذ أحد القساوسة ذخيرته Relics (رفاته وبقاياه) إلى فلسطين في عام 631م وظلت هناك حتى دخلها المسلمون فنقلها مجموعة من الرهبان المهاجرون إلى القسطنطينية عام 638م وظلت هناك إلى عام 645م إلى أن انتقلت مجددا إلى دير الينابيع الثلاثة في روما وصار يعرف لاحقا باسم دير القديسين فينسينت وأناستاسيوس Abbey of Saints Vincent And Anastasius, وحفظ جزء آخر من ذخيرته في كنيسة سكالا سانكتا Scala Sancta في روما أيضا.
وبين العامين 631م و 638م كتب جورج البيسيدي George Pisidia, شماس كنيسة آيا صوفيا, قصيدة ثنا فيها على أناستاسيوس وتلاها أمام أستاذه بيرس القسطنطيني والبطريرك سرجيوس. وبسبب ما روي عن كرامات حول ذخيرة القديس أناستاسيوس غدت مزارا للحجاج في طريقهم إلى روما. ومما يدل على شهرة أناستاسيوس العثور على فانوس منقوش عليه اسمه يعود لنهاية القرن السابع في طريق الحج في روما.
وفي عام 713م حدث ما سميّ بـ"معجزة روما", حيث كان لأحد الأساقفة السوريين ابنة ممسوسة بالأرواح, وعبر لبسها لعباءة أناستاسيوس تشافت تماما مما كان فيها. وفي عام 729م زاره ليوتبراند ملك اللومبارد وقبّل رفاته.
وفي المجمع المسكوني السابع (مجمع نيقية الثاني) عام 787م الذي كان يهدف إلى محاربة بدعة تحطيم الأيقونات, أُستشهد بأناستاسيوس لتعزيز مذهب تبجيل الأيقونات ثلاث مرات; الأول كان من قبل گرگوريوس شماس كنيسة الرسل والذي استشهد ببعض الفقرات من أعمال القديس أناستاسيوس التي تعزو تأثره بالتحول إلى المسيحية إلى أيقونات مرسومة على حوائط الكنائس في منبج. الاستشهاد الثاني كان من خلال قراءة بعض ما كتب عن المعجزات التي أحدثتها أيقونة أناستاسيوس في هداية سيدة شكاكة. والثالث كان من قبل قمص كنيسة پيتر والذي كان ممثلا للبابا في المجمع, فقد أخبر الحضور عن العثور على الأيقونة المعجزة لأناستاسيوس في روما ووُجِد معها رأس القديس.



منعطف أخير: هل صار أناستاسيوس سلمان؟


ينظر د. نادر الحمّامي في كتابه "صورة الصحابي في كتب الحديث" ص236 إلى قصة سلمان الفارسي على "أنها قصة مندرجة ضمن مشغل التبشير بمحمد من ناحية, وتجعل سلمان أحد الباحثين عن الحقيقة الدينية من ناحية ثانية, وكانت قصته العجيبة تعبيرا عن تتابع الرسالات وصولا إلى الدّين الحقّ". ويقول في ص241 : "كانت رحلة سلمان طويلة, فقد 'تداوله بضعة عشر, من رب إلى رب'. وكان من الضروري أن يضفي المسلمون على قصته قدرًا من 'المعقوليّة' فأطالوا عمره, فكان 'أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة, فأمّا مائتين وخمسين فلا يشكون فيه'. وقيل: 'أدرك وصيّ عيسى بن مريم, وأعطي العلم الأوّل والآخر, وقرأ الكتابين', وقيل: 'كان سلمان من المعمّرين, يقال أنه أدرك عيسى بن مريم, وقرأ الكتابين'. لقد كان التركيز كبيرًا في الأخبار على طول عمر سلمان حتّى ينسجم الأمر مع قصته.
[...]
إن الوظيفة الأساسية من وراء قصة سلمان ومسيرة بحثه عن الحقيقة هي تأكيد نبوة محمد, وربط الإسلام بدين إبراهيم, ولمّا أسندت الأخبار إلى سلمان مثل هذه الوظيفة الخطيرة كان لزامًا أن ترسم له صورة متعالية تليق بمقامه, فلم تشأ أن تنتهي قصته العجيبة إلا نهاية سعيدة."


أما المفكر يوسف الصديق فيعلّق على قصة سلمان الفارسي في كتابه "هل قرأنا القرآن؟ أم على قلوب أقفالها" ص47 كما وردت في كتب التراث بملاحظته كيف "بدا سلمان شخصية غير واقعية ورجلا غير محدد بملامح ولا يملك اسما غير ذلك الذي ينتسب به إلى أرض فارس. إذ تشير الروايات, كل تلك الروايات ذات الصلة الوثيقة بالمؤسسة التفسيرية, ومنها ما ورد عن العسقلاني, صاحب أكثر الفهارس الموثوق بها في ذكر صحابة رسول الله, وأحد أهم شارحي المحدّث الأوّل البخاري, تشير إلى أنّ سلمان قد عاش عدّة قرون حتّى أنه قد يكون عاصر المسيح بحسب المصنّف".
ويتساءل الصدّيق عن "من تراه يكون سلمان الفارسي؟" ويجيب: "لم نعثر في كتب الأخبار والروايات التي أوردناها ما قد يقنعنا بوجود شخصية واقعية, متأصلة في تاريخ المجتمع المديني المنضوي تحت راية الإسلام والمحيط بالنبي محمد. فبقدر ما كان لسائر الصحابة حضور, وغالبا وجود حيّ, حتى عندما تقوم كتب التفسير والأخبار بتضخيم أدوارهم وسيرهم ومآثرهم في دعم الدولة الناشئة, بل وتعمد إلى إضفاء القدسية عليها, كان سلمان يبدو في نظر هذا الموروث نفسه طيفا غامضا وهلاميا".
وبعد أن بحث الصدّيق في الأرشيف البيزنطي مما نقلته الروايات المسيحية عن شخصية مطابقة تماما لما ترويه الأخبار التي تحدثت عن سلمان, وعثر على شخصية أناستاسيوس الفارسي, إلا أن الذي أثار دهشته في خاتمة بحثه: "لا يتمثل في ذلك الشبه العجيب بين مصيري هذين الرجلين رغم تباعدهما, وإنما في مجرّد هذه الجزئية اللغوية التي يتطابق فيها لفظا أناستازيوس اليوناني مع نظيره العربي سلمان. كلا الاسمين يحملان الدلالة نفسها, أي 'من خرج سالما بعد سقوطه!'".


لن أقفز إلى نتيجة حول علاقة القديس أناستاسيوس بسلمان الفارسي, سأكتفي فقط بالمقارنة بين منبع القصتين:


حياة أناستاسيوس: نقلت عن طريق الكتابة. أول من دوّن سيرة حياته هو البطريرك مودستوس (ت. 634م) Modestus of Jerusalem وكتبها عام 630م باليونانية في فلسطين بعد عامين من وفاة أناستاسيوس, وهي معنونة في أرشيف سير القديسين البيزنطي Byzantine Hagiography بعنوان BHG 84. ثم ترجمها إلى اللاتينية ونقلها إلى كانتربري في إنگلترا المطران ثيودور الطرسوسي (ت. 690م) Theodore of Tarsus تحت عنوان BHL 410b ووصلت هذه النسخة إلى المؤرخ الأنگلو-ساكسوني بيد (ت. 735م) Bede والذي قام بدوره "بتطوير" الترجمة تحت العنوانين BHL 410 و BHL 411.


حياة سلمان: نقلت مشافهة. القصة تقع في حوالي 1400  كلمة حكاها سلمان لابن عباس والذي نقلها لمحمود بن لبيد والذي نقلها لعاصم بن عمر الأنصاري والذي نقلها لابن اسحق (ت. 768م) وكان هو أول من دوّنها في كتابه "المبتدأ والمبعث والمغازي" الشهير بسيرة ابن اسحق, الذي كتبه أثناء حكم الخليفة العباسي المنصور بين العامين 754-768م.


مراجع:


  • The Latin Dossier of Anastasius the Persian: Hagiographic Translations and Transformations by Carmela Vircillo Franklin.
  • Theodore and the Passio S. Anastasii by Carmela Vircillo Franklin.
  • Has Bede’s version of the “Passio S. Anastasii” Come Down to Us in BHL 408? By Carmela Franklin & Paul Mayvaert.

١٠ أشياء تفعلها الفتيات على سبيل الملاطفة ولا يفهمها الرجال




١٠ أشياء تفعلها الفتيات على سبيل الملاطفة ولا يفهمها الرجال

بقلم: پيري ساموتين
ترجمة: علي الصباح



إذا كان هناك شيء واحد يجب عليكن أيتها السيدات تعلمه, فليكن هذا: الملاطفة النسائية مثل الرياضة. كيف؟ لأن تطوير المهارات اللازمة للتمكن من هذا الفن يأخذ وقتًا.
الرجال كائنات جاهلة ومرتبكة وفي أغلب الأوقات لا ينتبهون إلى الإشارات الخفية التي نبذل خلالها جهدنا لنخبر رجل ما بأننا معجبون به. إذا لم تجعلي الجنس الآخر واعيًا بأنك تلاطفينه فهناك احتمال كبير أن لا تكون لديه أدنى فكرة عن ذلك. مع وضع ذلك في الاعتبار, هنا عشرة أشياء تفعلها الفتيات على سبيل الملاطفة ولا يفهمها الرجال - مما يعني أن عليكِ أن تكوني أكثر مباشرة  إذا أردتِ إثارة انتباه ذلك الفتى الجذاب إلى الأبد.


  1. حين تضعين ساقا على ساق
يصعب على بعض الرجال فهم لغة الجسد. قد يعتقد شخص أنكِ حين تضعين ساقا على ساق أو حين تمدينهما فتلك إشارة واضحة للملاطفة - خاصة إذا ما كنتِ ترتدين كعبًا عاليا أو تنورة إلى نصف الفخذ - إلا أنها طريقة يمكن  أن يغفل عنها الرجل بسهولة.
جربي هذا: قومي باتصال جسدي بسيط. على سبيل المثال: امسكي ذراعه بشكل غير مباشر بينما تتحدثين معه, أو اضغطي على كتفه بشكل مرح حين يقول نكتة مضحكة.


٢. ليّ وتقليب شعرك
كثيرا ما تعتقد النساء أن ليّ وتقليب شعورهن باستمرار يجعلهن يبدون كأنهن يلاطفن, لكنها في الغالب تبدو كأنها عادة توترية - ليست مثيرة.
جربي هذا: عوضا عن تحريك شعركِ بشكل جنوني, صففي شعرك بحيث تنزل بعض جدائلكِ على عينيكِ, أو جربي تصفيفه بشكل مموج أو على التسريحة الرومانية. فكري في تسريحة الشعر التي تجعلك تشعرين بثقة أكبر واختاريها. الاحتمالات أنها ستكون معبرة.


٣. تعديل مظهركِ كل خمس دقائق
هل تعلمين؟ إذا انطلقتِ كل خمس دقائق إلى الحمام لتصفيف شعركِ أو لإعادة وضع أحمر الشفاه, فلن يلحظ الرجال ذلك.
جربي هذا: ضعي قدر ما تشائين من جهد في مظهركِ قبل مقابلته, وركزي جهدكِ على إجراء محادثة عظيمة بدلا من القلق بشأن مظهركِ.


٤. الغمز
حسنا, قد تبدو كتعبير مستهلك, لكن بعض النساء لازلن يعتقدن أن الغمز مثير. إذا غمزتِ إلى رجل, فقد يظن أن لديكِ تكتكة.
جربي هذا: احفظي تواصلا بالعيون حينما تتحدثين معه. إن ذلك مثير, ذكي, ويظهر أنكِ بالفعل تنصتين.


٥. الضحك على كل شيء يقوله
يمكن للضحك أن يكون وسيلة مهمة للملاطفة - حين يكون هناك شيء مضحك بالفعل. لكن إذا كنتِ تتحدثين مع رجل وتضحكين على كل شيء يقوله, فستربكينه وستظهرين كأنكِ سخيفة أو بلهاء.
جربي هذا: ابتسمي على الدوام (لا أحد يحب أن يخرج في موعد مع شخص متجهم) واضحكي حين تجدين شيئا مضحكا بالفعل مما قاله - ليس حين تشعرين أن عليك أن تضحكين.


٦. محاولة جعله يغار
إحدى الطرق المريعة لملاطفة رجل هي بأن تحاولين تحفيز غيرته من خلال ذكركِ لأصدقائكِ السابقين, تاريخ مواعداتكِ الغرامية, أو ذكر قائمة الرجال الذين يريدون الخروج معكِ. إذا شعرتِ بالرغبة في ذلك, فحسّني الطريقة التي تلعبين بها وتصرفي بما يوائم عمركِ.
جربي هذا: سلطي الضوء على بعض الإنجازات الشخصية أو العملية الأخيرة التي تفتخرين بها. سيكون أكثر إعجابا بهذه الطريقة.


٧. مدحه للمرة المليون
المديح مثل الكحول: مناسب باعتدال لكنه كارثي إذا تجاوز حده. يمكنك بلا شك أن تحدثيه عن بعض الأشياء الجيدة لكن لا يلزمك أن تخبريه كم هو جذاب للمرة ال400, أو كيف أنه مذهل تماما في ثاني موعد بينكما.
جربي هذا: أخبريه أن القميص الذي يرتديه يعجبكِ, كم هو جميل الحذاء الرياضي الذي ينتعله, أو - إذا طهى لكِ عشاءً - امدحي مهاراته في المطبخ. إذا كنتِ تستمتعين باللقاء معه, أو بالخروج معه, أخبريه بذلك أيضا.


٨. الملاطفة في الفيسبوك
في عصرنا الحالي, صار الفيسبوك وسيلة مشروعة للإلتقاء بالأشخاص. مع ذلك, إرسال رسائل ملاطفة لشخص أنتِ بالكاد تعرفينه يمكن أن يُعَد على أنه تهور أو ملاحقة.
جربي هذا: إذا رأيتِ شابا جذابًا في الفيسبوك, انظري ما إذا كان بينكما أصدقاء مشتركون وتواصلي معهم ليعرفوكِ إليه.


٩. قضم العلكة بصوت عالٍ
مضغ العلكة تصرف غير مثير. قيل ما يكفي.
جربي هذا: امضغي العلكة قبل أن تلتقيا لتنعشي نفسكِ.


١٠. رسالة تصبح على خير
إرسالكِ رسالة تصبح على خير لشخص قابلتيه للتو (أو واعدتيه بشكل غير رسمي) يمكن أن يظهركِ بمظهر بائس ( أيضا مثل "يا إلهي أحبببببببت لقاءك, أنت رائع لا أستطيع الانتظار لأراك مجددا!!!!"). إرسال هكذا رسائل يمكن أن تجعل الشاب ينظر إليكِ على أنكِ "فتاة" اعتيادية عوضا عن أن يفهم أنكِ تلاطفينه بمكر.
جربي هذا: لا ترسلي رسالة تصبح على خير لرجل حتى تخرجا معا في لقائين وثيقين وتعرفين أنكِ سترينه مجددًا.

حسنا أيتها السيدات, الآن أنتن على علم ببعض الأساليب التي لا ينظر إليها الرجال على أنها ملاطفة. لذا, لا تضعن أوقاتكن في إرسال الإشارات الخاطئة - أخرجي واستخدمي النصائح السابقة لتظهري له أنكِ مهتمة فيه. حظًا موفقًا!