سقف الحرية - قصة قصيرة

 


إلى ذكرى تشارلز بوكوفسكي






"لدي إحساس بأن شرب الكحول هو شكل من أشكال الانتحار يُسمح لك بعده بالعودة إلى الحياة والبدء من جديد في اليوم التالي. إنه أشبه بأن تقتل نفسك، ثم تولد من جديد. أعتقد أنني عشت نحو عشرة أو خمسة عشر ألف حياة".

بوكوفسكي





6:18pm:

أجلس في المطبخ أمام دفتري. ما زلت لم أنتهِ تمامًا من تجهيز كل شيء لهذه الليلة. فاليوم هو آخر جمعة من الشهر، وعمي أخبرني أنه يقضي هذه الليلة من كل شهر مع أصدقائه لمراجعة نصوصهم الأدبية.

منذ بداية عملي معه قبل ثلاثة أسابيع لم أجد عنده أي اهتمامات سياسية. يقضي جل وقته في القراءة والكتابة، ويستمع في وقت استراحته إلى إيمينيم، الذي أخبرني أكثر من مرة أنه مثله الأعلى في الكتابة. وأنا أدوّن هذه الملاحظة بحذر، لأني حتى الآن لا أستطيع التفريق بين كلامه الجاد والساخر. وما زلت لا أفهم لماذا يُعجب شخص في مثل سن عمي بهذا المغني الذي يتابعه المراهقون.


نعم، الآن تذكرت، حين شاهد صورة الفتاة التي على غلاف هاتفي الخارجي، سألني ما إذا كنتُ من الإخوان. وأجبته بالنفي، فأنا فقط مهتم بها كفنانة، وليس لي أي اهتمام بآرائها السياسية.


6:33pm:

أضعُ الشاي على الطاولة المستطيلة في الصالة، وإلى جانبها علبة بيتزا قيصر. وأترك ثلاث كومات من الأوراق على الطاولات الدائرية الصغيرة بجانب الأريكتين.

أأخذ نظرة سريعة على الأوراق. لا أجد فيها أي مواضيع سياسية. أصورها بهاتفي حتى أقرأها بتمهل لاحقًا.


6:42pm:

أسحب كرسيًا إلى باب المطبخ من الخارج، لأتمكن من مشاهدة كل ما يحدث في غرفة الجلوس.


6:53pm:

عمي الآن يروح ويجيء في الصالة وهو يستمع إلى أغنية Criminal.


7:08pm:

يصل مروان، ويجلس إلى جانب عمي على الأريكة الطويلة، ويتصفحان الأوراق.


7:18pm:

تصل إيناس وهي تحمل كوب ماتشا من مقهى OLE. وتجلس على الأريكة الصغيرة.


7:45pm:

أسمعهم.. من حين لآخر يعلق أو يسأل أحدهم عن بعض العبارات في النص، بعض الحوارات والأسئلة لم أستطع التقاطها لأنهم أحيانا يخفتون صوتهم فجأة. لكني سمعت إيناس تسأل عمي، "هناك مشكلة في هذه العبارة: كان كسكسٌ لذيذًا جدًا". يستوضح منها عمي، "هل المفروض أن أجعلها: كان كسكسًا لذيذٌ جدًا؟". تردّ إيناس، "لا لا ليست هنا المشكلة. بل في كلمة كسكس نفسها. قد يطلب الرقيب شطبها لأنه سيراها كلمة بذيئة. ربما من الأفضل أن تستبدلها بكلمة طبق". يتأفف مروان، "ياه من هذا الرقيب، لعنته تمتد من الكتّاب إلى دور النشر. قبل أيام أخبرني ناشر روايتي أنني يجب أن أحذف كلمة ويسكي منها، وإلا لن تحصل على فسح في بعض الدول العربية". يرتفع حاجبا عمي، "عجييييييب، إلى هذه الدرجة نزل سقف الحرية في الدول العربية!". تقول إيناس بتذمر، "يا ليت لو يقف الأمر على الرقيب الرسمي أو الناشر، كلكم يتذكر ما حدث لرقبة نجيب محفوظ. الرقيب الرسمي أهون". يوافقها مروان، "هذا أسوأ أنواع الرقباء، النوع الذي لم يعينه أحد رقيبًا. وهو مزعج جدًا في تعليقاته على أي نص أدبي"، يعتدل في جلسته ويغيّر صوته متظاهرًا أنه يقلد شخصًا ما، ويكمل، "هذه القصة لا تمثل مجتمعنا المحافظ، لا يمكن أن يحدث هذا عندنا". تتقمص إيناس صوت شخص ما، وتقول، "أنا أتحفظ على العبارات البذيئة الواردة في القصة". ثم تستعيد صوتها الطبيعي وترتفع نبرتها وهي تقول، "ليت كل واحد منهم يلبس حفاظته بصمت بعيدًا عنا". علّق عمي بغيض ألحظه عليه لأول مرة، "يعني يجب أن لا نكتب عن الكسكس ولا عن الويسكي ولا عن الجبلاوي".


تفوتني بعض العبارات التي لم أستطع التقاطها. إلى أن ارتفع صوت عمي، "لن أضيف كلمة طبق بديلا عن الكسكس، ولا حتى قبلها. من لا يعرف ما هو الكسكس؟ الكل يعرف بأنه من الأطباق المحترمة جدًا". يوافقه مروان، "طبقي المفضل". تعلّق إيناس، "حسنًا إذن، اتركها كما هي. يبدو أننا سنتحدى الرقيب بالكسكس". يضحكون، ويقول عمي، "في الحقيقة والواقع"، يسكت قليلا وهو ينقل طرفه بينهما، ثم يسترسل، "في عالمنا العربي لدينا وسيلة واحدة، مجربة وفعّالة، يمكننا من خلالها رفع سقف الحرية".


عمي يناديني ويطلب مني ثلاثة سِيراه. أستغرب طلبه في البداية وأسأله، "ثلاثة كؤوس؟". يرد، "لا، ثلاث زجاجات".


8:01pm:

أضعُ ثلاث زجاجات من نبيذ سيراه الأحمر بجانب كل واحد. أفتح كل زجاجة وأسكب منها في كأس. يرفعون كؤوسهم، ويقول عمي، "نخب الرقيب"، يضيف مروان، "نخب الرقيب الذي يكره الكسكس". تتذمر إيناس، بعدما أخذت رشفة، عن إفساد الماتشا لطعم النبيذ، ويقول مروان شيئا لم ألتقطه عن طعم البيتزا مع النبيذ الأحمر.


8:22pm:

أذهب إليهم لأسكب المزيد من النبيذ في كؤوسهم الفارغة. يحنون رقابهم محدّقين في صمت على الأوراق، لا يصدر منهم إلا تعليق خاطف على عبارة من هنا أو هناك. لا شيء يستحق الذكر. يقرأون بسرعة لا بأس بها، وبنفس السرعة يشربون. لا أفهم كيف يستمدون قدرتهم على التركيز هكذا.


9:07pm:

عمي يناديني ويطلب مني استبدال زجاجات النبيذ بزجاجات أخرى. إيناس تستنكر، "شربنا الكثير حتى الآن. حتى أنني لم أعد أستطيع تثبيت نظري على سطر واحد من بدايته حتى نهايته". يقول لها عمي، "ألا تريدون رفع سقف الحرية؟ هذه سبيلنا الوحيد إلى ذلك". يجيبه مروان وهو ينظر للأعلى، "معك حق، يبدو السقف أبعد قليلا الآن". يضحك ويقول وهو يمد يده إلى كأسه التي ملأتها للتو، "سأكتفي برفع السقف، قرأت ما يكفي الليلة". يوافقانه، ويضعون الأوراق جانبًا ويشرعون في أحاديث متفرقة عن الأدب. 


أسمع عمي يحدثهم عن براعة إيمينيم في أغنية اسمها.. أظن.. شيئًا عن الأرنب.


9:25pm:

أذهبُ لأسكب المزيد من النبيذ في كؤوسهم. يسألني مروان، "ما هذا الدفتر الذي تكتب فيه من حين لآخر؟". أجيبه، "أريد أن أصبح كاتبًا مثلكم. فاخترت أن أدوّن يومياتي من باب التمرين على الكتابة". تسألني إيناس، "ما نوع القصص التي تريد أن تكتبها؟". أجيبها، "في الحقيقة لا أعرف حتى الآن، لكنني أحب نقل الواقع كما هو". يسألني مروان، "أليس لديك نوع من القصص تفضله؟". أحكُّ مؤخرة رأسي، "امممم، ربما ليلى والذيب". فقال، "جميل، بالإضافة إلى تدوين اليوميات يمكنك أن تحاول إعادة كتابة القصة أكثر من مرة. مرة من وجهة نظر ليلى ثم الجدة ثم الذيب". عمي يدلي بتعليق، "الأسلوب دائما أهم من القصة. الكاتب المبتدئ يبحث عن فكرة، والكاتب المحترف يبحث عن أسلوب". يؤيده مروان، "فعلًا، الأفكار ملقاة على الشارع لمن يعرف كيف ينظر". أسألهم، "هل يمكن أن أكتبها من وجهة نظر محايدة. مثلا كما لو نشاهد القصة عبر كاميرا مراقبة؟". تفكّر إيناس لوهلة، "يمكنك فعل ذلك، لكن عليك حينئذ أن تجعل الأحداث كلها في المضارع، وعليك أن تقرأ الكثير من…". يقاطعها مروان، "المعايشة مهمة أيضا، إذا كنت تكتب عن جريمة تقع في مكان ما فعليك أن تتردد إلى ذلك المكان بنفسك ولا تكتفي بما تقرأ عنه". أسأله، "وإن أردت أن أكتب قصة في بلاد أخرى يجب عليّ أن أسافر إليها أيضًا؟". يقول مروان، "طبعًا، يجب أن يعيش الكاتب نصه وإلا لن يشعر به القارئ".


يرمقني عمي بنظرة أفهم منها أنني تجاوزت حدودي. فأستأذن وأرجع إلى المطبخ، بينما يستأنفون حديثهم عن براعة إيمينيم في كتابة أغانيه.


9:54pm:

أذهب لأسكب المزيد من النبيذ في كؤوسهم. بعد زجاجتين كاملتين لكل واحد منهم، صارت ألسنتهم ثقيلة، أما رؤوسهم فكانت بخفة البالون. يأمرني عمي أن أطلب لهم عشاءً، تقاطعه إيناس، "لا أريد أن آكل، كل ما أريده الآن هو أن أنااااام". يرد عليها عمي، "يجب أن تأكلي جيدًا". تسأله، "وماذا لو لم أفعل؟". يجيبها عمي، "سيسقط عليك السقف فور استيقاظك من النوم". أسأل عمي، "كنتاكي؟". يجيبني، "نعم. سجّل الطلب في هاتفك واذهب لاستلامه من فرع كيفان". أخرجت هاتفي وشرعت أكتب ما يمليه عليّ عمي. تقاطعنا إيناس، "ما هذا؟ يبدو أنني ثملة جدًا.. لماذا أتخيل مايا خليفة على غلاف هاتفك!". أضحكُ وأجيبها، "هي فعلا مايا". ثم أوضح موقفي، "أنا معجب بها كفنانة لا أكثر".


انتهيت من تسجيل الطلب، وهممتُ بالخروج إلى المطعم لاستلامه.


10:28pm:

أعود من كنتاكي حاملًا كيسين. أجدهم في نشوتهم يهزون رؤسهم إلى الأمام والخلف مع صوت إيمينيم. أتركُ كيس العشاء على الطاولة المستطيلة، وأذهب إلى المطبخ. أجلس أتناول عشائي. أُصغي إلى صوت كيس كنتاكي وهو يتمزق بين يديّ، علامة على بدء الوجبة. كول سلو، أربع قطع دجاج مقلي، بطاطا مقلية، ثم كولا خالية من السكر.


10:46pm:

أسمع صوتًا خشنًا من قاع علبة الكولا مع كل شفطة، علامة على بلوغ نهاية الوجبة. أذهب إلى الصالة وأجدُ كيس كنتاكي الذي تركته هناك في مكانه لم يُفتح. وجميعهم ينامون على أرائكهم برؤوس مائلة جانبًا أو إلى الوراء، وصوت إيمينيم يصدح عاليًا وهو يغني Renegade.



10:49pm:

نهاية التقرير رقم: 28/w

الخاص بمتابعة المدعو: غ. خ.

التاريخ: آخر جمعة من يوليو 2026