كرة قدم - قصة قصيرة


نشأتَ في مجتمع يقدّر كرة القدم كثيرًا. اللاعب المحترف ينال مكانة رفيعة. وأي رأي يقلل من أهمية كرة القدم يجابه باستهجان شديد.


ومثل بيضة تتركها فراشة على أحد النباتات لتتغذى عليه لاحقًا، كنتَ في طفولتك تقضي عطل نهاية الأسبوع في الشاليه مع أبيك وأصدقائه. وهناك تعرفتَ على ناهض، الذي كنتَ تلعب معه كل جمعة. وفي بعض المرات كنتما تتملصان من اللعب بالنوم حتى وقت متأخر، من شدة الكسل.


كان ناهض يعيش في نفس المنطقة التي تسكن فيها. وعندما دخلتما المدرسة المتوسطة، تآمرت والدته مع والدتك، لتجدا نفسيكما مجبرين على الانضمام إلى أنشطة شباب المنطقة، لتأخذا دروسًا في السباحة والكمبيوتر وتخرجا في رحلات إلى البر، لكن كل شيء كان يتمحور حول كرة القدم.


افترقتما في أول سنة من الثانوية. وتتذكر جيدًا غيابه عن لعب الكرة مع شباب المنطقة لعدة أيام، وسمعت حينها أنه تعرّف على شلّة جديدة أبعدته عن اللعب. وهذا ما يمكنك أن تشهد عليه بنفسك. فبينما كنت في طريقك إلى الملعب الذي بدأت فيه المباراة، لمحتَ ناهضًا يسير بالاتجاه المعاكس، وبيده سيجارة.


شعرتَ بالأسف عليه.


في تلك الأيام كنتَ تسير بخطى جادة وثابتة، مثل دودة خرجت للتو من بيضتها، نحو طريق جديد في حياتك، مختلف عن طرق كثير ممن حولك. فقد عقدت العزم على ألّا تكتفي باللعب من حين لآخر. بل أخذت الأمر بجدية أكثر، وصرتَ تلعب أكثر من مباراة يوميًا. كما لو أنك تستعد للدخول في بطولة رياضية. ولاحظ المقربون منك هذا التغيير حين رأوا ملابسك الرياضية القصيرة. وحين تدخل أي مكان، كنتَ تلاقي ترحيبًا حتى ممن لا يعرفك، بسبب هيئتك التي تدل على أنكَ مشروع لاعب محترف.


وعندما تسمع أخبارًا عن وصول لاعبين محترفين من الخارج، كنت تحرص على الذهاب إلى الملاعب التي سيلعبون فيها. ولم تكن تضع رأسك على الوسادة لتنام إلا وأنت تستمع إلى تسجيل لأحد المعلقين الرياضيين.


هل تتذكر تلك الليلة؟ ربما في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية، عندما استيقظتَ من النوم عند الرابعة فجرًا. ولبست ملابسك الرياضية القصيرة، وخرجت من غرفتك تتسلل حتى لا تزعج أحدًا، وسط الظلام والسكون الذي يعم البيت، ونزلت إلى الدور الأرضي، وقبل أن تخرج من الباب سمعتَ صوتًا يناديك:

"وين رايح هالحزة"، كان أخوك الكبير، عند باب غرفته يكلمك وحول فمه آثار معجون الأسنان، وفي كفه فرشاة.

"عندي مباراة"، تخبره.

"إييي مباراة"، ضحك وهو يتراجع إلى داخل غرفته، "سلِّم على الكابتن".


وخرجتَ إلى الملعب سيرًا على قدميك.


كنتَ ما تزال شديد الحزن على ناهض، لأنه توقف عن اللعب معكم. عرفتَ أنه صار يفضّل اليوقا، ويعدّها رياضة لا تقل في فائدتها عن كرة القدم. كان ينتابك القلق على مستقبل صديق طفولتك، الذي لم يتمكن من إكمال الطريق إلى آخره كما كنتَ تفعل أنت حينئذ مع مجموعة قليلة جدًا من أصدقائك.


ثم دخلتَ الجامعة. وحدثت بعض الأمور.


كنتَ تسمع، في بعض المناسبات الاجتماعية، انتقادات من حين لآخر لما كانوا يرونه هوسًا رياضيًا. في إحدى المرات، حاول أحدهم إجبارك على تناول قطعة من التشيز كيك:

"بيدك بيدك، لا تأخذ قطعة صغيرة بالشوكة"، في إصرار مستمر، "امسكها بيدك واقضمها".

وهكذا وجدتَ نفسك مضطرًا، بسبب فارق العمر بينكما، إلى الرضوخ بتلطيخ كفك بالحلويات، رغم علمك بالمآلات السيئة لذلك.


لكنك لم تكترث.


أكثر شيء كان يمدك بالراحة والسعادة هو تلك الهرمونات التي يفرزها جسمك عندما تلعب المباريات. كان جسدك قويًا وقلبك صلبًا بفضل الرياضة. لكنكَ لم تكن واعيًا بما يحدث من وراء قلبك. فقد كانت بعض الأفكار والأسئلة تَزِنّ فوق رأسك مثل ذبابة، وكان يكفيك ببساطة أن تدفعها بكفك لتتركك وتذهب بعيدًا دون مقاومة. ولم تكن تدري أنك صرتَ مثل دودة تتكوَّم داخل شرنقتها.


ورويدًا رويدًا، عرفتْ ذبابات أخرى مكانك. صارت تنتظرك عندما تستيقظ، وتلاحقك حيثما ذهبت، وأحيانًا تعكر عليك ممارسة الرياضة. جيل جديد من الذباب لا يخاف من هشة الكف. ومع مرور الوقت صرتَ تقبل وجوده معك. وتأخذه معك إلى أصدقائك، الذين كان بعضهم يحاول فور رؤيته لها أن يهشها بحركة سريعة من كفيه، وآخرون كان يتعكر مزاجهم لرؤيتك تحملها إليهم. وعُرِفتَ بين بقية اللاعبين بالشخص الذي ينشر الذباب.


ثم انسدلت الشرنقة عن فراشة بجناحين. صرتَ قادرًا على التحليق بعيدًا إلى نباتات أخرى. 


فتحتَ نافذة غرفة نومك. وضعت الكرة التي تلعب بها في منتصف الغرفة. وضربتها برشاقة، لتخرج من دارك بعيدًا، دون أن ينتبه أحد إلى ذلك. بل خرجتَ أنت أيضًا من النافذة وحلّقتَ عاليًا بجناحيك، وتنقّلت من زهرة إلى أخرى، دون أن ينتبه أحد إلى ذلك.


بالرغم من الجناحين اللذين يبرزان وراء ظهرك، كنتَ في كل يوم تذهب إلى عملك وتمارس هواياتك وتقضي أجمل الأوقات مع أصدقائك وأقاربك، دون أن تشعر بفقدان أي شيء. بل كنتَ تشعر بالامتنان للأجنحة التي امتلكتها عن جدارة.


وفي أحد الصباحات التي كنتَ نائمًا فيها على سريرك، دخلوا عليك ليوقظوك، ولم تستيقظ. ينادون اسمك ويحركون جسدك دون فائدة. كنتَ هامدًا.


لفوا جسدكَ بقطعة قماش بيضاء. وأدخلوك في قبرك. وفي نفس الوقت الذي كانت الديدان تمسك صحونها وشوكاتها وتتقدم ناحيتك، اجتمع ناهض وبقية أصدقائك ولعبوا، بالقرب منك، مباراةً ودّية.



أكتوبر،

2026