العشرينات: مرحلة تحديد مسارات حياتك المهنية والعاطفية



Image Source: abc.net.au


فترة العشرينات من أكثر المراحل أهمية في حياة أي إنسان, وهي أكثر الفترات إرباكا. نكون للتو قد انتهينا من الدراسة وينتظرنا تحديد العديد من المسارات التي سنسلكها لبقية حياتنا المهنية والعاطفية.
فـ 80% من اللحظات الحاسمة في حياتنا تحدث قبل سن 35, والنمو الأكبر لدخلنا المادي يعتمد على السنوات العشر الأولى من حياتنا المهنية, ونصفنا يكون قد تزوج أو ارتبط, بشكل أو بآخر, بشريك حياة عند الثلاثين من العمر. التغيرات التي تطرأ على شخصيتنا خلال هذه الفترة لها تأثير يفوق أي فترة أخرى من حياتنا.

المتخصصة النفسية ميغ جاي قضت العديد من الساعات يوميا تنصت إلى العشرينيون لأكثر من عشرة سنوات. وأصدرت كتاب العقد المصيري: لماذا عشرينياتك مهمة وكيف تستفيد منها الإستفادة القصوى الآن.

أحد العشرينيون الذين استمعت إليهم هو إيان, الذي يشعر بالحيرة والضياع بين الطرق اللانهائية التي يمكنه أن يسلكها, وهي بدورها اقترحت عليه وسيلة للتخلص من هذه الحيرة والشروع في اتخاذ القرار:



أخبرني إيان أن عمره العشريني يُشعره كأنه في وسط المحيط, مثل بقعة مائية هائلة بلا ملامح. لا يستطيع رؤية اليابسة من أي اتجاه, لذلك هو لا يعرف أي طريق يسلك. يشعر بالإرباك من إمكانية السباحة لأي مكان أو عمل أي شيء. عدم معرفته لمدى إمكانية نجاح أي شيء يشعره بالشلل. ممتلئ بالتعب واليأس وهو في الخامسة والعشرين من عمره, يقول أنه يحفر في الماء ليظل حيا.

Image Source: Amazon.com
بينما أستمع لإيان راودني شعور باليأس. أحاول أن أكون كما يقول الأطباء النفسيون "ألتقي مع المرضى حيثما كانوا". إلا أن تشبيه المحيط الخاص بإيان كان مشكلة حقيقية. حين أضع نفسي مكانه, لا أستطيع أن أجد حلا مُرضيا أمام طرق متعددة كلها تبدو متماثلة. 
أتسائل إن كان لدى إيان أي فكرة حول كيفية تمكنه من التوقف عن الحفر في الماء.
سألته: "كيف يخرج الناس من المحيط؟". 
أجاب: "لا أعلم" وأدار رأسه وهو يفكر باهتمام وقال: "أرى أنكِ يجب أن تحددي جهة وتبدئين بالسباحة. لكنكِ لا تستطعين التفريق بين أي جهة وأخرى, لذلك لن تستطيعين الإختيار. بل لن تستطيعين معرفة ما إذا كنتِ تسبحين باتجاه شيء ما, لماذا إذن تستهلكين كل قواكِ للذهاب إلى الاتجاه الخاطئ. أعتقد أن كل ما يمكن فعله هو الأمل بقدوم أحد على ظهر قارب أو ما شابه." قال ذلك بشيء من الارتياح.

هناك شيء من الذعر في عبارة "حياتي تعتمد عليّ". كم هو مخيف إدراك عدم وجود أي سحر, وأنك لا تملك أن تنتظر فحسب, لا أحد يستطيع إتقاذك, وعليك أن تقوم بشيء ما.
عدم معرفة ما تريد فعله في حياتك -أو على الأقل عدم وجود بعض الأفكار لما تريد أن تفعله لاحقا- هو دفاع من هذا الذعر. هو مقاومة للإقرار بأن الخيارات ليست لانهائية. وهي وسيلة للتظاهر بأن الآن ليس بذي أهمية. أن تكون حائرا بين مختلف الخيارات ليس إلا أمل بأن تجد طريق تمضي به في الحياة دون تحمل المسؤولية. 

عوضا عن تحمل المسؤولية, أمّل إيان بأن يأتي إليه أحد, ينتشله مما هو فيه, ويسير به في طريق محددة. هذا يحدث طوال الوقت. إيان قد يقفز مع مجموعة من الأصدقاء أو مع خليلة. سيسير على طريقهم لفترة وينشغل عن حياته لفترة أطول. لكنني أعرف كيف ستؤول الأمور. سيستيقظ يوما ما في في بلاد بعيدة, وهو يزاول عملا أو يعيش في محل لا يتوائم معه بتاتا.
سيكون بُعد المشرق عن الحياة التي سيدرك فجأة أنه يريدها. وفي تشبيه المحيط, كان إيان يتظاهر بأن ليس هناك حياة محددة يريد أن يعيشها. كأن لم يكن له ماض ولا مستقبل, ولا سبب يدفعه إلى المضي بهذا الطريق أو ذاك. لم يكن يتفكر مليا بالسنوات التي عاشها, ولا درس السنوات القادمة. وكما كان يقول, هذا يجعل الفعل مستحيلا.
لأن إيان لم يكن يعلم أن العشرينيون الذين يقررون أسعد من أولائك الذين يحفرون في الماء, ترك نفسه حائرا. يسهل الوقوع بذلك. فإيان يصاحب أصدقاء مترددون. ففي محل الدراجات حيث يعمل, أكد له أصدقاءه بأنه لا يحتاج إلى اتخاذ أي قرار الآن -"ليس نحن!" قالو له بابتهاج.
كانت لهم نقاشات طويلة حول الوظيفة, بأن لا يستقرون أبدا ولا يساومون, إلا أنهم هاهم مستقرون في البطالة المقنعة ويساومون على مستقبلهم. حتى أنني طننت إيان كان موجودا في مكتبي لعلمه أن هذا الكلام ليس سوى أكاذيب لاواعية. وعندما أخبر والديه عن عدم قدرته على تحديد وجهته في محيط حياته, اسمعوه أكاذيب أخرى. قالا له: "أنت الأفضل! حدودك السماء!" ذكّراه بأنه يستطيع القيام بكل شيء يعزم عليه.
لم يدركا أن هذا التشجيع الغير منضبط ليس نافعا. فهو يقود إلى الحيرة أكثر منه إلى الإقدام. العشرينيون مثل إيان تربوا على الأوامر المجردة -"اتبع حلمك!" "مد يديك إلى النجوم!"- إلا أنهم لا يعرفون ما يكفي لإنجاز هذه الأشياء. فهم لا يعرفون كيفية الحصول على ما يريدون, بل أحيانا لا يعرفون ما يريدون.
 كما أخبرني بذلك إيان بإحباط: "أمي تستمر في إخباري وإخبار الجميع كم أنا عظيم وكم هي فخورة بي, وأنا أريد أن أسأل: على ماذا؟ مالذي يميزني بالتحديد؟" بعيدا عن النرجسية التي تستحوذ على إشادة والدته, طالما شعر إيان بأن كلماتها عامة بما يكفي لئلا تعني شيئا. ولأسباب وجيهة, شعر أنه مخدوع.
الحياة ليست لانهائية, كذلك إيان. غالبا ما يتمنى العشرينيون لو كانت لهم خيارات أقل, لكن في نفس الوقت, إيان لا يملك ذلك الكم من الخيارات كما اُخبر. وكلما انتظر أطول ليختار منها, كلما تقلصت.

قلت له: "تعال الأسبوع القادم. حينئذ, سنخرج من المحيط. إنه ليس التشبيه الصحيح. سنذهب لنشتري المربى بدلا عن ذلك."

هناك دراسة قديمة في علم النفس معروفة باسم تجربة المربى. أجرت تجربة المربى الباحثة شينا آينغر والتي واتتها فكرة حينما كانت في جامعة ستانفورد, أن دكاكين البقالة تكون أفضل محل لفهم كيفية اتخاذ الناس لقراراتهم. مساعدي آينغر وقفوا كبائعي مربى وجهزوا لهم طاولات للعينات في متجر للذواقة.
في أحد حالتي التجربة, توضع ستة أصناف من المربى للتذوق: خوخ, كرز أسود, كشمش أحمر, برتقال, كيوي وليمون. في الحالة الأخرى يُعرض أربعة وعشرون صنفا من المربى: الأصناف الستة السابقة و18 أخرى. في الحالتين, الزبائن الذين تذوقوا المربى يمكنهم استخدام كوبون لشراء جرة بثمن مخفض.
النتيجة المهمة في الدراسة أن طاولة الـ24 صنف اجتذبت اهتماما أكبر إلا أنها أسفرت عن مشترون أقل. المتسوقون اندفعو بحماس إلا أن أغلبهم ارتبك وامتنع عن شراء المربى بالكلية. فقط 3 بالمئة من الذين توجهوا إلى الطاولة التي تحتوي على 24 نكهة أقدموا على شراء المربى. بالمقابل, الزبائن الذين توجهوا إلى طاولة النكهات الست كانوا أكثر قدرة على تحديد الجرة المناسبة لهم, بنسبة تصل إلى 30 بالمئة منهم خرجوا من المتجر وهم يحملون المربى بأيديهم.

في الأسبوع التالي, أخبرت إيان عن تجربة المربى وتسائلت بصوت مسموع عن ما إذا كان شعوره بالإرتباك ناتج عن محاولته للإختيار من الإحتمالات المتعددة الموهومة للحياة.
إيان: "أشعر بالإرتباك من فكرة إمكاني عمل أي شيء في حياتي."
اقترحت عليه: "لندخل في صلب الموضوع. لنتحدث عن اختيار مربى."
سأل: "هل أنا عند طاولة النكهات الست أم عند طاولة النكهات الأربع وعشرون؟"
أجبته: "هذا سؤال ممتاز. أعتقد أن جزءا من عملية اتخاذ أي قرار في عشرينياتك هي إدراك عدم وجود طاولة الأربعة وعشرون نكهة. إنها خرافة."
سأل: "لماذا هي خرافة؟"
أجبته: "يسمع العشرينيون بأنهم يقفون أمام صف لامحدود من الخيارات. بأن يُقال لك أنك تستطيع فعل ما تريد أو الذهاب حيثما تريد, هذا مماثل للمحيط الذي وصفته. كالوقوف أمام طاولة الأربعة وعشرون نكهة. لكنني لم أقابل بعد عشريني يملك أربعة وعشرون خيارا مهما حقيقيا. كل شخص يختار من طاولة النكهات الست, على أفضل حال, الخاصة به.
نظر إلي إيان بانشداه, لذا واصلت: "قضيت أكثر من عقدين تشكل ذاتك. لديك تجارب واهتمامات ومواطن قوة ومواطن ضعف وشهادات دراسية ورفاق وأولويات. لم تقفز للتو إلى هذا الكوكب, أو حسب وصفك, إلى المحيط. السنوات الخمس وعشرون الفائتة وثيقة الصلة. أنت تقف أمام ستة نكهات من المربى وأنت تعرف شيئا ما حول ما إذا كنت تفضل الكيوي أو الكرز الأسود."
إيان: "فقط أريد للأمور أن تسير بشكل جيد. فقط أريد للأمور أن تنجح."
واجهته: "أنت تصورها بشكل مبهم. أنت تتجنب معرفة ما تعرفه."
إيان: "تعتقدين أنني أعرف ما يجب أن أفعله؟"
أجبته: "أظن أنك تعرف عدة أمور. أظن أن هناك وقائع. لنبدأ منها."
سألني: "إذا هذا مثل سؤال اليانصيب؟"
استفسرت: "ما هو سؤال اليانصيب؟"
إيان: "كما تعلمين, حين تسألين نفسك ما الذي ستفعلينه في حياتك حال فوز باليانصيب. حينها ستدركين بحق مالذي تريدين فعله."
قلت له: "هذا ليس السؤال الصحيح. ليس لهذا علاقة بالواقع. سؤال اليانصيب سيدفعك للتفكير حول ما الذي ستفعله إذا كانت الموهبة أو المال غير ضروريان. لكنهما ضروريان. السؤال الذي يجب أن يساله العشرينيون لأنفسهم هو مالذي سيفعلونه إذا لم يربحوا في اليانصيب. ما الذي تتقنه بشكل كاف ليتيح لك دعم الحياة التي تريد؟ ومالذي تستمع به بما يكفي لكي لا تمانع من مزاولته بشكل أو بآخر لعدة سنوات قادمة؟"
إيان: "لا أعرف شيئا حيال ذلك."
أجبته: "هذا لا يمكن أن يكون صحيحا."

في الأشهر التالية, حدثني إيان عن تجاربه في العمل والمدرسة. ولفترات طويلة, كنت أنصت فقط. تحدث إيان, وكلانا كان ينصت لما يقوله. بعد حين, تفكرت في بعض المعلومات التي سمعتها ورأيتها. كان هناك اهتمام مبكر بالرسم. وحب للعبة الليقو وللبناء منذ مرحلة الطفولة. شرع في تخصص الهندسة المعمارية إلا أنه لم يكمله, لأنه شعر أنه قديم جدا. حصل على شهادة في العلوم المعرفية لحبه للتكنولوجيا وللإدراك.
أرى إيان يتحدث بأريحية عن أمنيته لابتكار منتجات من نوع ما. في النهاية, تفكّر إيان بكل الخيارات التي بدت متوفرة له. جمّع ستة نكهات مربى محسوسة, ستة أشياء يمكنه الشروع بها مباشرة.

إيان: "يمكنني الاستمرار في عملي في متجر الدراجات, لكن هذا العمل يضايقني. أعرف أنه الشيء الخطأ للقيام به. مديري بعمر الأربعينيات وشيء متعلق بذلك يزعجني….. يمكنني الالتحاق بكلية الحقوق. لطالما أخبرني والداي بأنني يجب أن ألتحق بها. لكنني لا أريد إجراء امتحان القبول وأكره القراءة وأكره الكتابة وأظن أن هناك الكثير من ذلك في كلية الحقوق… اليوم الكثير من أعمال التصميم تُجرى على الانترنت وهذا يثير اهتمامي. الربط بين التصميم والتكنولوجيا يثير اهتمامي. قدّمت كمتدرب في برنامج التصميم الرقمي بواشنطن قبل عامين. كان ذلك في شركة تأخذ العديد من الخريجين ومشاريعهم وتنجزها. أردت فعل ذلك لكني لم أنل قبولا…. يمكنني أخذ دروس في اللغة العربية واستخدمها بشيء ما, كما تعلمين, في مجال العلاقات الدولية أو شيء من هذا القبيل, أو ربما إرسالي إلى الخارج لمكان ما. إلا أن هذه مجرد فكرة. سجلت في أحد الفصول لكنني لم أذهب قط…. يمكني زيارة صديقي في كمبوديا لأتحصل على مزيد من الوقت, لكن والداي يشعران بالغثيان من عملي لذلك…. يمكنني الذهاب إلى مدينة سانت لويس وقضاء بعض الوقت مع خليلتي السابقة. هي تشاهد مسلسل قريز أناتومي Grey's Anatomy طوال الوقت, وترى أن علينا كلينا الحصول على شهادة بعد البكالوريا. إلا أنني لم أدرس سوى مادتين في العلوم البحتة حين كنت في الجامعة, ولم يكن أدائي جيدا فيهما. على أية حال, هذا لا يبدو جيدا, لكنني لن أتمكن من التعامل معها حتى أستطيع أن أفعل شيئا بنفسي حيال ما أريد أن أعمله." (لم يبدو أمرا سيئا. العمل قبل الحب. سمعت ذلك مرارا من العشرينيون, بالأخص العشرينيون الذكور).

خلال تفكر إيان بخياراته الواقعية, اصطدم بالسمة الخاصة بالعشرينيون التي يطلق عليها المحلل النفسي كريستوفر بولاس المعارف المنسية Unthought Knowns. المعارف المنسية هي أشياء نعرفها عن ذاتنا, لكن بطريقة أو بأخرى نسيناها. هي تلك الأحلام التي ما عدنا نراها أو الحقائق التي نستشعرها لكن لا نتفوه بها. نخشى الإقرار بالمعارف المنسية للآخرين بسبب خشيتنا مما سيفكرون به. وغالبا ما نخاف من أن تشكل هذه المعارف المنسية معنى لذاتنا ولحياتنا. تظاهر إيان بأن العمل الصعب هو عدم معرفته لما يريد فعله, لكنني أظن أن في مكان ما داخله هو يعلم أن اتخاذ قرار ما حيال أي شيء هو ما يجعل الحيرة الحقيقة تبدأ. والحيرة الأشد رعبا هي إرادة شيء ما وعدم معرفة كيفية الحصول عليه. هي تعمل باتجاه شيء بالرغم من عدم التأكد من وجوده. حينما نختار, نحن نفتح على أنفسنا العمل الجاد والفشل ووجع القلب, لذا أحيانا نشعر بالراحة بعدم المعرفة, بعدم الاختيار, وبعدم الفعل. لكن الأمر ليس كذلك.

قلت لإيان: "أول يوم التقيتك به, أخبرتني أنك في وسط المحيط. تملكني الانطباع بأن ليس هناك شيء محدد تريد فعله, كأن ليس لديك أدنى فكرة عما تريد. لم تتح لنفسك من معرفة أفكارك. هناك شيء ما تريده. أنت تريد تجربة شيء في التصميم الرقمي."
قال بتحفظ: "لا أدري…"

هنا تأتي كل الأسئلة التي كان إيان (الذي لا يعرف) يقاومها.

إيان: "لا أعرف كيف أحصل على وظيفة في التصميم الرقمي…"
قلت: "أنا أعرف."
إيان: "ماذا لو بدأت ثم غيرت رأيي لاحقا؟"
قلت: "حينها ستفعل شيئا آخر. هذه ليست جرة المربى الوحيدة التي ستتمكن من شرائها."
إيان: "لكن لو بدأت بها وفشلت, سأكون حينئذ قد أنهيتها. هذا الخيار لن يعود متاحا."
قلت: "لن ينتهي. سيكون لديك علم أفضل. الأسئلة الأهم تظل: هل تقدر على كسب لقمة العيش؟ هل ستحب العمل؟ هذه هي الأمور التي يجب عليك معرفة أجوبتها."
إيان: "أشعر بأني معلق حين أفكر في ما إذا كان هذا الشيء سينجح إذا جربته. يبدو الأمر أكثر أمانا إذا لم أختر."
قلت: "عدم اتخاذ قرار ليس آمنا. تبعاته قد تأخذ وقتا أطول في المستقبل, مثلا في ثلاثينياتك أو أربيعينياتك."
إيان: "أظل أفكر أن والداي سيقولان لي أن علي العمل في شيء ذي اعتبار أعلى كالقانون. أو أفكر بأني يجب أن أفعل شيئا أكثر تشويقا كتعلم العربية. لا اريد لحياتي بأن تكون جرة مربى. هذا مضجر."
قلت له: "هذا أيضا ما يقف في طريق معرفة ما تعرفه وتعمل بناء عليه. يسمى استبداد ما ينبغي The tyranny of the should."

على سبيل الهايكو





عمرك يمضي
مثل كل الأشياء
ولدت لتفنى



الكلمات التي لا ننطقها
والأفعال التي نمتنع عنها
أكثر صدقا في التعبير عنا



يتردد صدى الذكريات
القصة انتهت, لكن الحبر
لم يجف بعد



هناك مواطن في القلب
يمكن الوصول إليها فقط خلال
المرح والموسيقى



عند الحضور
وعند الرحيل، وقع الخطوات
يختلف



غيوم تملآ السماء
صوت فيروز يحلق عاليا
عبق ما بعد المطر



بائعة الورد
تحت شمس الظهيرة
ذبلت

كيمياء السعادة



ليس ثمة سعادة أو شقاء في المطلق, وإنما تفكيرنا هو الذي يُشعرنا بأحدهما.
ديكارت


تطور البشر خلال ملايين السنين على هذا الكوكب مع بقية الكائنات الحية الأخرى. إلا أن مسار التطور البشري مر بمحطات مختلفة عن من سواهم, وامتاز بعدة أمور تتبعها يوفال حراري (ولد 1976) في كتابه العقلاء: تاريخ موجز للبشرية.
من أبرز هذه المحطات الثورة الإدراكية, حيث فُتِحَت نافذة داخل عقول البشر تطل على عالم الخيال. هذه المَلَكة ليست موجودة عند بقية الحيوانات. واستطاع الإنسان استغلالها لتنظيم أمور حياته بما يتيح له التفوق على غيره.
تلا ذلك الثورة الزراعية واستقرار الإنسان بالقرب من الأنهار وبدء نشوء الحضارات. بعد ذلك كانت الثورة العلمية التي أنتجت كل ما ننعم به من تقدم تكنولوجي في حياتنا اليوم.

ما يهمنا في هذه الرحلة الطويلة من التقدم البيولوجي والحضاري والعلمي هو كيف انعكست هذه التطورات على سعادة الإنسان؟ هل وسائل النقل السريعة والتقدم الطبي والتسوق عبر الانترنت والديمقراطية وغيرها من أمور الرفاهية التي ننعم بها اليوم أسهمت في إسعاد الإنسان المعاصر أكثر ممن يعيش في الماضي؟ أم أن هذه الأشياء ليس لها كبير أثر؟

في نهاية كتابه, يتنتقل "حراري" بين مختلف الآراء المتعلقة عن السعادة, وكان أحدها منحى علماء الأحياء:


ينشر الباحثون الإجتماعيون استطلاعات حول السعادة الذاتية ويربطون نتائجها بعوامل إجتماعية وإقتصادية كالثروة والحرية السياسية. الأحيائيون يجرون نفس الاستطلاعات, إلا أنهم يربطون نتائجها بعوامل جينية وبيوكيميائية. النتائج التي توصلوا لها مروّعة.

يحمل الأحيائيون الفكرة التي تقول أن عالمنا محكوم بآليات بيوكيميائية تشكلت عبر ملايين السنيين من التطور. سعادتنا الذاتية, مثل كل الحالات الذهنية الأخرى, غير محتومة بالمتغيرات الخارجية كالراتب أو العلاقات الإجتماعية أو الحقوق السياسية. عوضا عن ذلك, ما يحددها هو نظام معقد من الأعصاب, الخلايا العصبية, الوصلات العصبية وأنواع شتى من المواد البيوكيميائية كالسيروتونين والدوبامين والأوكسيتوسين.

لم يسعد أحد من قبل بسبب الفوز باليانصيب, أو شراء منزل, أو الحصول على ترقية, ولا حتى بإيجاد الحب الحقيقي. ما يسعد الناس هو شيء واحد, وشيء واحد فقط -- أحاسيس مبهجة في أجسامهم.  الشخص الذي فاز للتو باليانصيب أو وقع في حب جديد وصار يقفز من شدة الفرح, هو في الحقيقة لا يتفاعل مع المال أو الحبيب. هو يتفاعل مع أنواع متعددة من الهرمونات التي تسبح في مجرى دمه, وللعاصفة الكهربائية التي تحدث بين مختلف أجزاء دماغه.
كل الأسف للآمال التي تسعى إلى خلق الجنة على الأرض, يبدو أن النظام البيوكيميائي داخلنا مبرمج ليحافظ على مستوى ثابت نسبيا من السعادة. لا يوجد اختيار طبيعي للسعادة على ذاك النحو  -- فجينات شخص ناسك زاهد بالزاوج وسعيد ستنقرض مقابل جينات زوجين شديدي القلق انتقلت إلى الجيل التالي.

السعادة والتعاسة يلعبان دورا في التطور فقط بحسب ما يشجعان أو يثبطان على البقاء والتكاثر. لذلك لعله من غير المستغرب أن عملية التطور شكلتنا لئلا نكون شديدي التعاسة أو شديدي الفرح. فأتاحت لنا التمتع باللحظات السريعة من الأحاسيس المبهجة. عاجلا أو آجلا ستسكن هذه الأحاسيس لتتيح مجالا للأحاسيس الكريهة. على سبيل المثال, التطور يكافئ الذكور اللذين ينشرون جيناتهم بممارسة الجنس مع إناث ولودات بأحاسيس لطيفة. هذه الأحاسيس لو لم تكن مرتبطة بالجنس لكان هناك عدد أقل من الذكور الذين يفعلون ذلك. بنفس الوقت, يحرص التطور على أن هذه الأحاسيس سرعان ما تخبو. ولو استمرت النشوة الجنسية للأبد لمات الذكور السعداء من الجوع لعدم اهتمامهم بالطعام, وبذلك لن يحملوا على عاتقهم مشقة البحث عن إناث ولودات أخريات.

بعض العلماء يقارنون بيوكيميائية الجسم البشري بنظام التكييف الذي يبقي درجة الحرارة ثابتة بغض النظر عن الجو في الخارج, سواء كان ملتهب الحرارة أو عاصف وثلجي. قد تغير الأحداث درجة الحرارة للحظات, لكن نظام التكييف سرعان ما يعيدها كما كانت. بعض أنظمة التكييف تثبت درجة الحرارة على 70 درجة فهرنهايت. أنظمة أخرى تثبتها على عشرون درجة فهرنهايت. كذلك أجهزة السعادة البشرية تتفاوت من شخص إلى آخر.

على مقياس من واحد إلى عشرة, بعض البشر يولدون مع نظام بيوكيميائي مبتهج يتيح لأمزجتهم التنقل بين الدرجة السادسة إلى العاشرة, ومع الوقت, يستقر عند الثامنة. هكذا شخص يكون دائم السعادة حتى لو عاش بمدينة بعيدة, وخسر كل أمواله في انهيار البورصة, وشُخِّص بإصابته بالسكري. أشخاص آخرون ملعونون ببيوكيميائية كئيبة تتراوح بين الدرجة الثالثة والسابعة وتستقر عند الخامسة. شخص كهذا يظل تعيسا ولو حصل على دعم مجتمعي, وفاز بملايين من اليانصيب وملك صحة لاعب أولمبياد. بالتأكيد, حتى لو فاز هذا الشخص الكئيب بخمسين مليون دولارا صباحا, واكتشف علاجا للأيدز والسرطان في الظهيرة, وعقد صلحا بين الإسرائيليين والفلسطينيين بعد الظهر, وفي المساء اجتمع مع ابنه الذي اختفى منذ سنة, سيظل غير قادر على تجربة أي درجة من السعادة تفوق السابعة. لأن عقله ببساطة غير مهيأ للابتهاج, مهما حدث.

فكر للحظة بأسرتك وأصدقائك. أنت تعرف بعض الأشخاص الذي يحافظون, نسبيا, على مرحهم مهما أصابهم. وهناك آخرون دائما مستاؤون مهما أعطاهم العالم من عطايا. نميل إلى الإعتقاد بأننا إذا تمكنا من تغيير عملنا, أو تزوجنا, أو أنهينا كتابة الرواية التي طالما أجلنا كتابتها, أو اشترينا سيارة جديدة أو سددنا ديوننا سنكون بذلك على قمة العالم. لكننا لا نبدو أسعد كلما حصلنا على ما نريد. فشراء السيارات وكتابة الروايات لا يغيران بيوكيميائيتنا. يمكنهما أن يلكزانها للحظة عابرة, لكنها سرعان ما تستقر في قيمتها الأولى الثابتة.

كيف ينضبط ذلك مع النتائج التي وجدها علماء النفس والاجتماع, بأن الأشخاص المتزوجين أسعد بالمتوسط من العزاب؟

أولا, هذه النتائج ارتباطية -- الجوانب السببية قد تكون مخالفة لما يظنه بعض الباحثين. صحيح أن المتزوجين أسعد من العزاب والمُطَلَقين لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الزواج يسبب السعادة. قد تكون السعادة هي سببا للزواج. أو بالأحرى, بأن السيروتونين والدوبامين والأوكسيتوسين يؤدون إلى الزواج ويحافظون عليه. فمن ولدوا ببيوكيمياء مرحة يكونون بشكل عام سعداء وقنوعين. وهؤلاء الأشخاص يكونون قرناء أكثر جاذبية, وبناء على ذلك تكون حظوظهم في الزواج أكبر. كذلك حظهم من الطلاق أقل, لأنه يسهل جدا معايشة زوج سعيد وقنوع على زوج كئيب وساخط. وهكذا, صحيح أن الأشخاص المتزوجين, بشكل متوسط, أسعد من العزاب, لكن حتى المرأة العزباء التي دائما ما تميل إلا الكآبة بسبب بيوكيمياء جسمها, لن تصير أسعد إذا تزوجت.

بالطبع أكثر الإحيائيين ليسوا متحجرين بآرائهم. فهم يزعمون بأن السعادة تُحددها البيوكيمياء, لكنهم يقرون أن العوامل النفسية والإجتماعية لها محلها. فنظام التكييف الذهني الخاص بنا له حرية التحرك ضمن أُطر محددة. حتى وإن كان من شبه المستحيل تخطي الحدود العاطفية العليا أو الدنيا, إلا أن الزواج يظل له تأثيره فيما بينهما. فشخص ولد بمتوسط خمس درجات من السعادة لن يرقص بعنف في الشارع. إلا أن الزواج المناسب سيتيح له الوصول إلى الدرجة السابعة من السعادة من حين لآخر, وسيساعده على تجنب كآبة الدرجة الثالثة.

إذا ما قبلنا المنحى الإحيائي تجاه السعادة, يصير للتاريخ أهمية ضئيلة, طالما أن الأحداث التاريخية ليس لها أي تأثير على بيوكيمياء أجسامنا. يمكن للتاريخ أن يغير المثيرات الخارجية التي قد تتسبب بإفراز السيروتونين, إلا أنه لن يؤثر على كمية\مستوى السيروتونين لذلك لن يجعل الناس أسعد. قارن بين فلاح فرنسي من القرون الوسطى ومصرفي باريسي معاصر. الفلاح يسكن في كوخ طيني لا يدفع عنه البرد ويطل على حظيرة خنازير,  في حين أن المصرفي يعيش في شقة بهيجة تحتوي على شتى أنواع التكنولوجيا الحديثة في ناطحة سحاب مطلة على الشانزليزية. من البدهي أن نعتقد أن المصرفي أسعد من المزارع. إلا أن الأكواخ الطينية أو الشقق العالية في ناطحات السحاب لا يحددون أمزجتنا.  ما يحددها هو السيروتونين. حينما ينتهي الفلاح القروسطي من بناء كوخه الطيني يُفرز دماغه السيروتونين ليأخذه إلى درجة معينة من السعادة. في عام 2014 عندما يسدد المصرفي الدفعة الأخيرة لامتلاك شقته البهيجة يفرز دماغه نفس الكمية من السيروتونين ليأخذه إلى درجة معينة من السعادة. لا يعني أي شيء للدماغ ما إذا كانت الشقة أكثر راحة من الكوخ. نتيجة لذلك, لن يكون المصرفي أسعد ولو بشيء يسير من جد جد جد جده الأعلى, ذلك الفلاح المسكين.

هذا صحيح ليس فقط على المستوى الشخصي لكن كذلك على الأحداث الجمعية. خذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية. الثوار كانوا مشغولون بإعدام الملك وإهداء الأراضي للفلاحين وإعلان حقوق الإنسان, وابطال امتيازات النبلاء وشن الحرب على أوروبا. كل ذلك لم يغير بيوكيمياء الفرنسيين. نتيجة لذلك, بالرغم من كل الاضطرابات السياسية والإجتماعية والإيديولوجية والإقتصادية التي جرتها الثورة, كان تأثيرها على سعادة الفرنسيين صغير جدا. أولائك الذي ربحوا بيوكيمياء مرحة من يانصيب الجينات كانوا سعداء قبل الثورة وبعدها. أما أولائك الذين ولدوا ببيوكيمياء كئيبة فكانوا يتذمرون على روبسبير ونابليون بنفس المرارة التي كانو يتذمرون بها على لويس السادس عشر وماري أنطوانيت.
إذا كان الأمر كذلك, فما فائدة الثورة الفرنسية؟ إذا لم يسعد الناس فما الجدوى من كل تلك الفوضى والرعب والدم والحرب؟ يظن الناس أن هذه الثورة أو ذلك الإصلاح الإجتماعي سيجعلهم سعداء, إلا أن بيوكيميائيتهم تخدعهم مرة تلو المرة. هناك تطور تاريخي واحد فقط له تأثير حقيقي. الآن, وبعد إدراكنا أن مفاتيح السعادة تكمن في نظامنا البيوكيميائي يمكننا أن نتوقف عن إهدار أوقاتنا على الإصلاحات السياسية والإجتماعية, الإنقلابات والإيديولوجيات, والتركيز عوضا عن ذلك على الشيء الوحيد الذي يجعلنا بحق سعداء: معالجة نظامنا البيوكيميائي.

إذا ما أنفقنا المليارات لفهم كيمياء أدمغتنا وتطوير علاجات مناسبة, يمكننا أن نجعل الناس أسعد من قبل, بلا حاجة لأي ثورة. عقار بروزاك, على سبيل المثال, يخرج الناس من اكتئابهم ليس عن طريق تغيير الأنظمة لكن عن طريق زيادة مستويات السيروتونين.
لا شيء يعكس هذا الفكر الأحيائي مثل الشعار الشهير: "السعادة تبدأ من الداخل". المال, والحالة الإجتماعية, والعمليات التجميلية, والمنازل الجميلة, والمناصب القيادية -- لا شيء من ذلك سيجلب لك السعادة. السعادة الدائمة تأتي فقط من السيروتونين والدوبامين والأوكسيتوسين.

في رواية ألدوس هكسلي البائسة, عالم جديد شجاع, الصادرة عام 1932 في قمة الكساد الكبير, تكون السعادة ذات قيمة عالية وتغدو المخدرات النفسية كبديل للشرطة وللإقتراع على السياسات. يوميا, يتناول كل فرد جرعة من عقار "سوما" الذي يجلب لهم السعادة بدون أن يؤثر على إنتاجيتهم أو كفائتهم. لذا فالدولة العالمية التي تحكم العالم ليست مهددة بالحروب أو الثورات أو الغارات أو المظاهرات لأن الجميع قنوعين أشد القناعة بحالتهم الذهنية, بغض النظر عن ماهم عليه. نظرة هكسلي للمستقبل أشد اشتباكا من نظرة جورج أورويل في 1984. فعالم هكسلي يبدو وحشيا لأغلب القراء إلا أن ذلك يصعب شرحه. الكل سعيد طوال الوقت -- ما المشكلة في ذلك؟

متى تصير كاتبا؟


متى تصير كاتبا؟
لـ جيف قوينز
ترجمة بتصرف: علي الصباح

هذا النص مجتزأ من كتاب أنت كاتب (لذا تصرف كذلك) :

كل هذا -- المسعى لأن تكون كاتبا -- لا يبدأ من يديك, ولا حتى من قلبك, بل من عقلك.
عندما شرعت في الكتابة واجهتني مخاوف شتى. من أنا لأزعم أني كاتب؟ كيف أصف نفسي بهذه الصفة في حين أني لم أكتب كتابا حقيقيا واحدا, ولم أنشر شيئا, ولا نلت أجرا على كتاباتي؟

عندما شرعت بممارسة عملي, تعلمت أمرا هاما. احتضان هويتك ككاتب هو إلى درجة كبيرة مسألة عقلية. أن تحتال على ذاتك لتكون أنت. إذا مارست ذلك لما يكفي ستبدأ بتصديقه. وقريبا جدا ستتصرف كذلك. يبدو الأمر جنونيا بعض الشيء, أليس كذلك؟ ربما. لكنني تعلمته من محترفين حقيقيين. كانت المسميات ترهبني حين بدأت بالكتابة, وكنت أتسائل عن ما أحتاج إلى القيام به لنوالها, لأكون مستحقا لها.

لازمني الهم بأني لن أشعر أبدا بأني كاتب, بالرغم مما كنت أحدث به نفسي. لذا سألت شخصا خبيرا. في كتاب فن الحرب, يوضح ستيفن بريسفيلد بأنك يجب أن تتحول إلى محترف في ذهنك أولا قبل أن تفعل ذلك على الورق. فأهم من عقود النشر والوصول إلى قائمة أكثر الكتب مبيعا هو هذا الإعتقاد في ذاتك. بعبارة أخرى, هو يؤكد على أنك بحاجة إلى أن تحتال على ذاتك, لأنك لست بكاتب بعد. أنت في البداية. يجب علينا كلنا أن نبدأ من مكان ما, ومهنة الكتابة تبدأ منك. في البداية, لم أصدق هذا. فالأمر أشبه ما يكون بكلام المحتالين. لذا راسلت السيد بريسفيلد. أردت معرفة الحقيقة عن صنعة الكتابة, وما لذي تحتاجه حقا. وافق على مقابلتي. لذا, سألته: "متى صرت كاتبا؟ حين حصلت على وكيل؟ عندما وقعت عقد أول كتاب؟ عندما بعت مئة ألف نسخة؟" قال ولا واحدة من هذه. الحقيقة أكثر بساطة. متى تصير كاتبا؟ "عندما تقول أنك كذلك, قال. لم أفهم. أريد خطوات عملية ووصفات أسير عليها. أين البيانات التي تسند هذا؟ لكنه أصر. "دع عنك كل ما يقوله الآخرون. أنت تكون عندما أنت تقول ذلك". في نهاية نقاشنا أزاح كل إعتراضاتي. لم تتبق أي مجادلات, لذا قررت أن أجرب بنفسي.

ما الخيارات التي أمتلكها؟ كل هذا الشك الذاتي, كل هذه التساؤلات -- كنت على استعداد لعمل أي شيء لتخفيف هذا النقص في الثقة الذي اعتراني. لذا بدأت بالقول بأنني كاتب. وضعتها على صفحة الفيس بوك. أرفقتها مع توقيع بريدي الإلكتروني. حيثما استطعت, كنت أكتب كلمة "كاتب" إلى جانب إسمي. كان الأمر فيه شيء من السخافة, لكن شيئا مجنونا حدث نتيجة لهذه الحملة. إنها تعمل. حالما صرحت بهويتي علانية بدأت في تصديق ذلك. قبل أن يناديني أي أحد بهذا اللقب, بدأت أنا بالتصديق بأنني كاتب. صرت أتصرف كذلك. ثم حدث أمر غريب. تحسنت كتابتي. كل هذا بسبب كلمات بسيطة (والسلوك الذي انبثق من تصديق ذلك). خلال هذه العملية, تعلمت درسا هاما: قبل أن يعتقد الناس بما هو حقيقي عنك, عليك أنت أولا إعتقاد ذلك.

مسار تطور الترجمة الآلية



البشر بطيئون, غير متقنيين, ومفكرين بارعين. الكمبيوترات سريعة, دقيقة, وغبية.
جون بفايفر

الصراع بين الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة ولّد صراعا علميا وتقنيا. حيث سعى كلا الكيانين إلى ضمان التفوق على الآخر. فأرسل الإتحاد السوفييتي أول قمر صناعي إلى الفضاء مما دفع الولايات المتحدة إلى إرسال أول رائد فضاء إلى القمر. وأدى خطر امتلاك الإتحاد السوفييتي لصواريخ نووية يمكن أن تشل حركة الاتصالات فيما بين الجيش الأمريكي إلى ظهور الانترنت كوسيلة اتصال لامركزية. وهناك مسعى آخر حاولت الولايات المتحدة أن تجد له حلا تكنولوجيا, إلا أنها إلى الآن لم تتقدم فيه إلا قليلا, وهو الترجمة الآلية التي بدأت منذ أربعينيات القرن العشرين.



في كتاب البيانات الضخمة: الثورة التي ستغير كيفية معيشتنا وعملنا وتفكيرنا يلخص المؤلف المحطات الرئيسة التي سلكتها الترجمة الآلية منذ نشأتها إلى الاستفادة من البيانات الضخمة اليوم:

"الترجمة الآلية كانت أحد أفكار رواد الكمبيوتر منذ فجر الحوسبة في الأربعينيات, حينما كانت الكمبيوترات تُصنع باستخدام الصمامات المفرغة وتملأ غرفة كاملة. وأثناء الحرب الباردة غدت هذه الفكرة ملحة, حيث جمعت الولايات المتحدة كميات كبيرة من المواد المكتوبة والصوتية باللغة الروسية لكن كانت تعوزها القوة البشرية لترجمتها بالسرعة المطلوبة.
المسار الأول الذي سلكه علماء الكمبيوتر هو الجمع بين القواعد النحوية مع قواميس ثنائية اللغة. ففي عام 1954 استطاع حاسوب مطور من شركة آي بي أم IBM أن يترجم ستون جملة روسية إلى الإنجليزية باستخدام 250 زوج من الكلمات وستة قواعد نحوية. النتائج كانت جدا مبشرة. “Mi pyeryedayem mislyi psryedstvom ryechyi,” أٌدخلت هذه الجملة إلى كمبيوتر آي بي أم 701 من خلال البطاقات المثقوبة وكان مُخرَجها هو جملة "نحن ننقل الأفكار بالكلام". تُرجمت الستون جملة بسلاسة, حسبما صرحت به آي بي أم احتفاءً بهذا الإنجاز. توقع ليون دوسترت, رئيس البرنامج البحثي من جامعة جورج تاون, أن الترجمة الآلية "ستغدو أمرا واقعا" خلال "خمس, ربما ثلاث سنوات".
إلا أن هذا النجاح المبدئي تبين فيما بعد كم كان مضللا. ففي عام 1966 اعترف أعضاء لجنة من خبراء الترجمة الآلية بفشلهم. المسألة أصعب مما بدت لهم. تعليم الكمبيوترات الترجمة لا يتضمن تعليمها القواعد فحسب بل والاستثناءات كذلك. فالترجمة ليست مجرد حفظ واستحضار. إنها تُعنى باختيار المفردة الصحيحة من بين خيارات شتى. فهل "bonjour" تعني "صباح الخير"؟ أو "يوما جميلا", أو "مرحبا", أو "أهلا"؟ الجواب هو, يعتمد…

في الثمانينيات استجدت لبعض الباحثين في آي بي أم فكرة. عوضا عن تلقيم الكمبيوتر قواعد لغوية محددة, بالإضافة إلى القاموس, قرروا بأن تكون عملية اختيار مدى ملائمة كلمة ما مقابل أخرى  للكمبيوتر ينجزها من خلال استخدام الإحتمالات الإحصائية. وفي التسعينيات استخدم مشروع كانديدي Candide من آي بي أم الأوراق الصادرة عن البرلمان الكندي باللغتين الفرنسية والإنجليزية, والتي تحتوي على ما يقارب ثلاثة ملايين زوج من الجمل. ولأنها نصوص رسمية, كانت مترجمة بجودة عالية. بمعايير ذلك الوقت, كان كم  البيانات كبيرا. ما عرف بالترجمة الآلية الإحصائية, أحال التعامل مع تحدي الترجمة إلى مسألة رياضية. وبدت أنها تسير بالمسار الصحيح. فتحسن أداء الترجمة الآلية بين ليلة وضحاها. بالرغم من هذه القفزة النظرية إلا أن آي بي أم لم تحرز إلا شيئا يسيرا من التقدم, مقارنة بما أنفقته. فقررت إيقاف المشروع.

بعد أقل من عقد من الزمان, ولجت قوقل عالم الترجمة تحت شعار 'تنظيم المعلومات في العالم وإتاحة الوصول إليها والانتفاع بها'. وبدلا عن استخدام نصوص تُرجمت بعناية فائقة, استفادت قوقل من نصوص بكميات أكبر بكثير ولكنها أقل جودة وتنظيما: أي كل ما هو متوفر على الانترنت, وأكثر. فامتصت أنظمتها كل ما استطاعت الوصول إليه من ترجمات بهدف تدريب كمبيوتراتها على الترجمة. فأخذت نصوصا من مواقع الشركات المتوفرة على أكثر من لغة, والنصوص الرسمية ذات الترجمات المتطابقة, والتقارير الحكومية مثل الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي. وحتى ترجمات لكتب كان قد أضافها مشروع قوقل لنسخ الكتب. في حين كان مشروع كانديدي قد استعان بثلاثة ملايين زوج من الجمل المترجمة بعناية فائقة, استعان نظام قوقل بمليارات الصفحات المتفاوتة بالجودة, حسبما أفاد فرانز جوزيف أوتش, رئيس مشروع ترجمة قوقل وأحد المرجعيات الرئيسة في هذا المجال. فكمية الكلمات التي تقدر بالتريليون تشكل مايقارب 95 مليار جملة إنجليزية, بالرغم من عدم دقة الترجمة.

بالرغم من عدم تناسق المادة المدخلة, تعمل خدمة قوقل بأحسن حال. فترجماتها أكثر دقة من ترجمات الأنظمة الأخرى (مع أنها لاتزال بعيدة عن المثالية). وهي أكثر غنى, فحتى منتصف 2012 غطت بياناتها أكثر من 60 لغة. ويمكنها التعامل مع المدخلات الصوتية في 14 لغة للترجمات الفورية. ولأنها تتناول اللغات كبيانات غير منسقة محكومة بالإحتمالات, يمكنها الترجمة بين لغات لا تتوفر بينهما إلا القليل جدا من الترجمات المباشرة, كما بين اللغتين الهندية والكاتلوينية. فبهذه الحالات تستخدم الإنجليزية كجسر بينهما. وهي بذلك أكثر مرونة من الطرق الأخرى في الترجمة, فيمكنها أن تضيف أو تزيل المفردات حسب معدل استخدامها.

الذي يتيح لنظام قوقل للترجمة العمل بشكل جيد هو ليس استخدامه لخوارزمية ذكية. بل لأن بانكو وبريل من ميكروسوفت قد ألقموه بكميات أكبر من البيانات. فاستطاع قوقل أن يستفيد من بيانات يبلغ حجمها أكبر بآلاف المرات من تلك التي استفاد منها مشروع كانديدي, لأنه قبل التعامل مع البيانات الغير منسقة. فكمية المفردات التريليونية التي استفادت منها قوقل في 2006 حصلت عليها من الفتات المتساقط في أرجاء الانترنت, أو بعبارة أخرى 'بيانات من البرية'. وشكلت حزمة التدريب الأولى التي بنى عليها النظام إحصائياته وإحتمالاته. يُعد هذا بعيدا كل البعد عن ما استخدمه مشروع براون كوربس في الستينيات, حيث استخدم ما مجموعه مليون مفردة إنجليزية. فإستخدام كميات ضخمة من البيانات أتاح السير بخطوات أوسع في مجال معالجة اللغة الطبيعية والذي تعتمد عليه أنظمة أخرى لتعمل كأنظمة التعرف على الصوت والترجمات الآلية. يقول خبير قوقل في مجال الذكاء الإصطناعي, بيتر نورفيج في الورقة العلمية التي عنونها 'الفعالية اللامعقولة للبيانات' : 'النماذج البسيطة مع الكثير من البيانات تتفوق على النماذج الدقيقة المبنية على بيانات أقل'.

كما أوضح نورفيج والمؤلف المشارك معه, بأن عدم التناسق كان المفتاح: 'بشكل ما, هذه الكومة المتكدسة تعد خطوة للوراء لما كان عند براون كوربس: فهي مستقاة من صفحات غير مفلترة من على الويب فتحتوي على جمل غير مكتملة, أخطاء إملائية, أخطاء نحوية, وكل الصنوف الأخرى من الأخطاء. فهي ليست مدققة يدويا بعناية. لكن بما أنها مليون مرة أكبر من بيانات براون كوربس فإن هذا يقلل من هذه النقائص'."