يوميات: من مدريد إلى لشبونة

"اصعد ثلاثة سلالم متحركة ثم أتجه يسارا"، هذا ما قاله لي عامل في محطة القطار حين شككت في اتجاهي، ابتعت علب مياه من الدكان الأول، ثم تجولت في المحطة سريعا مستمتعًا بصوت جمال المجيم يغني راحت سُلَيمة، وحاملا حقيبة ممتلئة على ظهري، وأخرى صغيرة على صدري. وصلت مبكرا عند الساعة السابعة مساءً، والشمس تغرب بعد التاسعة، يوم طويل. 
ارتأيت أن أشرب قهوة وشرعت في قراءة قصة المكتبة الغريبة لموراكامي إلى أن أنهيتها، العوالم والشخصيات والأحداث الغرائبية في كتابات موراكامي يحلو للقارئ أن يعايشها على مدار أيام، ويظل في كنفها. قصص موراكامي القصيرة لا تجزي عن رواياته. في الأيام القليلة الماضية تحدثت عن موراكامي كثيرا! رواياته عادية، عادية جدا. وكثيرا ما تكون ذات رتم رتيب. أحيانا أشعر أنها لا تحكي شيئا، إلا أن كثيرا مما فيها يشبهنا. كنت قد قررت أن أنتهي من مؤلفاته المترجمة إلى العربية ثم أبدأ بالإنجليزية.

طافت بذهني ذكريات عن أصدقاء لا أدري أين رحلوا. أصدقاء الطفولة، لماذا يوجدون في حياتنا إذا كنا سنفارقهم ثم نظل معلقين ببعض، كذكرى يسووءنا فواتها؟ الآن وقد كبرنا، صارت لنا أحزاب سياسية نتعصب إليها، وموقف محدد تجاه الدين، وعادات كثيرة تراكمت حينا بعد حين، إذا ما التقينا هل سنكون كما كنا أم أننا لن نستطيع احتمال ما صرنا إليه؟ أي من الذكريات ما زالوا يحتفظون بها عني؟ هل يمكن أن تمضي بنا الأيام ولا نلتقي أبدًا.. ماذا لو لم أستطع إيجاد أشخاص مثلهم أشاركهم ذاتي؛ نضحك حتى ندمع، نتنافس في ارتكاب حماقات، نقضي ساعات في نسج مستقبلنا، نتصالح بعد أوانٍ قصير من تشاجرنا. البعض يعبر مرحلة الطفولة ولا يكاد ينتبه إلا بعد...

تداركني الوقت. تناولت وجبة سريعة  في المقهى وتوجهت إلى القطار الذي تحرك عند العاشرة مساءً. عربة النوم تضم أربعة أسرّة، اثنان متقابلان وفوقهما آخران. بدأت قراءة الفصل الأول من كليلة ودمنة على جهاز "الكندل"؛ فصل طويل تناول كيف تمكن واشٍ من تعكير صفو الود بين متحابين. الكتاب ترجمه للعربية ابن المقفع في القرن الثاني الهجري عن النسخة الفهلوية المترجمة عن الهندية. لا أعرف مدى قدم النسخة الهندية الأصلية، لكن بالتأكيد مضى عليها أكثر من خمسة عشر قرنا، وفي ذلك الزمان احتال مؤلفها باستخدام الحيوانات كشخصيات يمرر خلالها آراءه. وسمعت أن ابن المقفع كذلك احتال بترجمته لهذا الكتاب، بحيث أضاف خياله وزاد على النص الأصلي بعض آرائه، ليمررها وكأنها ضمن الترجمة. بالرغم من بعد الزمان إلا أن الواقع لم يتغير. الكتّاب ما زالوا يحتالون بالحيل نفسها إلى اليوم، كنت أقرأ الفصل وأشرد قليلا أو أتشاغل بحديث جاريّ في العربة حتى أنهيته عند الساعة ١٢.


كانت ليلة صيفية حارة. استلقيت بظهري وتذكرت نخلات منزلنا. في منزلنا ثلاث نخلات؛ الأولى كبيرة جدًا ولها جذع متين وثمارها، كجذورها، بعيدة، لا تلتفت إليّ مهما وقفت أمامها. الثانية متوسطة الحجم مشدودة بحبل يعدل ميلانها وثمارها ليست بعيدة. الثالثة رأيتها حينما أتوا بها، صغيرة جدًا وجذعها لا يكاد يُرى. عندما كنت صغيرا كنت أتجنب النخلة المائلة باللعب، أما الاقتراب من النخلة الكبيرة فلم يكن مريحًا، كنت أحب اللعب عند الصغرى.
سمعت صوتًا من خارج باب العربة، صوت قديم أعرفه، ينادي باسمي. تداعت إلي ذكرياتي وتقلبت فيَّ هواجسي والصوت ما زال يتردد:
"تعال، تعال لنلعب"
فُتِح الباب فإذا هي وراءه، مرتدية ثوبا أبيض متلئلئا، شعرها أسود طويل وعيناها مبتسمة، مدت ذراعيها إلي وقالت "تعال". تبعتها وخرجت من الباب إلى حيث كنا نلتقي، بين النخلات الثلاث، وصرنا نلهو كما كنا نفعل، لكن هذه المرة عند النخلة الكبيرة. طفنا حولها مرارًا وبدا لي أنها كانت راضية. يمكنني استشعار فرحتها كلما اقتربنا منها، وإذا ما عانقنا جذعها اقتربت غصونها لتربِّت على ظهورنا. لا أدري لمَ أكترث بمشاعر هذه النخلة، أو العصافير التي على أغصانها. البعض لا يكترث يرميك بكلمات ويدعها كل يوم تتوغل فيك كماء آسن يتفشى في جذع نخلة حتى تتعفن من الداخل وتهوي.

أحضرت علبتيّ عصير سانكيست وعيدان بطاطا، استندنا إلى جذع النخلة وتشاركناهما. جلست أتأمل التصاق شعرها على حواف وجهها من العرق واحمرار خديها من الشمس والتعب، بدت جميلة كحلم، وكنا في غياب تام عن الوقت. 
ونحن إلى جوار النخلة استلقيت بجانبي، أسندت أذني اليمني على كفي الأيمن، ضممت ركبتيّ ووضعت كفي الأيسر بين فخذيّ. وأغمضت عينيّ.

وصلت لشبونة في الثامنة صباحًا. لازلت استمع إلى الأغنية نفسها، وكان جمال المجيم يغني "شخص يذكرني فاههُ وغرته شمس النهار وأنفاس الرياحين"، وتجولت أقصد محل سكني. 

قبل أيام قليلة كنت بعيدًا عن لشبونة واليوم أنا بعيد عن بلادي، لكن في الحقيقة لا عبرة في المحال ولا بالمسافات، فالمدن تزداد بُعدًا كلما قل فيها من يشبهنا.

النظام الغذائي النباتي - لماذا؟


الآن يمكنني النظر إليك بسلام; أنا لم أعد أتناولك.
فرانز كافكا



ترجع نشأة النظام الغذائي النباتي إلى القرن السادس قبل الميلاد في حضارة وادي السند وفي اليونان كتطبيق لعقيدة اللاعنف تجاه الكائنات الحية. ودعا فيثاغورس إلى عدم قتل الكائنات الحية أو تناول لحومها, وكذلك كتب أبو العلاء المعري قصيدة غدوت مريض العقل التي نادى فيها إلى الرفق بالحيوان وعدم أكل لحومها وعد ذلك من الظلم.

هناك أنواع مختلفة من الأنظمة الغذائية النباتية:
  • النظام النباتي Vegetarian الذي يمنع اللحوم والأسماك ولكن يحتوي على البيض ومنتجات الألبان وهذا ما نجده في أغلب المطاعم النباتية الهندية.
  • النباتي الصرف Vegan بالإضافة إلى اللحوم والأسماك يمتنع كذلك عن منتجات الألبان والبيض والعسل، وغالبا ما يُتَّبَع هذا النظام لأسباب أخلاقية، فيمتنع أتباعه كذلك عن ارتداء الملابس والأحذية المصنعة من منتجات حيوانية.
  • النظام النباتي الكامل Whole Food Plant Based Diet وهو شبيه بالنباتي الصرف، فلا يحتوي على أي أطعمة مشتقة من الحيوانات إلا أنه كذلك يمنع الأطعمة المعالجة أو المصنعة كالسكر والزيوت والأرز والقمح الأبيض.


في كتاب ٥٠ فكرة يجب أن تعرفها عن الفلسفة، يستعرض المؤلف بشكل سريع بعض الأفكار والحجج التي يستخدمها النباتيون ومخالفيهم:

من المؤكد أن أغلب الناس لن تفكر أن تحجز بعض الناس في ظروف معيشية قذرة ثم بعد ذلك تأكلها, أو أن تختبر تأثير الكيمياويات غير المعروفة خصائصها على الأطفال, أو أن تقوم بتعديلات جينية على البشر من أجل دراسة بيولوجيتها. فهل هناك أي سند يعطينا الحق بمعاملة الحيوانات بهذا الشكل؟
لابد أن يكون هناك (وكما يحتج مناصرو حقوق الحيوان) تبريرات أخلاقية مرتبطة بالقضية تبرر رفض منح مصالح الحيوانات اعتبارات متساوية مع الاعتبارات التي تُمنح لمصالح الإنسان. وإلا ستصبح المسألة مسألة تحيز أو تعصب أعمى - تمييز نوعي قائم على النوع, وهو أساسًا سلوك يفتقد الاحترام لكرامة واحتياجات غير الآدميات, ويحتاج إلى دفاع لا يقل عن الدفاع الذي يحتاج إليه التمييز على أساس الجنس أو العرق.
أهو سلوك خاطئ فعلاً تمييز نوعنا نحن كبشر؟ فالأسود على سبيل المثال تُظهر اعتبارًا لغيرها من الأسود أكثر مما تبديه للخنازير, فما الذي يمنع أن يُظهر البشر تحيزًا مماثلا؟ هناك العديد من الأسباب المقترحة حول موانع ذلك:

  • يملك البشر مستوى أعلى من الذكاء مقارنة بالحيوانات (أو على الأقل لديهم الإمكانيات لذلك).
  • الضراوة صفة طبيعية (فالحيوانات بطبيعتها تأكل الحيوانات الأخرى).
  • الحيوانات يتم تربيتها على وجه الخصوص لكي تؤكل أو تستخدم في التجارب (وإلا لما وُجدت أصلا في الحياة).
  • نحن نحتاج أن نتناول اللحوم (رغم أن هناك ملايين من الأصحاء كما يبدو لا يأكلون اللحوم).
  • الحيوانات ليس لها ضمير (لكن هل نحن متأكدون أننا كبشر لدينا ضمير؟).
من السهل الرد على هذه التبريرات, ومن الصعب عموما وضع معايير تضم كل البشر وتستثني الحيوانات كلها. فعلى سبيل المثال, لو قررنا أن المهم هو التفوق الفكري, فهل سنستخدم هذا المعيار لنبرر به استغلال الأطفال أو المعاقين ذهنيًا الذين مستوى الذكاء عندهم أقل من الشمبانزي, في التجارب العلمية؟ أو لو قررنا "أن هذه طبيعة الطبيعة". ثم ما نلبث أن نكتشف أن هناك أشياء عديدة قد لا نود تشجيعها, فذكر الأسد أحيانًا مثلا يتصرف وفق طبيعته ويقتل أطفال عدو له, لكنه سلوك مرفوض عمومًا عند البشر.

باسم يوسف



الكثير من المشاهير يعلنون بين فترة وأخرى اتباعهم لنظام غذائي نباتي. الإعلامي الشهير باسم يوسف كان أحد هؤلاء, في هذا الفيديو يشرح النظام الغذائي النباتي الذي يتبعه وأسباب اختياره له:


على سبيل الهايكو ٢

وجه بديع الصفاء,
يمكنك أن ترى عليه مرور الغيوم,
وتقبّل السماء.

سكون الليل,
هواجس يوم طويل,
تعتمل.

ذكرياتنا تخط مسارا
بالغ الوضوح, يأخذ بيديّ
إليك.

سماء صافية,
نخلة باسقة, وحمامة
محتارة بين الغصون.

الغيوم كانت تنتظر
أن يمتلئ حبل الغسيل
لتمطر.

لقاء بعد افتراق,
مشاعر غير مألوفة,
انعتاق.

هذا الفراغ الضبابي
الداكن، استلب قدرتك على
كتابة هايكو واضحة.

إنها دائما الآن: سام هاريس يتحدث عن الموت وأهمية اللحظة الراهنة



العاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة وأنها قصيرة جدا, فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة, فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبا للهموم والأكدار.
عبدالرحمن السعدي

سام هاريس


الفيلسوف وعالم الأعصاب الأمريكي سام هاريس (ولد 1967) له العديد من المؤلفات والمحاضرات التي أثارت جدلا بسبب أفكاره حول الدين والعلم والأخلاق وتناوله إياهم بإسلوب ينحو كثيرا إلى العقلانية, ودعوته إلى اعتماد الفن والعلم والفلسفة كمصادر رئيسة للقيم والأخلاق بديلا عن الدين.
تحدث في محاضرة طويلة عن الموت وأهمية العيش في اللحظة الراهنة وما يخالج الإنسان عند تيقنه بقرب موته من ندم على إسراف أوقاته في أمور لم تكن تستحق. هنا أترجم جزء من المحاضرة التي أرى أن كل شخص يمكنه أن يستفيد منها في حياته:

إنها دائما الآن.
في الحقيقة، أردت التحدث اليوم عن الموت. في حين أن معظمنا يسعى جاهدًا لتجنب التفكير في الموت، إلا أن هناك جزءً من عقولنا يدرك دائما أن هذا لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. جزء منا يدرك دائما بأننا على بعد زيارة إلى الطبيب أو اتصال هاتفي لنتذكر بشكل  صارخ حقيقة فنائنا نحن أو المقربون منا.
أنا متأكد أن الكثير منكم الآن في هذه القاعة خَبَر ذلك بطريقة ما. لا بد أنكم تعرفون مدى فظاعة رميكم خارج مسار الحياة الطبيعية بلا سابق إنذار، ليصبح شغلكم الشاغل أن تظلوا على قيد الحياة، أو تعتنوا بشخص كذلك.
لكن الشيء الوحيد الذي يميل الناس لإدراكه في لحظات كهذه هو أنهم أسرفوا كثيرا من أوقاتهم حينما كانت الحياة طبيعية. وهو ليس فقط ما فعلوه بأوقاتهم، ليس لأنهم أنفقوا الكثير من الوقت في العمل أو بأنهم يتفقدون بريدهم الإلكتروني بهوس، ولكن لأنهم اكترثوا للأشياء التي لا تستحق، فهم نادمون على ما استحوذ على انتباههم عاما بعد عام حينما كانت الحياة طبيعية.
وهذا بالطبع تناقض فكلنا يعلم أن هذه اللحظة آتية، أعني، ألم تكن تدري أنها آتية؟ ألم تكن تدري بأن سيأتي يوم ما حيث ستمرض أو سيتوفى أحد أقربائك وستنظر ورائك لتلك الأمور التي استحوذت على اهتمامك وستفكر، "ماذا، مالذي كنت أفعله؟" أنت تعرف هذا، لكن إذا كنت مثل معظم الناس، فستقضي أغلب أوقاتك في الحياة تتوقع ضمنيا أنك ستحيا للأبد; كأن تشاهد فيلما سيئًا للمرة الرابعة أو تخاصم زوجتك. ما أعنيه، هذه التصرفات تكون منطقية في حال وجود أبدية، فمن الأولى أن تكون ثمة حياة أخرى إذا كنا سنسرف أوقاتنا بهذه الطريقة.

هناك وسائل عملية للعيش في اللحظة الراهنة.  ما البديل؟
إنها دائما الآن.
برغم شعورك أنك تحتاج إلى التخطيط للمستقبل لتتنبأ به أو لتقلل المخاطر، حقيقة حياتك هي الآن. قد يبدو ذلك ساذجا، لكنها الحقيقة. هي ليست حقيقة فيزيائية، في الواقع لا يوجد لحظة راهنة (الآن) تشمل كل الكون. لا تستطيع ذكر حدث يقع بالتزامن هنا وآخر في نفس اللحظة يقع في مجرة أندروميدا.
في الواقع، (الآن) ليس معرّفة بدقة في علم الأعصاب لأننا نعرف أن المدخلات تأتي إلى الدماغ في لحظات مختلفة، وأن الوعي مبني على طبقات متعددة من المدخلات الغير متزامنة هي التي تُنتج الوعي في اللحظة الراهنة. فبعض المشاعر غدت ذكرى لكن من خلال تجربة الوعي حقيقة حياتك هي دائما الآن.
وأرى أن هذه الحقيقة محررة حول طبيعة العقل البشري. في الواقع، أرى أنه لا يوجد شيء أولى بالفهم حول عقلك سوى ذلك إذا أردت أن تكون سعيدًا. الماضي ذكرى، هو خاطرة تطفو في الحاضر. المستقبل مجرد توقع، هو خاطرة أخرى تطفو الآن. ما نملكه بحق هو هذه اللحظة.
وهذه.
وهذه.
ونقضي معظم حياتنا في تناسي هذه الحقيقة، في رفضها، الهروب منها، تجاهلها. والمرعب أننا ننجح.
قررنا أن لا نتصل مع اللحظة الراهنة وإيجاد كفايتنا فيها، لأننا نأمل باستمرار بأن نكون أسعد في المستقبل، والمستقبل لا يأتي أبدا، حتى حين نظن بأننا في اللحظة الراهنة، نكون بطرق رقيقة ننظر من عليها لنتوقع مالذي سيحدث بعد. في الإمكان أن تلقي مشاكلك ببساطة إذا ولو للحظة، وتستمع بحقيقة حياتك الراهنة مهما كانت. هذا لا يستلزم معلومات جديدة أو معلومات أكثر. بل يلزم تغييرا في السلوك، يلزم تغييرا في الانتباه الذي توليه تجاه تجربتك للحظة الراهنة.



هل تقضي التكنولوجيا على الموت؟


لا أحد يريد أن يموت. حتى من يسعون للجنة لا يريدون أن يموتوا ليذهبوا إليها. مع ذلك الموت هو مصيرنا المشترك. لم ينجو منه أحد. لأن الموت هو اختراع الحياة الأوحد والأفضل. هو عامل التغيير في الحياة. يستبدل القديم بالجديد. الآن أنتم الجدد, لكن يوما ما ليس بعيدا عن اليوم, ستصبحون تدريجيا قدامى, وسَتُنَحّونَ جانبا. أعتذر عن كوني قاسيا, لكنها الحقيقة.
ستيف جوبز





القضاء على الموت! ما أكبر هذه العبارة وما أسذجها.. لكن أليس هذا هو ما يسعى إليه الإنسان منذ بدء الحضارات؟ أليس الخلاص من الموت هو ما يبرر الجزء الأكبر من أفعالنا؟ ألسنا نرفض الموت بالفطرة (بيولوجيًا)، أو كما نطلق عليها غريزة البقاء؟

منذ الأزل والإنسان يسعى ليفر من الموت إلى الخلود. فأقدم النصوص الأدبية التي وصلتنا من الألفية الثالثة قبل الميلاد تحكي قصة ملك أوروك (جلجامش) الذي استطاع أن يحصل على عشبة الخلود بعد سعي جهيد ولكنه فقدها في طريق عودته ليقتنع وهو يقف أمام السور العظيم لمدينته أن ما سيخلده هو عمله فقط. كذلك موحد الصين تشين شي هوانج  (259ق.م.-210ق.م.) عندما كبرت سنه صار يرسل قوافل إلى الشرق للبحث عن جبل بنغلاي الغامض حيث يوجد فيه ينبوع الشباب, إلا أنها كانت ترجع إما خائبة, أو لا ترجع أبدا.

فعلى مدار الزمن اختلفت تصورات الإنسان ومساعيه نحو الخلود. فمن عشبة أو نبع يتحصل منهما على ما يحفظ به عنفوان شبابه. إلى تفويض هذه المهمة للآلهة, التي من خلال نوال رضاها تبادله بالخلود. إلى الوقت الراهن الذي تراكمت فيه الكثير من معارف القرون السالفة مما فتح خيارات أوسع مما سبق.

التفرد التكنولوجي

يقول الناس أحيانا أن الموت يضفي على الحياة معنى، لأنه يجعل وقتنا محدود. لكن في الحقيقة، الموت لص كبير للمعنى وللعلاقات وللمعرفة.
راي كيرزويل

راي كيرزويل

منذ أُخترع المحرك البخاري في نهاية القرن الثامن عشر والتطور التكنولوجي يتسارع بوتيرة مستمرة. وكلما وصلت تكنولوجيا ما إلى مداها استشعر العلماء الحاجة الملحة لتطوير تكنولوجيا أحدث لئلا تتوقف مسيرة هذا التقدم. ومن خلال تتبع نمط هذا التقدم يمكننا أن نلاحظ أن بعض التكنولوجيات (مثل القدرة على معالجة البيانات) تتقدم بوتيرة أُسية. هذه هي الفكرة المحورية التي يرتكز عليها راي كيرزويل في تنبؤه بالوصول إلى التفرد التكنولوجي منتصف هذا القرن (بالتحديد 2045) حيث ستتفوق الكمبيوترات على البشر وستتمكن من تطوير نفسها بنفسها ولن يسعنا حينها اللحاق بها. قبل ذلك الحين سنتمكن من فك شفرة الدماغ البشري ثم نقل ما تحويه أدمغتنا إلى الكمبيوتر حيث سيظل وعينا حيًا وسيكون بوسعنا أن ننقله لأي جسد نريد، وسينتقل البشر حينها من أجسادهم البيولوجية بطيئة التطور إلى أجساد ربوتية واعدة بفضل تكنولوجيات حديثة كتكنولوجيا النانو. هذا باختصار هو مسار الخلود الذي يعد به كيرزويل وغيره من مبشري التفرد التكنولوجي.

يصف كيرزويل نفسه بأنه مخترع وكاتب ومتخصص بالمستقبليات. ولد في نيويورك عام 1948 وله شغف كبير في معرفة المستقبل لذا اهتم بالاختراعات حتى وّصِف بأنه وريث توماس أديسون. وهو يعمل الآن في شركة قوقل لتطوير كمبيوترات تتمكن من فهم ومعالجة اللغة البشرية.

يُعد كيرزويل من أبرز المنظرين لفكرة التفرد التكنولوجي التي تفترض لحظة ما في المستقبل ستتطور فيها الحواسيب إلى أن تبلغ مرحلة من الذكاء بحيث تصير قادرة على تطوير نفسها بنفسها. وحينئذ ستكون قد تفوقعت بذكائها على الذكاء البشري مما قد ينتج عنه عواقب لا يمكن لأحد التنبؤ بها لأن شيئا مثل هذا لم يحدث من قبل.
فحسب توقعات كيرزويل, في 2020 سيكون لدينا كمبيوترات قدراتها المعالجية توازي الدماغ البشري، إلا أننا لن نكون قد انتهينا من فك شفرة عمل أدمغتنا حتى عام 2029 (وحينها ستكون الكمبيوترات قادرة على اجتياز اختبار تورينغ بنجاح). أما في عام 2045 فستتفوق قدرات الكمبيوترات في الذكاء مليار مرة قدرات البشر وتلك اللحظة تُسمى لحظة التفرد التكنولوجي.

في هذا الفيديو يتحدث كيرزويل عن كيفية الوصول إلى الخلود من خلال الإندماج بين البشر والكمبيوترات:


قصة قصيرة: بركاتك يا انترنت

آلام الأسنان تجلب هلاوس الأحلام. تُذهلنا عمّا حولنا، تُثقل نهارنا تأوهًا وتُحلِك بالأنين ليالينا. تسلبنا طيب الرقاد. تَعرج بنا في سماء الأوجاع وتُردينا. صِنفٌ من العذابات الجحيمية، لا تنفَكُ حتى تَبْتَلّ مآقينا.

لفترة، لازمني ألمٌ حاد استقر في أحد أسناني، يغيب ويرجع. ابحث في الانترنت عن أشخاص يواجهون آلامًا مشابهة. اقرأ قليلا عن علاجات شتى، حتى أغطّ في النوم. بَسْ! مللت التأجيل. ينبغي أخذ موعد عند عيادة الأسنان. بالقرب من مقر عملي عيادة تبدو جيدة. غدًا أذهب.

أو، لأتمهل قليلًا، لأجرب حلا آخر يعالج الضرس طبيعيا من تلك العلاجات التي قرأت عنها. ماذا سأخسر. صبرت عليه طويلا، لأصبر أكثر، فربما.
لماذا لا أُنبت الضرس مرةً أخرى، أو الأجزاء التي نخرها السوس. مثلما تنمو خلايا الجسم والعظام. محاولة، لعل وعسى.

يلزمني القليل من ثاني أكسيد الكلور لأمحو البكتيريا الموغلة. بعد ذلك أبدأ عملية الإنبات بقطرات من فيتامين "ك" في الفم. محلول المغنيسيوم لتغميس باطن القدمين. فيتامين "د" وزيت السمك. والكثير الكثير من الزبدة، صباحًا ومساءً.

أرصد الضرس كل يوم. لا تَغيُّر. الأمور تسير بشكل طبيعي في الأسابيع الأولى، سِوَى أوجاع متفرقة في المفاصل. أخي دخل غرفتي مسرعا قبل يومين عند سماعه استغاثاتي، لكنه انتبه أني كنت أشّخر. بركاتك يا زبدة!
قررت أزيد الجرعة. لعل وعسى.

البلغم في تكاثر. نومي الثقيل صار أثقل. بِتُّ أشرب قهوتي بالزبدة. أشهى وأطعم. اضطررت إلى شراء ملابس جديدة. أما الضرس فلا تَغيُّر.
هل الجرعة غير كافية؟ طيب، سأزيدها.

تثاقلت حركتي. مزاجي متعكر على الدوام. زادت ساعات نومي وازددتُ تعففا. أغلب طعامي امتزج بالزبدة.
إلا أن تضاريس جسمي بالدهن نبتت، عساها تذهب جُفَاءً، عساها. أما إنبات الضرس، فقد تلاشَ الأمل. وكلما نظرتُ إلى المرآة شاهدت إنسانًا لزجًا بأعضاءٍ مُمَدَّدَة، محشوًا بالزبدة. بركاتك يا انترنت!

١٦ ديسمبر ٢٠١٤ 

أربعة فروقات بين الدماغ العبقري والدماغ العادي




أربعة فروقات بين الدماغ العبقري والدماغ العادي
ترجمة: علي الصباح


كان ألبرت آينشتاين عبقريا.  كذلك كان ليوناردو دافنشي, بوبي فيشر, نيكولا تيسلا, ماري كاري, لودفيغ فان بيتهوفن, ومدام دي ستايل. هذا غير قابل للجدل. يمكنك كذلك أن تسميّ عشرات آخرين. ثم تفكّر في هذا السؤال: لمذا يُعد هؤلاء الأفراد عباقرة؟ على أي مقياس أجرينا هذا الحكم؟ لا شك أن كل واحد منهم أسهم بشيء لمجتمعنا, سواء كان فنيا أو علميا أو ثقافيا. لكن ما الذي يصنع العبقري؟ هل أدمغة هؤلاء الأفراد تختلف جذريا عن عن أدمغة غير العباقرة, أو الناس العاديين؟

الروابط: الطويلة والقصيرة
في الدماغ العادي, هناك إنقسام متساوٍ نسبيا بين الروابط والطويلة والقصيرة داخل قشرتنا الدماغية. الروابط القصيرة متعلقة باستعدادنا لمزاولة شيء من اهتمامنا, بينما الروابط الطويلة تختص باستعدادنا لمزاولة الأشياء الخارجة عن اهتمامنا. في دماغ العبقري, غالبا ما تترجح كفة أحد هذه الروابط على الأخرى. على سبيل المثال, ربما كان لبيتهوفن عدد كبير من الروابط القصيرة القشرية, تتعلق بقدراته الموسيقية. شخص مثل بليز باسكال حتما سيكون لديه عدد أكبر من الروابط الطويلة في قشرته الدماغية بما أنه كثيف الإنجاز بكل شيء من الرياضيات إلى النثر إلى الفلسفة اللاهوتية.

المهاد: مصفاتنا
مستقبلات الدوبامين في مهاد أدمغتنا تحدد, بشكل أساسي, مالذي يمر. أدمغتنا تعالج الخواطر أسرع من إمكانيتنا على تنظيمها. المهاد ومستقبلات الدوبامين هما في الواقع مكان عنق الزجاجة لهذه الخواطر. بعضها قيّمة لذا يسمح لها بالمرور, بينما الأخرى تُكبَت وغالبا لا تصل إلى التفكير الواعي. في دماغ العبقري, هناك عدد أقل من مستقبلات الدوبامين. لذلك, عنق الزجاجة يكون أوسع, مما يتيح لِكَم أكبر من الخواطر بالمرور. تأمل القدرة على الإبداع وحل المشاكل التي سيمتلكها شخص إذا سُمح لخواطر وحلول وأكثر بالمرور.

أهمية المادة الرمادية
المقصود بالمادة الرمادية ذلك النسيج الداكن من الدماغ والحبل الشوكي. تتكون من تشعبات تتفرع خارجا  لتنتظر, حرفيا, استقبال المعلومات من المحاور العصبية. عند دراسة أدمغة الذين حققوا نتائج عالية في اختبار الذكاء IQ - عددهم أكثر من 130 - لوحظ وجود مساحة أكبر من البقعة الرمادية. بالإضافة إلى ذلك, البقعة البيضاء من الدماغ, حيث تكون المحاور العصبية, كانت كذلك أكثر وفرة. الكميات الكبيرة من الخلايا العصبية في المادة الرمادية والبيضاء تعني أن التواصل يحدث بصورة أسرع وأكثر فعالية. نُشرت مؤخرا صور لدماغ ألبرت آينشتاين ولم تحتوي فقط على مادرة رمادية أثخن وأكبر, وإنما حوت كذلك على طيات معقدة أكثر طوال المادة الرمادية, مما يوحي بأنها من العلامات التي تنبئ بدماغ عبقري.

المنهح
بينما هناك بالتأكيد خصائص فيزيائية أو ملموسة في أدمغة العباقرة تميزهم عن غير العباقرة, هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه حول منهج العبقري في التفكير بشكل عام. تأمل كيفية تفكيرك لحل مشكلة محددة. لعلك تبدأ بطوفان من الأفكار. ثم, غالبا, تشرع بركن هذه الأفكار. أحدها لن تنجح لأنك لا تملك ما يكفي من المال. أخرى لن تنجح لأنك جربتها سابقا وفشلت. بينما واحدة أخرى لا يمكن أن تنجح لأن لا أحد يطبقها. وهكذا, ببطئ وثبات, تعيق كل أفكارك وتستخلص واحدة أو اثنتان يمكنهما النجاح. دماغ العبقري يعمل بشكل مختلف. الأفكار لا تُركن بناء على مدى فاعليتها أو تطبيقها العملي. كل شيء يؤخذ بعين الإعتبار. الخواطر لا تُستبعد مباشرة. العبقري غالبا ما يسلك مفارق متعددة حتى يصل إلى النتيجة المبتغاة, فضلا عن الحكم ببساطة عن مالذي سينجح ومالذي لن ينجح.

كلمة "عبقري" أُستخدمت لوقت طويل كوسيلة لتصنيف شخص ما بأنه بشكل مبتكر أو ماهر بشكل ملفت, إلا أن علماء الأعصاب بعيدون جدا عن اكتشاف ما الذي يفصل أدمغتهم عن غير العباقرة. ما يبدو واضحا بشكل واسع في هذا المسعى في تحديد ما يصنع العبقري أن ليس هناك عامل أوحد. الاختلافات في بنية الدماغ الفيزيائية ومعالجات الخواطر المصاحبة هي مجرد جزء من لغز غامض.

العشرينات: مرحلة تحديد مسارات حياتك المهنية والعاطفية



Image Source: abc.net.au


فترة العشرينات من أكثر المراحل أهمية في حياة أي إنسان, وهي أكثر الفترات إرباكا. نكون للتو قد انتهينا من الدراسة وينتظرنا تحديد العديد من المسارات التي سنسلكها لبقية حياتنا المهنية والعاطفية.
فـ 80% من اللحظات الحاسمة في حياتنا تحدث قبل سن 35, والنمو الأكبر لدخلنا المادي يعتمد على السنوات العشر الأولى من حياتنا المهنية, ونصفنا يكون قد تزوج أو ارتبط, بشكل أو بآخر, بشريك حياة عند الثلاثين من العمر. التغيرات التي تطرأ على شخصيتنا خلال هذه الفترة لها تأثير يفوق أي فترة أخرى من حياتنا.

المتخصصة النفسية ميغ جاي قضت العديد من الساعات يوميا تنصت إلى العشرينيون لأكثر من عشرة سنوات. وأصدرت كتاب العقد المصيري: لماذا عشرينياتك مهمة وكيف تستفيد منها الإستفادة القصوى الآن.

أحد العشرينيون الذين استمعت إليهم هو إيان, الذي يشعر بالحيرة والضياع بين الطرق اللانهائية التي يمكنه أن يسلكها, وهي بدورها اقترحت عليه وسيلة للتخلص من هذه الحيرة والشروع في اتخاذ القرار:



أخبرني إيان أن عمره العشريني يُشعره كأنه في وسط المحيط, مثل بقعة مائية هائلة بلا ملامح. لا يستطيع رؤية اليابسة من أي اتجاه, لذلك هو لا يعرف أي طريق يسلك. يشعر بالإرباك من إمكانية السباحة لأي مكان أو عمل أي شيء. عدم معرفته لمدى إمكانية نجاح أي شيء يشعره بالشلل. ممتلئ بالتعب واليأس وهو في الخامسة والعشرين من عمره, يقول أنه يحفر في الماء ليظل حيا.

Image Source: Amazon.com
بينما أستمع لإيان راودني شعور باليأس. أحاول أن أكون كما يقول الأطباء النفسيون "ألتقي مع المرضى حيثما كانوا". إلا أن تشبيه المحيط الخاص بإيان كان مشكلة حقيقية. حين أضع نفسي مكانه, لا أستطيع أن أجد حلا مُرضيا أمام طرق متعددة كلها تبدو متماثلة
أتسائل إن كان لدى إيان أي فكرة حول كيفية تمكنه من التوقف عن الحفر في الماء.
سألته: "كيف يخرج الناس من المحيط؟". 
أجاب: "لا أعلم" وأدار رأسه وهو يفكر باهتمام وقال: "أرى أنكِ يجب أن تحددي جهة وتبدئين بالسباحة. لكنكِ لا تستطعين التفريق بين أي جهة وأخرى, لذلك لن تستطيعين الإختيار. بل لن تستطيعين معرفة ما إذا كنتِ تسبحين باتجاه شيء ما, لماذا إذن تستهلكين كل قواكِ للذهاب إلى الاتجاه الخاطئ. أعتقد أن كل ما يمكن فعله هو الأمل بقدوم أحد على ظهر قارب أو ما شابه." قال ذلك بشيء من الارتياح.

هناك شيء من الذعر في عبارة "حياتي تعتمد عليّ". كم هو مخيف إدراك عدم وجود أي سحر, وأنك لا تملك أن تنتظر فحسب, لا أحد يستطيع إتقاذك, وعليك أن تقوم بشيء ما.
عدم معرفة ما تريد فعله في حياتك -أو على الأقل عدم وجود بعض الأفكار لما تريد أن تفعله لاحقا- هو دفاع من هذا الذعر. هو مقاومة للإقرار بأن الخيارات ليست لانهائية. وهي وسيلة للتظاهر بأن الآن ليس بذي أهمية. أن تكون حائرا بين مختلف الخيارات ليس إلا أمل بأن تجد طريق تمضي به في الحياة دون تحمل المسؤولية

عوضا عن تحمل المسؤولية, أمّل إيان بأن يأتي إليه أحد, ينتشله مما هو فيه, ويسير به في طريق محددة. هذا يحدث طوال الوقت. إيان قد يقفز مع مجموعة من الأصدقاء أو مع خليلة. سيسير على طريقهم لفترة وينشغل عن حياته لفترة أطول. لكنني أعرف كيف ستؤول الأمور. سيستيقظ يوما ما في في بلاد بعيدة, وهو يزاول عملا أو يعيش في محل لا يتوائم معه بتاتا.
سيكون بُعد المشرق عن الحياة التي سيدرك فجأة أنه يريدها. وفي تشبيه المحيط, كان إيان يتظاهر بأن ليس هناك حياة محددة يريد أن يعيشها. كأن لم يكن له ماض ولا مستقبل, ولا سبب يدفعه إلى المضي بهذا الطريق أو ذاك. لم يكن يتفكر مليا بالسنوات التي عاشها, ولا درس السنوات القادمة. وكما كان يقول, هذا يجعل الفعل مستحيلا.
لأن إيان لم يكن يعلم أن العشرينيون الذين يقررون أسعد من أولائك الذين يحفرون في الماء, ترك نفسه حائرا. يسهل الوقوع بذلك. فإيان يصاحب أصدقاء مترددون. ففي محل الدراجات حيث يعمل, أكد له أصدقاءه بأنه لا يحتاج إلى اتخاذ أي قرار الآن -"ليس نحن!" قالو له بابتهاج.
كانت لهم نقاشات طويلة حول الوظيفة, بأن لا يستقرون أبدا ولا يساومون, إلا أنهم هاهم مستقرون في البطالة المقنعة ويساومون على مستقبلهم. حتى أنني طننت إيان كان موجودا في مكتبي لعلمه أن هذا الكلام ليس سوى أكاذيب لاواعية. وعندما أخبر والديه عن عدم قدرته على تحديد وجهته في محيط حياته, اسمعوه أكاذيب أخرى. قالا له: "أنت الأفضل! حدودك السماء!" ذكّراه بأنه يستطيع القيام بكل شيء يعزم عليه.
لم يدركا أن هذا التشجيع الغير منضبط ليس نافعا. فهو يقود إلى الحيرة أكثر منه إلى الإقدام. العشرينيون مثل إيان تربوا على الأوامر المجردة -"اتبع حلمك!" "مد يديك إلى النجوم!"- إلا أنهم لا يعرفون ما يكفي لإنجاز هذه الأشياء. فهم لا يعرفون كيفية الحصول على ما يريدون, بل أحيانا لا يعرفون ما يريدون.
 كما أخبرني بذلك إيان بإحباط: "أمي تستمر في إخباري وإخبار الجميع كم أنا عظيم وكم هي فخورة بي, وأنا أريد أن أسأل: على ماذا؟ مالذي يميزني بالتحديد؟" بعيدا عن النرجسية التي تستحوذ على إشادة والدته, طالما شعر إيان بأن كلماتها عامة بما يكفي لئلا تعني شيئا. ولأسباب وجيهة, شعر أنه مخدوع.
الحياة ليست لانهائية, كذلك إيان. غالبا ما يتمنى العشرينيون لو كانت لهم خيارات أقل, لكن في نفس الوقت, إيان لا يملك ذلك الكم من الخيارات كما اُخبر. وكلما انتظر أطول ليختار منها, كلما تقلصت.

قلت له: "تعال الأسبوع القادم. حينئذ, سنخرج من المحيط. إنه ليس التشبيه الصحيح. سنذهب لنشتري المربى بدلا عن ذلك."

هناك دراسة قديمة في علم النفس معروفة باسم تجربة المربى. أجرت تجربة المربى الباحثة شينا آينغر والتي واتتها فكرة حينما كانت في جامعة ستانفورد, أن دكاكين البقالة تكون أفضل محل لفهم كيفية اتخاذ الناس لقراراتهم. مساعدي آينغر وقفوا كبائعي مربى وجهزوا لهم طاولات للعينات في متجر للذواقة.
في أحد حالتي التجربة, توضع ستة أصناف من المربى للتذوق: خوخ, كرز أسود, كشمش أحمر, برتقال, كيوي وليمون. في الحالة الأخرى يُعرض أربعة وعشرون صنفا من المربى: الأصناف الستة السابقة و18 أخرى. في الحالتين, الزبائن الذين تذوقوا المربى يمكنهم استخدام كوبون لشراء جرة بثمن مخفض.
النتيجة المهمة في الدراسة أن طاولة الـ24 صنف اجتذبت اهتماما أكبر إلا أنها أسفرت عن مشترون أقل. المتسوقون اندفعو بحماس إلا أن أغلبهم ارتبك وامتنع عن شراء المربى بالكلية. فقط 3 بالمئة من الذين توجهوا إلى الطاولة التي تحتوي على 24 نكهة أقدموا على شراء المربى. بالمقابل, الزبائن الذين توجهوا إلى طاولة النكهات الست كانوا أكثر قدرة على تحديد الجرة المناسبة لهم, بنسبة تصل إلى 30 بالمئة منهم خرجوا من المتجر وهم يحملون المربى بأيديهم.

في الأسبوع التالي, أخبرت إيان عن تجربة المربى وتسائلت بصوت مسموع عن ما إذا كان شعوره بالإرتباك ناتج عن محاولته للإختيار من الإحتمالات المتعددة الموهومة للحياة.
إيان: "أشعر بالإرتباك من فكرة إمكاني عمل أي شيء في حياتي."
اقترحت عليه: "لندخل في صلب الموضوع. لنتحدث عن اختيار مربى."
سأل: "هل أنا عند طاولة النكهات الست أم عند طاولة النكهات الأربع وعشرون؟"
أجبته: "هذا سؤال ممتاز. أعتقد أن جزءا من عملية اتخاذ أي قرار في عشرينياتك هي إدراك عدم وجود طاولة الأربعة وعشرون نكهة. إنها خرافة."
سأل: "لماذا هي خرافة؟"
أجبته: "يسمع العشرينيون بأنهم يقفون أمام صف لامحدود من الخيارات. بأن يُقال لك أنك تستطيع فعل ما تريد أو الذهاب حيثما تريد, هذا مماثل للمحيط الذي وصفته. كالوقوف أمام طاولة الأربعة وعشرون نكهة. لكنني لم أقابل بعد عشريني يملك أربعة وعشرون خيارا مهما حقيقيا. كل شخص يختار من طاولة النكهات الست, على أفضل حال, الخاصة به.
نظر إلي إيان بانشداه, لذا واصلت: "قضيت أكثر من عقدين تشكل ذاتك. لديك تجارب واهتمامات ومواطن قوة ومواطن ضعف وشهادات دراسية ورفاق وأولويات. لم تقفز للتو إلى هذا الكوكب, أو حسب وصفك, إلى المحيط. السنوات الخمس وعشرون الفائتة وثيقة الصلة. أنت تقف أمام ستة نكهات من المربى وأنت تعرف شيئا ما حول ما إذا كنت تفضل الكيوي أو الكرز الأسود."
إيان: "فقط أريد للأمور أن تسير بشكل جيد. فقط أريد للأمور أن تنجح."
واجهته: "أنت تصورها بشكل مبهم. أنت تتجنب معرفة ما تعرفه."
إيان: "تعتقدين أنني أعرف ما يجب أن أفعله؟"
أجبته: "أظن أنك تعرف عدة أمور. أظن أن هناك وقائع. لنبدأ منها."
سألني: "إذا هذا مثل سؤال اليانصيب؟"
استفسرت: "ما هو سؤال اليانصيب؟"
إيان: "كما تعلمين, حين تسألين نفسك ما الذي ستفعلينه في حياتك حال فوز باليانصيب. حينها ستدركين بحق مالذي تريدين فعله."
قلت له: "هذا ليس السؤال الصحيح. ليس لهذا علاقة بالواقع. سؤال اليانصيب سيدفعك للتفكير حول ما الذي ستفعله إذا كانت الموهبة أو المال غير ضروريان. لكنهما ضروريان. السؤال الذي يجب أن يساله العشرينيون لأنفسهم هو مالذي سيفعلونه إذا لم يربحوا في اليانصيب. ما الذي تتقنه بشكل كاف ليتيح لك دعم الحياة التي تريد؟ ومالذي تستمع به بما يكفي لكي لا تمانع من مزاولته بشكل أو بآخر لعدة سنوات قادمة؟"
إيان: "لا أعرف شيئا حيال ذلك."
أجبته: "هذا لا يمكن أن يكون صحيحا."

في الأشهر التالية, حدثني إيان عن تجاربه في العمل والمدرسة. ولفترات طويلة, كنت أنصت فقط. تحدث إيان, وكلانا كان ينصت لما يقوله. بعد حين, تفكرت في بعض المعلومات التي سمعتها ورأيتها. كان هناك اهتمام مبكر بالرسم. وحب للعبة الليقو وللبناء منذ مرحلة الطفولة. شرع في تخصص الهندسة المعمارية إلا أنه لم يكمله, لأنه شعر أنه قديم جدا. حصل على شهادة في العلوم المعرفية لحبه للتكنولوجيا وللإدراك.
أرى إيان يتحدث بأريحية عن أمنيته لابتكار منتجات من نوع ما. في النهاية, تفكّر إيان بكل الخيارات التي بدت متوفرة له. جمّع ستة نكهات مربى محسوسة, ستة أشياء يمكنه الشروع بها مباشرة.

إيان: "يمكنني الاستمرار في عملي في متجر الدراجات, لكن هذا العمل يضايقني. أعرف أنه الشيء الخطأ للقيام به. مديري بعمر الأربعينيات وشيء متعلق بذلك يزعجني….. يمكنني الالتحاق بكلية الحقوق. لطالما أخبرني والداي بأنني يجب أن ألتحق بها. لكنني لا أريد إجراء امتحان القبول وأكره القراءة وأكره الكتابة وأظن أن هناك الكثير من ذلك في كلية الحقوقاليوم الكثير من أعمال التصميم تُجرى على الانترنت وهذا يثير اهتمامي. الربط بين التصميم والتكنولوجيا يثير اهتمامي. قدّمت كمتدرب في برنامج التصميم الرقمي بواشنطن قبل عامين. كان ذلك في شركة تأخذ العديد من الخريجين ومشاريعهم وتنجزها. أردت فعل ذلك لكني لم أنل قبولا…. يمكنني أخذ دروس في اللغة العربية واستخدمها بشيء ما, كما تعلمين, في مجال العلاقات الدولية أو شيء من هذا القبيل, أو ربما إرسالي إلى الخارج لمكان ما. إلا أن هذه مجرد فكرة. سجلت في أحد الفصول لكنني لم أذهب قط…. يمكني زيارة صديقي في كمبوديا لأتحصل على مزيد من الوقت, لكن والداي يشعران بالغثيان من عملي لذلك…. يمكنني الذهاب إلى مدينة سانت لويس وقضاء بعض الوقت مع خليلتي السابقة. هي تشاهد مسلسل قريز أناتومي Grey's Anatomy طوال الوقت, وترى أن علينا كلينا الحصول على شهادة بعد البكالوريا. إلا أنني لم أدرس سوى مادتين في العلوم البحتة حين كنت في الجامعة, ولم يكن أدائي جيدا فيهما. على أية حال, هذا لا يبدو جيدا, لكنني لن أتمكن من التعامل معها حتى أستطيع أن أفعل شيئا بنفسي حيال ما أريد أن أعمله." (لم يبدو أمرا سيئا. العمل قبل الحب. سمعت ذلك مرارا من العشرينيون, بالأخص العشرينيون الذكور).

خلال تفكر إيان بخياراته الواقعية, اصطدم بالسمة الخاصة بالعشرينيون التي يطلق عليها المحلل النفسي كريستوفر بولاس المعارف المنسية Unthought Knowns. المعارف المنسية هي أشياء نعرفها عن ذاتنا, لكن بطريقة أو بأخرى نسيناها. هي تلك الأحلام التي ما عدنا نراها أو الحقائق التي نستشعرها لكن لا نتفوه بها. نخشى الإقرار بالمعارف المنسية للآخرين بسبب خشيتنا مما سيفكرون به. وغالبا ما نخاف من أن تشكل هذه المعارف المنسية معنى لذاتنا ولحياتنا. تظاهر إيان بأن العمل الصعب هو عدم معرفته لما يريد فعله, لكنني أظن أن في مكان ما داخله هو يعلم أن اتخاذ قرار ما حيال أي شيء هو ما يجعل الحيرة الحقيقة تبدأ. والحيرة الأشد رعبا هي إرادة شيء ما وعدم معرفة كيفية الحصول عليه. هي تعمل باتجاه شيء بالرغم من عدم التأكد من وجوده. حينما نختار, نحن نفتح على أنفسنا العمل الجاد والفشل ووجع القلب, لذا أحيانا نشعر بالراحة بعدم المعرفة, بعدم الاختيار, وبعدم الفعل. لكن الأمر ليس كذلك.

قلت لإيان: "أول يوم التقيتك به, أخبرتني أنك في وسط المحيط. تملكني الانطباع بأن ليس هناك شيء محدد تريد فعله, كأن ليس لديك أدنى فكرة عما تريد. لم تتح لنفسك من معرفة أفكارك. هناك شيء ما تريده. أنت تريد تجربة شيء في التصميم الرقمي."
قال بتحفظ: "لا أدري…"

هنا تأتي كل الأسئلة التي كان إيان (الذي لا يعرف) يقاومها.

إيان: "لا أعرف كيف أحصل على وظيفة في التصميم الرقمي…"
قلت: "أنا أعرف."
إيان: "ماذا لو بدأت ثم غيرت رأيي لاحقا؟"
قلت: "حينها ستفعل شيئا آخر. هذه ليست جرة المربى الوحيدة التي ستتمكن من شرائها."
إيان: "لكن لو بدأت بها وفشلت, سأكون حينئذ قد أنهيتها. هذا الخيار لن يعود متاحا."
قلت: "لن ينتهي. سيكون لديك علم أفضل. الأسئلة الأهم تظل: هل تقدر على كسب لقمة العيش؟ هل ستحب العمل؟ هذه هي الأمور التي يجب عليك معرفة أجوبتها."
إيان: "أشعر بأني معلق حين أفكر في ما إذا كان هذا الشيء سينجح إذا جربته. يبدو الأمر أكثر أمانا إذا لم أختر."
قلت: "عدم اتخاذ قرار ليس آمنا. تبعاته قد تأخذ وقتا أطول في المستقبل, مثلا في ثلاثينياتك أو أربيعينياتك."
إيان: "أظل أفكر أن والداي سيقولان لي أن علي العمل في شيء ذي اعتبار أعلى كالقانون. أو أفكر بأني يجب أن أفعل شيئا أكثر تشويقا كتعلم العربية. لا اريد لحياتي بأن تكون جرة مربى. هذا مضجر."
قلت له: "هذا أيضا ما يقف في طريق معرفة ما تعرفه وتعمل بناء عليه. يسمى استبداد ما ينبغي The tyranny of the should."