تاريخ الكلمات - الجزء الثالث

يمكنك قراءة الجزء الأول من هنا.
يمكنك قراءة الجزء الثاني من هنا.


كل كلمة تحمل مفاجآتها وتعرض مكافآتها على العقل المتأمل. تنوعهم المدهش يثير متعة مستمرة. لا أصدق أنني وحيد في هذا الشغف - الافتتان بالكلمات أمر يشترك فيه الناس من كل البلدان ومن كل الفئات.
جورج ميلر





تاريخ كلمة عرب من كتاب المسيحية العربية وتطورها لسلوى بالحاج صالح:


لقد أكدّت الأبحاث الحديثة أن العرب هم أصيلو بلاد Aribi فيما بين الشام وبلاد الرافدين. وقالت بوجود هجرة من الخارج أيّ من الشمال إلى داخل الجزيرة العربية قبل الميلاد ببضعة قرون. وهؤلاء المهاجرون أو ما سماهم هشام جعيّط بالعرب الأوائل Proto-Arabes هم الذين كانوا يتحكمون فعلا في العناصر الثلاثة التي حدّدت العروبة على الدوام, ألا وهي العرق واللغة وحياة الترحال.
ويتبيّن من خلال تتبع تاريخ لفظة "عرب" وتتبع معناها في اللغات السامية وفي الكتابات الآشورية والبابلية واليونانية والرومانية والعبرية أن أقدم نص وردت فيه لفظة عرب هو نص آشوري من أيام الملك شلمنصر الثالث ملك آشور في القرن التاسع عشر قبل الميلاد. ويبدو أن الآشوريين كانوا يقصدون بكلمة عرب "بداوة" وببلاد العرب "البادية" التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلاد الشام. وبمعنى البداوة وردت لفظة "عرب" في العبرانية وفي لغات سامية أخرى, وشملت لفظة "عرب" القبائل التي كانت تسكن المناطق الجافة والقفراء.
وأطلق المؤروخون اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد لفظة Arabae على بلاد العرب, البادية, وجزيرة العرب. فلفظة "العربيّة" Arabae عند اليونان وعند الرومان هي في معنى "بلاد العرب" وقد شملت جزيرة العرب وباديّة الشام. وصارت لفظة Arabae عند اليونان وعند الرومان بعد القرن الخامس قبل الميلاد عَلَمًا على الأرض المأهولة بالعرب والتي تتغلّب عليها الطبيعة الصحراوية, وصارت كلمة "عربي" عندهم عَلَمًا للشخص المقيم في تلك الأرض من بدو وحضر.
فخلاصة ما تقدّم أن لفظة "عرب" هي بمعنى التبدي في كل اللغات السامية ولم تكن تُفهم إلا بهذا المعنى في أقدم النصوص التاريخية وهي النصوص الآشورية, وقد عنت بها البدو عامة. وبهذا المعنى استعملت عن غيرهم (البابليون والفرس والعبريون…). ثم وقع توسع في استعمال اللفظة حتى صارت تشمل أكثر العرب على اعتبار أنهم أهل بادية. ومن هنا غلبت عليهم وعلى بلادهم. فصارت عَلَميّة على بلاد العرب وعلى سكانها, وأطلق لذلك المؤرخون اليونان واللاتين على بلاد العرب لفظة Arabae أي "العربيّة" بمعنى بلاد العرب.
والجدير بالملاحظة أن المؤرخين اللاتين واليونان والسريان استعملوا ألفاظًا أخرى للإدلال على "عرب". فقد استعمل اليونان كلمة Saracenes واستعملها اللاتين Saracenus وأطلقوها على قبائل عربية كانت تقيم في بادية الشام, وقد توسع مدلولها بعد الميلاد ولا سيما في القرون الرابع والخامس والسادس فأطلقت على العرب عامة. وعند أغلب الباحثين المستشرقين فإن لفظة "سرسين" هي تصحيف لـ "شرقيين" أي أبناء الشرق.
وعرف العرب عند الفرس بتسمية أخرى هي Tayayo (طيايا), وأصل الكلمة أُخذ على ما يظهر من لفظ "طيء" اسم القبيلة العربية الكبيرة المشهورة التي كانت تنزل في البادية المتاخمة لحدود الإمبراطورية الفارسية وكانت من أقوى القبائل العربية في تلك الأيام. ولهذا صار اسمها مرادفا للفظة "عرب", وقد شاعت هذه التسمية قرب الميلاد وانتشرت في القرون الأولى للميلاد كما يتبين في المصادر السريانية. إلا أن استعمال هذه التسميات لم يبلغ لفظة "عرب" في الشهرة والانتشار. فقد صارت لفظة "عرب" عَلَمًا على جنس معلوم, له موطن معلوم وله لسان خاص به من بعد الميلاد حتى اليوم.


تاريخ كلمة أمي من كتاب مدخل إلى القرآن الكريم: في التعريف بالقرآن لمحمد عابد الجابري:


عندما نبهت في فقرة سابقة … إلى خلو اللغة العربية من أصل للفظ "أمي" وما اشتق منه ("أمية" و"أميون"), وقلت إن هذه الكلمة معرّبة وأن أصلها يرجع إلى لفظ "الأمم" الذي أطلقه اليهود على غيرهم ممن ليس لهم كتاب منزل, لم أكن أنطق عن الهوى, بل كان ذلك عندي نتيجة بحث واستقصاء ترتب عليهما موقف نقدي لتلك الفكرة التي تلقيتها (لست أدري كيف ومتى!) والتي تربط اسم "الأمي" والمصدر الاصطناعي "الأمية" بعدم معرفة القراءة والكتابة, وهو المعنى الذي نستعملهما إلى اليوم من دون أن يكون لهذا الاستعمال أصل في اللغة العربية يسنده, سوى ما جرت عليه العادة.
العادة في مجال اللغة والفكر قتَّالة. فكم من كلمات نستعملها من دون أن نكلف أنفسنا السؤال عن أصلها ومصدرها, وكم من فكرة نتمسك بها من دون أن نعي أننا لا نعرف لها أصلًا, بل كم من لفظ نستعمله في لغتنا العربية القديمة\الجديدة من دون أن ننتبه إلى أننا نُحمِّل ذلك اللفظ معنى لا أصل له في اللغة.
نعم, العادة والاستعمال من المرجعيات الأساسية في كُلّ لغة, ما في ذلك شك. لكن ليس هذا شأن لفظ "الأمي"! فهذا اللفظ - مفردًا وجمعًا - مصطلح قرآني خاص, مثله مثل المصطلحات القرآنية الأخرى التي ليس لها أصل في اللغة العربية. دليل ذلك أن أيًا من المعاجم العربية لم تذكر شاهدًا من الشعر أو النثر العربي قبل الإسلام ورد فيه لفظ "الأمي" بمعنى عدم المعرفة بالقراءة والكتابة. كُلّ ما فعلته تلك المعاجم هو أنها حاولت أن تجد لهذا اللفظ صلة مع لفظ "الأم". وكان اللغوي الزجّاج قد اقترح أن يكون لفظ "الأمي" نسبة إلى الأم, ثُمّ أوّله تأويلا فقال: سمّي بذلك لأنه يكون على الحال التي تلده عليه أمه: لا يقرأ ولا يكتب! وقد أخذ عنه آخرون هذا "التأويل" وتبناه صاحب لسان العرب مما أعطى له صدقية. فصار "الأمي" هو "من لا يعرف القراءة والكتابة".
وواضح أن هذا مجرد تأويل! وهو في نظري تأويل ضعيف. ذلك أن الزجّاج توفي سنة 310هـ, فليس هو من جامعي اللغة, فعصر جمع اللغة كان قد انتهى وجاء بعده عصر "الكلام" في اللغة والعقائد إلخ. والزجّاج "متكلم" فيهما, والمتكلم "مؤول", صاحب مذهب! فهو عندما يشرح معاني ألفاظ القرآن, كلفظ "النبي الأمي", يفعل ذلك ليس كلغوي وحسب بل كمتكلم أيضًا. ويبدو أنّه لم يسبق لأحد من اللغويين أن فسرّ لفظ "الأمي" بما فسره به الزجاج. دليل ذلك أن صاحب لسان العرب قد نسبه إليه وحده.
وإذًا فتأويل لفظ "الأمي" بعدم المعرفة بالقراءة والكتابة حدث في عصر لا يعدّ علماؤه مرجعا في اللغة. لكن بما أن هذا اللفظ قد وُصِف به النبي في القرآن ("النبي الأمي") فقد حُمِّلَ ذلك المعنى الذي أعطاه له الزجاج, ومن ثُمّ استقر في أذهان الناس أن رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام كان "أميًا" بمعنى أنّه "لا يقرأ ولا يكتب". وبسرعة وظف هذا الفهم في تأكيد كون القرآن معجزة له (صلى الله عليه وسلم) لكونه تحدى خصومه أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا, بينما جاء به هو, صلى الله عليه وسلم, وهو "لا يعرف القراءة والكتابة". حصل ذلك في عصر انشغل فيه المتكلمون والبلاغيون بمسألة إعجاز القرآن. وهكذا صار تأويل الزجاج لكلمة "أمي", في خدمة "المذهب" الكلامي البلاغي, لا بل في خدمة "المقدس" أيضا, الأمر الذي جعل فكرة كون "الأمي" هو من لا يعرف القراءة والكتابة, تتحول إلى واحدة من الأفكار المسماة بـ (Idées reçues, Received Ideas), الأفكار التي يسلم لها الناس من دون أن يعوا أنهم يسلّمون بها من دون فحص ولا نقد. وهكذا صار من الصعب قبول المس بها لأن "الأفكار المتلقاة" تصوغ عالم المتلقي لها, وذلك إلى درجة أن هذا الأخير يقوم بصورة آلية برد فعل سلبي رافض أمام كُلّ نقد يَمُسّها وكأنه يخاف أن ينهار عالمه ذلك. ومن جملة ردود الفعل السلبية هذه ما يكون لاشعوريًا - وهذا أخطر - ويتجلى في كون العقل المكبَّل بـ"الأفكار المتلقاة" لا "يرى", لا بقلبه ولا ببصره, أي وجهة نظر تقترح رأيًا مخالفًا حتّى ولو قرأ وجهة النظر تلك ألف مرة!
ذلك ما يفسر كون العقل المكبل بـ"الأفكار المتلقاة" لا يسأل نفسه: هل تستقيم نسبة "الأمي" إلى "الأم"؟ إن طرح سؤال مثل هذا, بدافع الرغبة في البحث عن الحقيقة, كان سيدفع صاحبه إلى الرجوع إلى "مقاييس اللغة", أعني المقاييس التي تضبط بها ألفاظ اللغة العربية من حيثُ ارتباط الفروع فيها بأصولها. وسواء قبلنا بمثل هذه المقاييس من ناحية ما تقرر في "اللسانيات الحديثة" أم لا, فإن مما لا يمكن إنكاره هو أن "صانعي" اللغة العربية الفصحى, وأعني الذين وضعوا قواعد وضوابط لأوزانها وصيغها قد استلهموا نموذج "القبيلة" في بناء صرحها الدلالي,  فأرجعوا جميع ألفاظها إلى أصول معينة (شيوخ القبائل), ثُمّ عينوا لكُلّ واحد من هذه الأصول معنى لا يتغير بتغير موقع حروفه بعضها بالنسبة لبعض, وجعلوا ذلك المعنى ينساب في فروع تلك الأصول, وسموا هذا بالاشتقاق الأكبر (مثل: ضرب, ضبر, ربض, رضب إلخ).
ذلك ما دوَّنه ابن فارس في كتابه الشهير مقاييس اللغة حيثُ نقرأ بصدد الأصل المؤّلف من الهمزة والميم "أم" (أصل كلمة أمي) ما يلي: "وأما الهمزة والميم فأصلٌ واحدٌ, يتفرَّع منه أربعة أبواب هي: الأصل, والمرجِع, والجماعة, والدِّين. وهذه الأربعَة متقاربة, وبعد ذلك أصولٌ ثلاثة, وهي: القامة, والحِين, والقَصْد"! وسواء قبلنا بهذا النوع من التنميط للغة العربية أم لا, فإن الشاهد عندنا هو أنّه ليس في الأصول ولا في الفروع التي قال بها اللغويون المقعِّدون للغة العربية ما يجعل لفظ "الأمي" يتضمن معنى عدم المعرفة بالقراءة والكتابة! هذا يؤكد ما سبق أن قلناه من أن لفظ "الأمي" - مفردًا وجمعًا - مصطلح قرآني خالص.
وأما غياب أصل لغوي للفظ "أمي", في العربية, ذهب الكثير من المتأخرين مذاهب مختلفة في البحث عن أصل مرجعي قرآني لهذا اللفظ في القرآن نفسه, خارج تأويل الزجاج الذي لا يستقيم مع كثير من الآيات التي ورد فيها اللفظ, كما بينّا قبل. قال بعضهم: إن المقصود بـ"الأمي" في قوله تعالى "النبي الأمي" أنه المنسوب إلى "أم القرى", أي مكة وأن "الأميين" هم أهلها, وذلك استنادًا إلى قوله تعالى: "ولتنذر أم القرى ومن حولها", وقال آخرون إن النسبة في "النبي الأمي" هي إلى "أم الكتاب", لقوله تعالى عن القرآن "وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم" وهكذا صارت كلمة "أمّ" مرجعًا للفظ "أمي" سواء قصد بها "الأم" في مقابل الأب, أو "الأم" بمعنى أصل الشيء أو. أو.
والحق أن لفظ "أمّ" بهذا المعنى قد صار يشكل عائقًا معرفيًا.
ذلك ما يفسر كون العقل المكبل بـ"الأفكار المتلقاة" لا يعير أي اهتمام لآراء علماء في اللغة في مستوى الزجاج مثل الفراء الذي قال: "الأميون" هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب! هذا مع أن الفراء  (أبو زكريا يحيى بن زياد) كان أحق أن يتبع, بدلًا من الزجاج. ذلك لأن الفراء سبق الزجاج بقرن من الزمن (توفي سنة 207هـ) وألف عدة كتب من بينها كتاب معاني القرآن الذي قال فيه اللغوي المشهور أبو العباس ثعلب: "لم يعمل أحد قبله ولا أحسب أن أحدًا يزيد عليه".
ذلك ما يفسر أيضًا كون العقل المكبل بالأفكار المتلقاة لا يعير أي انتباه لكون علماء كبار, مفسرين وفقهاء, قد ترددوا في قبول تأويل الزجاج, وأخذوا برأي الفراء, فجعلوا لفظ "الأمي" منسوبا لا إلى "الأم", بل إلى "الأمة", وبالتالي إلى الأمم التي ليس لديها كتاب منزل.
من هؤلاء العلماء الفقيه والباحث المحقق ابن تيمية, الذي اختار هذا الرأي, رأي الفراء. قال: "الأميون نسبة إلى الأمة. قال بعضهم: إلى الأمة وما عليه العامة. فمعنى الأمي: العامي الذي لا تمييز له. وقال الزجاج: هو على خلق الأمة التي لم تتعلم فهو على جبلّته, وقال غيره: هو نسبة إلى أمه, لأن الكتابة كانت في الرجال من دون النساء; ولأنه على ما ولدته أمه". ويضيف الشيخ ابن تيمية معترضًا على هذا الرأي قائلا: "والصواب: أنه نسبة إلى الأمة, كما يقال: عامي نسبة إلى العامة التي لم تتميز بما تمتاز به الخاصة, وكذلك هذا (يعني الأمي) لم يتميز عن الأمة بما يمتاز به الخاصة من الكتابة والقراءة". ثُمّ أضاف: "ويقال الأمي لمن لا يقرأ ولا يكتب كتابًا, ثُمّ يقال لمن لمن ليس لهم كتاب منزل من الله يقرؤونه وإن كان قد يكتب ويقرأ ما لم ينزل, وبهذا المعنى كان العرب كلهم أميين, فإنه لم يكن عندهم كتاب منزل من الله, قال الله تعالى: "ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن اسلموا فقد اهتدوا" وقال: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم", وقد كان في العرب كثير ممن يكتب ويقرأ المكتوب, وكلهم أميون (...) فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه". وقال في معنى "الأمي" في قوله تعالى: فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي" "هو أمي بهذا الاعتبار; لأنه لا يكتب ولا يقرأ ما في الكتب (يعني التوراة والإنجيل), لا باعتبار أنّه لا يقرأ من حفظه, بل كان يحفظ القرآن أحسن حفظ". ثُمّ أضاف: "وقد يقال: إن قوله: "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون" أي: لا يحسنون الخط, وإنما يحسنون التلاوة, ويتناول - أيضًا - من يحن الخط والتلاوة, ولا يفهم ما يقرؤه ويكتبه كما قال ابن عباس وقتادة: غير عارفين معاني الكتاب, يعلمونها حفظُا وقراءة بلا فهم, ولا يدرون ما فيه". ويشرح ابن تيمية المقصود بالكتاب هنا فيقول: "والكتاب هنا المراد به: الكتاب المنزل, وهو التوراة; ليس المراد به الخطّ, فإنه قال: "وإن هم إلا يظنون" فهذا يدلّ على أنّه نفى عنهم العلم بمعاني الكتاب (...), وهؤلاء وإن كانوا يكتبون ويقرؤون فهم أميون من أهل الكتاب كما نقول نحن لمن كان كذلك: هو أمي, وساذج, وعامي, وإن كان يحفظ القرآن ويقرأ المكتوب إذا كان يعرف معناه".
هل تحررنا من "العائق" اللغوي الذي وضعه الزجّاج من دون أن يقصد ذلك (لأنه كان يريد الشرح والبيان, أي إزالة عائق الجهل, فاجتهد فأخطأ, والمخطئ في هذا المجال, وبهذا القصد, غير ملام؟!".
لا أعتقد! فالعوائق عندما تلتصق بالمقدس تصبح مقدسة. والمقدس هنا هو "المعجزة" التي دليلاها - ويا للعجب - عدم المعرفة بالقراءة والكتابة!
ومهما يكن, فليس تأويل الزجاج لمعنى "النبي الأمي" هو وحده الذي يجب التحرر منه. هناك عوائق أخرى من هذا القبيل!



تاريخ كلمة المقذاف من كتاب اللسان والإنسان: مدخل إلى معرفة اللغة لحسن ظاظا:


هو تلك الخشبة الطويلة المفلطحة من طرفها الغائص في الماء, التي تستعمل في دفع السفن والقوارب وكأنها تقذفها إلى الأمام, أو لأنها تقذف الماء أثناء تحريكها, أو لأنها تسبب السير السريع, من قولهم: ناقة قاذف وقذاف وقَذُوف وقُذُوف, وهي التي تتقدم من سرعتها وترمي بنفسها أمام الإبل في سيرها ويقال له أيضا المِقذف. وقد ورد فيه أيضًا لفظ مجذاف من قول العرب جذف الطائر أي أسرع بجناحيه, وجاءت هذه المادة كلها بالدال المهملة كذلك, إلَّا أن شارح القاموس قد ذكر "مجذاف السفينة" وروي عن الجوهري أن ابن دريد قال هو بالدال والذال جميعًا, لغتان فصيحتان, وفي "المحكم": مجداف السفينة: خشبة في رأسها لوح عريض يدفع بها, مشتق من جدف, الطائر, وقال أبوعمرو: جدف الطائر, وجدف الملاح بالمجداف وهو المِرْدَى والمِقْذَف والمِقْذاف. وإن كنا نلاحظ أن صاحب "القاموس" ذكر مجذافة السفينة, وعقب عليه الشارح بقوله هكذا في النسخ والأَوْلى مجذاف. وقال الشرتوني في أقرب الموارد: جَدَفَ الطائر - مثل جلس - طار وهو مقصوص كأنه يَرُدُّ جناحيه إلى خلفه. وواضح من تعدد أشكال النطق في هذه الكلمة, ومن محاولة اللغويين ربطها بأفعال تخص حركة الإبل أو الطيور أنها مبتدعة, وهذا ليس بعجيب; فصلة العرب بالملاحة البحرية, فيما عدا بعض القبائل المقيمة في الخليج, لم تكن أصيلة في حضارتهم, ولا قديمة العهد عندهم.

تاريخ كلمة القطار من كتاب اللسان والإنسان: مدخل إلى معرفة اللغة لحسن ظاظا:


كان عند العرب مجموعة من الجِمال يسير الواحد منها وراء الآخر وقد قَرُب بعضها إلى بعض, يقال جاءت الإبل قِطارًا بالكسر أي مقطورة. واستعمل القطار لكل سرب من الكائنات الحية يسير الواحد منهم وراء الآخر, حتى قيل قطار النمل قال أبو النجم العجلي:
وانْحَتَّ من حَرْشاء فلجٍ خَرْدَلُهْ وأقبل النمل قِطارًا تَنْقلُهْ
ونُقِلَ اللفظ في العصر الحديث للدلالة على الصف من مركبات السكة الحديد المربوطة بعضها في بعض والمقطورة بقاطرة. وهكذا يوصلنا القطار المولد إلى القاطرة والمقطورة معًا.



تاريخ كلمة سراب من كتاب الساميون ولغاتهم: تعريف بالقرابات اللغوية والحضارية عند العرب لحسن ظاظا:


من الفارسية (سر) يعني المخيلة, و(آب) أي الماء, والمعنى, ما يصوره الخيال كأنه ماء. (هذا ما يقوله بعض اللغويين في هذه الكلمة; وعندنا أنها قد تكون سامية أصيلة من نفس الأصل الذي جاءت منه اللفظة العبرية "شراب", أي شدة الحر في الصيف, وقد اشتقوا منها في العبرية المتوسطة والآرامية الفعل "شرب" بمعنى جَفَّ من شدة الحر, ولعل هذا هو الأصل الذي تطور عنه أيضًا الفعل العربي "شرب" الذي يتم بامتصاص الماء أو غيره من السوائل وابتلاعه, وذلك يكون واضحًا عند الكائنات الحية وكثير من المواد المسامية عندما يشتد الحر ويكثر الجفاف).



تاريخ كلمة المئذنة من كتاب اللسان والإنسان: مدخل إلى معرفة اللغة لحسن ظاظا:


أصل المئذنة التي جاءت منها هذه الكلمة هو الأذن, عضو السمع المعروف, والأذان في الأصل هو الإعلان والإعلام, قال الفرزدق:
وحتى علا في سور كل مدينة منادٍ ينادي فوقها بأذان
وواضحٌ أن معناه هنا الإعلان والنداء. وقال اللغويون: والتأذين مخصوصٌ في النداء إلى الصلاة والإعلام بوقتها, وقد أذّن الرجل تأذينًا وأذانًا وآذن يؤذن إيذانًا. كل هذا ملحوظٌ فيه المجاهرة بدعوة صوتية تصل إلى الأذن. أما المئذنة فهي موضع الأذان للصلاة, أو المنارة - كما في الصحاح, قال أبو زيد: يقال للمنارة المئذنة والمؤذِّنة. وقال اللحياني هي المنارة, يعني الصومعة, وأما قولهم "المأذنة" فلغة عامية. فالكلمة إذن من مصطلحات العمارة الإسلامية, تطلق اسمًا على هذا البرج المرتفع فوق المسجد لتنطلق منه الدعوة إلى الصلاة. ولم نجد شاهدًا على معرفة العرب لهذه الكلمة, لا في الجاهلية ولا في صدر الإسلام, ومع ذلك فقد أخذت مكانها في المعجم العربي وتمتعت بنطقين فصيحين, وثالث عامي كما رأينا, لشدة ارتباطها بالنمط الفكري والحضاري للأمة الإسلامية.


تاريخ اسم الجلالة: الله من كتاب إيلاف قريش لفكتور سحاب:


لقد سبقت الإشارة في باب مكة والتوحيد الديني إلى العلاقة العميقة بين التوحيد وعدم تسمية الإله, وتبّين أن الامتناع عن التسمية يدل على الإله غير المسمى هو في الراجح إله توحيد, أو في أضعف حال إله أكبر متقدم على ما سواه. وليس من شك في أن التلبيات المتشابهة في مكة, وهي تلبيات خلا معظمها من اسم الصنم أو الإله, ربّما كانت على الأقل مرحلة مهمة أُزيلت فيها عقبة نفسية خطيرة بين معتقدات القبائل, نحو الإيمان بأنها جميعا كانت تتعبد لمعبود واحد. ولا شك في أن القبائل كانت تعلم أن لكل منها صنما مختلفا, وأن التلبية تقصده هو لا غيره. لكن اختلاط الحجيج في طواف واحد, وإغفال أسماء الأصنام, أدّيا حتما إلى تهافت كثير من الحدود النفسية والعقائدية بين القبائل, حتى أضحى ممكنا في خطوة خطيرة أخرى إدماج مفهوم المعبود, بما يمهد لعقيدة التوحيد.
وقد كان ظهور اسم الجلالة: الله, مرحلة مهمة في الصراع الطويل بين عقيدة التوحيد وعبادة الأصنام. وأول ما ظهر اسم الله في آثار منحوتة, في النقوش اللحيانية على الخصوص. ويقول وِنت إن اللفظة ظهرت مرتين فقط في الكتابات العربية الجنوبية, إحداهما في كتابة معينية عُثر عليها شمال العُلا (التي كان اسمها لحيان), أما الثانية ففي النقوش السبئية, ولذا يمكن القول بثقة إن الاسم انتقل من لحيان إلى جنوب الجزيرة العربية, مع انتقال عبادة الله إلى اليمن. أما في الصلوات فلم يُعثر ضمن النقوش العربية الجنوبية على ذكر لاسم الله. وقد عثر في النقوش اللحيانية والثمودية على صلوات باسم الله, جعل وِنت تاريخها القرن الخامس قبل الميلاد. ولم يُعثر على مثل هذا في نقوش ديدان التي سبق عصرها عصر اللحيانيين في شمالي غربي جزيرة العرب. ويعرّف الإخباريون اللحيانيين بأنهم من سلالة هذيل بن مُدركة بن الياس بن مُضر, أي أنهم عرب عدنانية. لكن وِنت تساءل مع ذلك عن أصل تسمية الله, وما إذا كانت عربية. ففي الآرامية السريانية وربما في اللهجة النبطية واللهجة التدمرية, تبدأ لفظة إله بهمزة مفتوحة لا مكسورة. والهمزة المفتوحة على الألف في بداية اسم الجلالة الله, حيّرت الباحثين بعض الشيء, إذ افترضوا أن محلها في العربية لهمزة مكسورة. لكنهم حلّوا المسألة بقولهم إن أصل اللفظة الإله, أي كلمة إله معرفة بأداة التعريف, فأُدمجت اللامان بعد حذف الهمزة لاستثقال لفظها. وقد عالج الرازي هذا الأمر في تفسيره الكبير, إذ قال: "فال بعضهم هذه اللفظة ليست عربية بل عبرانية أو سريانية, فإنهم يقولون: إلها رحمانا ومرحيانا, فلما عُرِّب جُعل: الله الرحمن الرحيم, وهذا بعيد, ولا يَلزَمُ من المشابهة الحاصلة بين اللغتين الطعن في كون هذه اللفظة عربية أصيلة… أما الأكثرون فقد سلّموا كونها لفظة عربية. أما القائلون بأن هذا اللفظ اسم علم لله تعالى فقد تخلّصوا عن هذه المباحث, وأما المنكرون لذلك فلهم قولان: قال الكوفيون أصل هذه اللفظة إلاه فأُدخِلت الألف واللام عليها للتعظيم, الإلاه, فحُذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسنة فاجتمع لامان فأُدغِمت الأولى فقالوا: الله. وقال البصريّون أصله: لاه, فألحقوا بها الألف واللام فقيل الله.
ويقول وِنت إن اللفظة في اللحيانية كتبت كذا: هـ ل هـ, وفي الثمودية كذا: هـ ا ل هـ, ويضيف أن اسم الإله الذي كان يُعبد عندئذ لا بد إذن وأن يكون إله فأدخل اللحيانيون هاء التعريف على هذا الاسم وكان اسم جنس, فحوّلوه إلى اسم علم, وكذلك العرب, فدخلت أداة التعريف الألف واللام على كلمة إله, التي هي اسم جنس يدل على كل ما كان يُعبد, فتحوّل الاسم في مرحلة أولى إلى اسم إله مُعرّف, ثم إلى اسم علم للإله الذي لا إله إلا هو. ولم يأخذ وِنت ببعض الاعتراضات على هذا الاستنتاج. ولا شك في أن قول هيرودوتس إن اسم اللات فيما مضى كان أليلات, إنما يعزز هذا الرأي, لأن لفظة أليلات قريبة جدا من لفظة الإلهة. وحذف الهمزة وإدغام اللامين مطابق تماما لما قال به الإخباريون المسلمون وما اعتمده وِنت.
وقد درجت في الكتابات والنقوش صفات أُطلقت على الإله, مثل: تبارك اسمه, أو رب العالم, أو الله المحسن, أو رب العالمين, وما شابه. لكن وِنت قال بعد استعراضه عددًا من النقوش الثمودية واللحيانية, إن صفة الأبتر (أي الذي لا ولد له) لم تُطلق على غير الله, فيما اشترك الآلهة الآخرون بالصفات الأخرى. ولاحظ أن هذا بيّن أن اللحيانيين كانوا يؤمنون بمكانة خاصة لله لا يؤمنون بمثلها لغيره, وقال إن هذا قد يكون أصل الإيمان بالله الأوحد في الجزيرة العربية. وهذا صحيح على الخصوص إذا كان المقصود من نعت الأبتر نفي نظرية التثليث المسيحية في قوله: "قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفوا أحد". (الإخلاص: 1-4).
إن هذ التطور اللغوي في لفظة اسم الجلالة كان تعبيرا ولا شك عن تطوّر في مضمون اللفظة وفكرة الإله عند اللحيانيين والثموديين. لكن اللفظة نفسها ساهمت هي أيضا في تطوير المضمون بدورها. لأن غياب اسم العلم عن المعبود, ثم تحوّل اسم الجنس المعرّف إلى اسم علم, طوّر في ذهن العرب شيئا فشيئا فكرة الإله الأوحد الذي لا يشاركه أحد في مكانته. وقد ظلت هذه الفكرة ترسخ في الإذهان, حتى أخذت مكانة الأصنام في عقيدة القبائل تتقلص. ومضى زمن طويل والعرب, كما يؤكد ذلك القرآن الكريم, يؤمنون بالله ويشركون به في آن. وتلك كانت مرحلة, وقد ذُكر الله في كثير من أشعار الجاهليين, وذهب مستشرقون إلى أن رواة الشعر الجاهلي المسلمون حذفوا أسماء الأصنام حيثما استطاعوا وجعلوا اسم الله محلّها. غير أن فيلهاوزن ارتأى أن سبب ذلك ليس تبديل الرواة الشعر, بل أدب الجاهليين ودروجهم على عدم الإسراف في ذكر أسماء الآلهة الخاصة على سبيل التأدب حيال الأرباب والأصنام, فاستعاضوا عن ذكر صنمهم بذكر الله, دون أن يعنوا إلهًا معينًا. وفي رأينا أن هذا تفسير غير مقبول, لأن القرآن الكريم يؤكد أن العرب كانوا يعظّمون الله فوق كل أصنامهم, رغم شركهم. ولا يدل معنى الشرك على إنكار الله, بل على عبادة آلهة أخرى معه, رغم الإقرار بأنه الخالق (لقمان: 25, وغيرها) ولا يستقيم أن يوفروا اسم الصنم فلا يذكروه, ويذكروا بدلًا منه اسم الله وهو عندهم فوق الأصنام. أما أن رواة الشعر أدخلوا اسم الله في الشعر الجاهلي بعد الإسلام, فذلك قول يُضعفه القرآن الكريم أيضًا حين يثبت بما لا يقبل شكًا أن الله كان في رأي المشركين أنفسهم خالق السماء والأرض, على نحو ما سلف.



تاريخ كلمة إيل من كتاب معجم آلهة العرب قبل الإسلام لجورج كدر:


من آلهة العرب الجنوبيين, وذكر اسمه مستقلا كما ورد مقرونا باسم الإله "عثتر".
وعن ابن دريد في الاشتقاق, قال قومٌ من أهل اللغة: كلُّ اسم كان فيه إيلُ فهو منسوب إلى الله عز وجل, مثل شُرَحْبِيلَ ونحوه.
وفي تاريخ ثمود يقول المستشرق الهولندي براندن: هناك شبه اتفاق بين العلماء أن "إل" و"إيل" لا يقصد به إلهًا معينًا, رغم وروده في الأسماء المركبة. وكما تعبر لفظة "إله" عندنا اليوم عن اسم الجلالة دون ذكر اسمه, فإن كلمة "إيل" كانت كذلك عند بقية الساميين الأقدمين بمعنى "رب" و"إله" و"بعل", ولا يعرف العلماء معنى لفظة "أل" و"أيل" على وجه علمي دقيق, ولكنهم يفسّرونها عادة بمعنى "القدير" و"الحاكم", وهذا يعني أن "أل" نعت من نعوت الآلهة.
وعن المستشرق ستاركي ينقل براندن, أن "إيل" اسم جماعي ويعبر في الأصل عن فكرة القبيلة, ويبدو من مظهر الجذر الذي اشتقت منه كلمة "إيل" وهو "أول", أن "أيل" يعبر عن القوة والقدرة, وكلمة "آل" أي قبيلة تشير أيضا إلى هذا المعنى.
ومن أسماء ونعوت الآلهة عند اللحيانيين التي سبق وذكرناها عند حديثنا عن الإله "أل" وجدت الأسماء المركبة التالية: "كبر إيل", و"متع إيل" و"ذرح إيل" و"عذر إيل" و"وجرم إيل" و"غزال إيل" و"عم إيل" و"إيس إيل" و"سعد إيل" و"يمسك إيل".
وإيل يبرز اسمه واضحا في أسماء عظماء الملائكة التوحيدية, وهم على ما يقول النويري: جبريل وإليه أوكلت مهمة الجنود والرياح, وميكائيل على القَطر والنبات, وعزرائيل على قبض الأرواح, وإسرافيل يبلغهم ما يؤمرون به وهو أقربهم لله تعالى منزلة. ومما وصل من أسماء قوم ثمود كان اسم "عذرال" أو "عذرايل".
واللفظة الثانية في الاسم "إل وايل" هي والإله "إيل وايلو" وهو من الآلهة السامية القديمة, حسب جواد علي.
والإيل: في لغة العرب هو الوعل.
والأرجح أن هناك علاقة بين اسم إيل والاسم العربي الشهير "وائل" ففي الكتابات اللاتينية تلفظ "وعل" "وئل" وورد في الكتابات الصفوية قبيلة اسمها "وعل" أو "ويل" أو "وائل" كما يشير جواد علي في مفصله. ونرجح أن اسم "وائل" هو "نداء استغاثة للإله وايل, تماما مثلما يقول أهل الساحل السوري إلى اليوم 'أيليه' عن الاستغراب أو التعجب, وهي تعني 'يا إلهي'".
وقد عثر في نصوص ثمود على سادن اسمه "إيلياء" "إيلية". ويظهر أنه كان من الآلهة العربية العتيقة, ثم عفى أثره من الذاكرة, فلم يرد اسمه مع الأصنام التي كان يعبدها الجاهليون قبيل الإسلام.


تاريخ كلمة آمين من كتاب مقدمة في فقه اللغة العربية للويس عوض:


هناك ترجيح بين دارسي اللغات القديمة لاشتقاق الفعل العربي "أمن" ومشتقاته, وقبله, العبري, والآرامي, من "آمون" الهيروغليفية والهيراطيقية, إذ من المؤكد أن "أمين" كاسم فعل بمعنى "استجب" في لغات الأرض كافة, هو ترديد لآمين أو "آمون" الهيروغليفية والهيراطيقية ثم القبطية, ذلك أن صلوات المصريين القدماء كانت تنتهي "بآمين" منذ الدولة الوسطى, وسادت العالم المعمور في المرحلة الإمبراطورية المصرية.. وكل ما يتصل بالإيمان والاعتقاد الصحيح في المصرية القديمة مرتبط بآمون… وكذلك كل ما يتصل بالأمن والايمان في العربية والساميات الأخرى.. كان آمون - وبالإحالة في الهيراطيقية "آمين" - عَلَما على الله, وعلى العقيدة الصحيحة عند قدماء المصريين, وذلك من خلال نحت "المعنويات" من الأعلام المرتجلة… والأمن والأمان, تفريع معنوي عن "آمون" و"آمين" والإيمان, إذ تثبت بردية "توريين" في حديثها عن "اول إضراب في التاريخ" أن العمال والمثالين والحجازين لجأوا إلى معبد "آمون" محتمين به وآمنين من بطش الحرَّاس…" ويتضح من سطور البردية أن العمال والمثالين والحجازين كانوا يهددون دائما باللجوء إلى الأسوار الداخلية لمعبد آمون للاحتماء به… مما يقطع بأنه كان حرما مُقدسًا, كالكعبة عندنا الآن.
وهذا كله يُرجّح نحت "الأمن" و"الإيمان" من "آمون".
… ومن اللافت للنظر أن القاموس المحيط, ولسان العرب, ذكرا أن "الأمان" (على وزن زمان) هو الزارع.. فهل هذا من ذكريات آمون رب المصريين, والمصريون زرّاع؟!... كذلك ذكر القاموس المحيط أن آمين وأمين (بالمد والقصر) اسم من أسماء الله (كما نقل الفيروزبادي عن الواحدي في البسيط.. الجزء الرابع من القاموس المحيط 197 طبعة دار المأمون 1937)... وهذه مسألة غاية في الأهمية والخطورة حيث يوحي قول القاموس المحيط, باستعارة اللغة العربية أحد أسماء الله, من المصرية القديمة.. وهذا أمر أشبه بالحق لعراقة المصريين فيما يتصل بالإلهيات..
[...]
ومن أمثلة "أ" و"ع" المصرية القديمة التي تتحول إلى "ك" في العربية كلمة "أمين" Amen وهو اسم الإله "آمون" وهي في بدج Budge "عمين" Amen, ومعناها الأصلي فيما يظن "الخفى". ويبدو في هذه الحالة أن جذر هذه الكلمة هو جذر "كمن" العربية ومشتقاتها, وربما أيضا "خبأ" ومشتقاتها و"خفى" ومشتقاتها إذا كان جذرها الأساسي "أم" أو "عم"  أو "هم" (أنظر قانون الحلقيات). واسم "أمون" أو على الأصح "آمين" لا يزال قائما في الاسم المصري الشائع "أمين" كما أن اسم زوجته الربة "امونت" Amonet أو على الأصح "أمينت" Amenet لا يزال قائما في الاسم المصري الشائع "أمينة", وقد عرفته العرب في اسم "آمنة". كما عرفت اسم "آمون" في الدعاء" "آمين", وفي اسم "أمين" وهو من أسماء النبي الحسنى. وفي هذه الحالات بقيت "أ" المصرية القديمة على حالها في العربية دون أي تحوّل فونطيقي.


تاريخ كلمة سرد من كتاب السرد التاريخي عند بول ريكور لجنات بلخن:


أ- السرد لغة: السرد جمعه سرود من الفعل سَرَدَ.
والسّرْدُ: اسم جامع للذروع ونحوها من عمل الحلق ويسمى سَرْدًا, لأنه يسرّد فيثقب كل طرف حلقة بمسمار فذلك الحلق المسرّدُ, يقول تعالى: (أن اعمل سابغات وقدِّر في السرد واعملوا صالحا), أي لا تجعل المسمار غليظا والثقب دقيقا فينصم ولا تجعله واسعا فينخلع. والسرد في اللغة: تقدمة شيء على شيء بطريقة متسقة بعضه في أثر بعض متتابعا. تقول:
سَرَدَ القرآن: تابع قراءته في حذر.
سَرَد الصوم: ولاه وتابعه.
تسرّد الشيء أو الذر أو الدمع: تتابع.
تسرّد الماشي: تابع خطاه.
سَرد الحديث: تابعه في سياق جيد. فالسرد هو المتتابع والمِسْرَدُ هو اللسان.
نستنتج, أن السرد في معناه اللغوي يحيل على كل ما هو متتابع وهذا التتابع زماني بالأساس ولكن قد يكون أيضا تتابع مكاني أو حتى تتابع فكري ومنطقي, فأن تسرد أحداثا تاريخية مثلا هو أن تأتي بها متتالية أي حدث بعد آخر في الزمان والمكان وبطريقة منطقية.
أما كلمة narratologie علم السرد أو السرديات كما يترجمها البعض وهو المصطلح الذي اقترحه تودوروف سنة 1969م. لتسمية علم جديد هو la science du recit علم الحكي وإذا كان علم السرد هو دراسة السرد, أي يدرس السرد من حيث كونه خطابا أو شكلا تعبيريا, فإن مصطلح السردية narrativite على خلاف ذلك تماما يدرس تحليل الحكاية بصفتها نمط تمثيل القصص. من هنا, كانت السردية هي العلم الذي يهتم بمظاهر الخطاب القصصي أسلوبا ومضمونا قلبا وقالبا أو لنقل هي العلم الذي يستقصي عناصر البنية السردية للخطاب القصصي من راوي ومروي ومروي إليه والعلاقة الخفية والعلنية التي تريط هذه العناصر بعضها ببعض. يمكن القول, أن مصطلح علم السرد يهتم أكثر بموضوع المضامين السردية للقصة, أما مصطلح السردية يهتم أكثر بشكل الحكاية.
ب- السرد اصطلاحا:
إن الدلالة الاصطلاحية للسرد لا تنأى كثيرا عن الدلالة اللغوية التي تعني التتابع. إذ يتمثل السرد في نقل الوقائع وتقديمها في قالب لغوي شفهي أو كتابي من قبل شخصية أو مجموعة من الشخصيات ومن أجل توضيح موضوعة السرد la notion du recit يجب معرفة الأنماط الكبرى الأساسية للخطاب وهي: النمط الوصفي, النمط الإنشائي, النمط البرهاني, النمط السردي. هذا, ويتكون الخطاب السردي من:
  • السارد le narrateur: وهو الذي يمثل صوت الرواية يمكن أن يقوم بعدة أدوار كدور الكاتب الذي يظهر أحيانا بضمير المتكلم وأحيانا أخرى بضمير الغائب, كما يمكنه أن يسند مهمة السرد إلى شخصية أخرى من داخل الحكاية.
  • الشخصيات وهم الأشخاص الذين يتقمصون أدوار القصة.
  • المسرود له le narrataire: وهو متلقي الخطاب السردي الذي يمكن أن يكون قارئا مفردا أو جمهورا وهو لا يقل أهمية عن السارد بل ملازم للرواية مادام حديث الأنا في العمق خطاب موجه للأنت.
بهذا يمكننا القول, أن السرد كلام يرنو إلى ربط الصلة بين باث يحمل في جعبته مقولا يتوق إلى إبلاغه ومتقبل يستقبل ذات الكلام, يقول إميل بنفنيست Emile Benveniste: "مباشرة وبمجرد ما يعلن المتحدث عن نفسه وتسلم مفاتيح اللغة, فإنه يغرس الآخر أمامه مهما كانت درجة حضوره, فإن كل حديث صراحة أو ضمنا يستوجب مُخَاطَبًا له". وبناء عليه, فإن إضفاء صيغة سردية على نص ما تستوجب توافر عنصرين هما: السارد والمسرود له دونهما يخرج عن كونه نصا سرديا.

تاريخ كلمة تاريخ من كتاب السرد التاريخي عند بول ريكور لجنات بلخن:


أ- التاريخ لغة: التاريخ في اللغة مأخوذ من أَرَخَ, علما أن كلمة تاريخ لم ترد في القرآن الكريم وأغلب الظن أن المصطلح فارسي الأصل.
تقول العرب: أرخ المكان يمعنى حن واشتاق إليه.
   أرّخ الكتاب بمعنى حدد وقته.
   أرخ الحادث فصل وقته وزمانه.
والإرْخُ هو ولد البقرة الوحشية وقيل إن التأريخ مأخوذ منه لأنه شيء يحدث مثلما يحدث الولد والتاريخ مأخوذ من التأريخ لأنه حديث. أما التاريخ histoire في اللغات الأجنبية فمأخوذ من الكلمة اليونانية historia والتي تحيل على البحث recherche, التحري, بيان, استقصاء.
نستنتج, أن التاريخ لغة هو العلم الذي يبحث في حياة الأمم والمجتمعات.
ب- التاريخ اصطلاحا:
لم يكن لكلمة تاريخ في الماضي معنى واحدا فقد دلت عند سقراط Socrate على المعرفة وعند أرسطو Aristote على مجرد ركام من الوثائق مقابل عمل تفسيري بل عدّ التاريخ أحيانا من العلوم العملية في مقابل العلوم النظرية.
إذا رجعنا إلى تصنيف بيكون Bacon للعلوم نجده يحصر التاريخ في ثلاثة تصنيفات تأتي بحسب قوانا المدركة هي: التاريخ هو علم الذاكرة, والشعر هو علم المخيلة, الفلسفة وهي علم العقل هذه العلوم الثلاثة هي عبارة عن مراحل متتالية يجتازها العقل في تكوين العلوم, فالتاريخ هو تجميع والشعر هو تنظيم لها والفلسفة هي العملية العقلية التركيبية, ففي نطاق التفكير بعلم الطبيعة يأتي التاريخ ثم الشعر ثم الفلسفة, إلى الذاكرة يرجع التاريخ المدني منه والطبيعي ويندرج تحت هذا الأخير تاريخ عجائب المخلوقات وتاريخ الفنون والصنائع, علما أن التاريخ يتعارض مع الشعر لأن موضوع التاريخ الواقعي وموضع الشعر الوهمي, كما يتعارض مع الفلسفة لأن موضوعه الجزئي وموضوعها الكلي, آلته الخيال وآلتها العقل.

ومن المسلمين يعرفه ابن خلدون وهو تعريف معارض لتعريف بيكون قلبا وقالبا بأنه: "خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال, مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال", فحقيقة التاريخ عند ابن خلدون أنه خبر وإخبار عن الكائن البشري في صيغته الاجتماعية والعمرانية وما يطرأ على هذه البنية الاجتماعية من تحولات وتغيرات. وبالتالي, موضوع التاريخ عند ابن خلدون هو الإنسان بصفته جماعة ليس كما كان عند بيكون بصفته فردا.

قصة قصيرة: العشاء الأخير



Source: novica.com



هناك أشخاص يعيشون هروبًا يوميًا من حياتهم, إما لأنهم تورّطوا في سلوك دربٍ لم يعودوا يتواءمون معه, أو لأنّ هنالك من فرضها عليهم. عرفت لاحقًا أنّ كلّ الأصدقاء المجتمعين للعشاء الليلةَ هاربٌ بطريقته، ولكلّ واحدٍ منهم سرٌ يكبّله, يخنقه, يعمّق وحدته.
بعض التفاصيل التي سأرويها عرفتها منهم مباشرةً، وبعضها الآخر خمّنتها حسب معرفتي بهم. ففي لحظةٍ ما من حياتهم كان لزامًا عليهم أن يتوقفوا لمصارحة ذواتهم والآخرين. المصارحة التي حاولوا تجنّبها قدر المستطاع، تهربًا من تحمّل المسؤولية. فالمصارحة تحمّل قائلها مسؤولية تبعاتها على متلقيها. لا تستطيع أن تلقيَ عليه ما يعكّر رصيد ذكرياته عنكَ وتطلعاته إليك, وتمضي. الأمرُ أكثر تعقيدًا.

- - -

استيقظت صباح اليوم مترقبًا عشاء الليلة. فمع نهاية كلّ فصلٍ دراسيّ يدعوني أحد الأصدقاء من معهد اللغة الإنگليزية في كاليفورنيا، في ختام دراستهم، واستعدادًا للعودة إلى أوطانهم، إلى حفلةٍ وداعية نملؤها بالذكريات والوعود، حفلةٍ أشبه ما تكون بغروب شمس نهارٍ قضيناه في رحلةٍ مبهجةٍ. ستكون الحفلة الليلةَ في شقتي التي دعوتهم إليها لنتشارك العشاء والحديث الأخير بيننا قبل أن نرحل.
عند الساعة السادسة باشرتُ غسلَ الخضروات وتقطيعها لأعدّ معكرونة پِنّه penne مع الروبيان والسبانخ والمشروم والبصل وصلصة الطماطم على صوت محمود درويش, الآتي من هاتفي, وهو يلقي إحدى قصائده.
قبل تمام الساعة السابعة بقليلٍ وصلت يونجي، هتفت وهي تضع طبقَها على الطاولة الدائرية الواقعة بين المطبخ والصالة, "أعددتُ كيمچي مع الرز المقلي". أشرتُ إلى المعكرونة، "شارفتُ على الانتهاء". تمايلت مبتسمةً تتنسم رائحتها وهي تقترب مني, "أوه، معكرونة بالروبيان! أجزم يا نواف أنك لا تحسن تطبخ غيرها".

يونجي تعدّت الثلاثين من عمرها, إلا أنّ ملامح وجهها ما تزال طفوليةً، وروحها دائمًا مرحةٌ بما يليق مع عملها ممرضةً. كانت ترتدي طِماقًا أسود legging مع بلوزةٍ بنفسجيةٍ عليها صورة سلحفاةٍ سماويةٍ ذاتِ رقبةٍ طويلةٍ (قد يكون ديناصورًا)، وشعرها يلامس منتصف ظهرها. تسعى إلى المحافظة على نمط حياةٍ شبيهٍ بحياتها في كوريا الجنوبية؛ فتحرص على حضور الصلاة كلَّ أحدٍ في إحدى الكنائس الپروتستانتية، وتحضر دروس تفسير الإنجيل مرةً في الشهر، ومذ عرفتها لا أذكر أنّها فوتت الذهاب إلى النادي الصحي إلّا نادًرا، وهي مع ذلك لا تُعَد، حسب المعايير الشرق-آسيوية، نحيلةً بما يكفي. أشياء كثيرةٌ طرأتْ عليها خلال إقامتها هنا، عقلها صار يحمل أفكارًا لم تراودها من قبل، وأسئلةً. خليلها يعمل قسيسًا في كوريا، وهي لم تره منذ سنةٍ تقريبًا. أخبرتني أنّ والدتها اعتنقت المسيحية بعد أن توفيَ والدها بحادث سيارةٍ وهي مازالت تحبو. فنشأت نشأةً دينيةً مغايرةً عن محيطها. لعلّ والدتها ظنّت أنّ حرمانها من زوجها بوفاته المفاجئة, وهو في أواخر عشريناته, كان رسالةً وعقوبةً لها من القدر على حياتها المليئة باللهو واللعب واقتناص الملذات، فخافت أن تُعاقَب أيضا بحرمانها من ابنتها الوحيدة. فما كان منها إلّا أن اختارت تغيير حياتها رأسًا على عقب, وأن تبدّل محيطها وعلاقاتها بشكلٍ كاملٍ، وأن تتطوعّ بجلّ وقتها في خدمة الكنيسة؛ لذلك نشأتْ يونجي وهي تتعلم ألّا تخطو أيّة خطوةٍ قبل أن تتأكدَ من أنّ المسيحَ سيكون موافقًا عليها.
كنت أحرّك المعكرونة التي شارفت على النضوج حين دخل إيتارو ووضع لوحَ التزلج ذا العجلات عند الباب. التفتَ إلينا وحيَّانا، "كيف حالكم؟". حدَّقتْ به يونجي، "أهلاً إيتارو، ماذا جلبتَ معك؟". ابتسم في وجهها ورفع كيسًا يحتوي على زجاجة نبيذٍ أحمر ومجموعةٍ متنوعة من الأجبان ووضعها على الطاولة، ثم أسرع إلى الحمام.
إيتارو أصغرنا، مازال في العشرين من عمره، وملامح وجهه الآسيوية تجعله يبدو أصغر من ذلك بعدة سنوات. قرر أن يدرس الطب في جامعة كيوتو باليابان بعد إلحاحٍ من والديه، وبعثته جامعته إلى هنا ليدرس الإنگليزية لمدة سنة. التقيت به أوّل مرة حين انتقلت إلى هذه الشقة. اعتدنا في عُطَل نهاية الأسبوع أن نستأجرَ الأفلام ونشاهدها برفقة أصدقائنا. هو لا يحسن التصرفَ مع الفتيات, وفي أوقات فراغه يعزف على الفلوت flute. في تلك الليلة كان يلبس شورتًا رياضيًا أبيضَ مع بلوزة سماويةٍ فاتحةٍ.
حدٌقت يونجي في شاشة هاتفي وهي تخفض صوته, "أنت محظوظ في سكنك مع شخصٍ هادئٍ مثل إيتارو. الفتيات اللاتي أعيش معهن مزعجاتٌ جدًا، يا إلهي، فوق ما تتصور". أطفأتُ النار وأضفتُ جبنةً مبروشةً فوق المعكرونة التي يتطاير منها البخار، ثمّ أغلقت القِدر وحملته إلى الطاولة المستديرة، "هو بالفعل هادئ أكثر من اللازم. وغالبًا ما يمكث في غرفته". في تلك اللحظات، وصل إيكارت وقد أحضر سلطةً أعدّها من الكرنب الأحمر والفاصوليا البيضاء والفليفلة الخضراء والذرة مع صلصة الخلّ والليمون. حيّانا ووضع طبقه على الطاولة. متأنقًا كعادته؛ يرتدي بنطلونًا خاكيًا مع قميصٍ برتقاليّ غامقٍ تبرز منه عضلات ساعديه، وحذاءً بنيًا. قامته طويلة، وملامح وجهه هادئةٌ وتعابيره رزينةٌ. يلبس نظارة بإطارٍ أسودَ نحيلٍ ويعتمر قبعةً سوداء عليها حرفي NY متداخلين, يغطي بها صلعته. عمره اثنتان وأربعون سنة زوجته تدير أحد المتاحف الألمانية وهو يعمل مدرسًا جامعيًا للإقتصاد.

الشقة ليست كبيرةً. بعد الدخول من الباب تكون غرفة إيتارو جهة اليمين، والمطبخ على اليسار مفتوحًا على الصالة التي تحتوي على ثلاث كنبات، الأولى كبيرةٌ ومواجهةٌ للتلفاز وعلى طرفيها كنبتين صغيرتين بينهما طاولةٌ خشبيةٌ مستطيلةٌ، ثمّ البلكونة المطلّة على الشارع الرئيس، وقبل باب البلكونة يقع باب غرفتي يمينًا، وبين المطبخ والصالة تقع الطاولة المستديرة.

فتح إيكارت الثلاجة وصاح بي, "لا يوجد إلا ثلاث زجاجات من البيرة!". أخبرته وأنا أرتّب الطعام على الطاولة أن جستن سيجلب معه ما يكفي من البيرة. نبهتني يونجي, "هذه الطاولة لن تسعنا كلنا، لم لا ننتقل إلى الطاولة الأخرى؟". وافقناها وشرعنا ننقل الطعام إلى الطاولة المستطيلة. وفي ذلك الوقت، انضمّ إلينا إيتارو، ووصل جستن حاملًا دزينةً من بيرة "بلو مون" وضع نصفَها في الثلاجة.
جستن لا يحبّ شرب الكحوليات، لكن لم يكنْ يدري ماذا يجب عليه أن يجلبَ معه, ولم يبدِ اعتراضًا حين طلبت منه أن يتكفّل بشراء البيرة. أوّل مرة رأيته فيها كان في حرم الجامعة التي يقع فيها معهد اللغة، خلال وقفة نظّمها الطلبة تضامنًا مع ضحايا إحدى الاعتداءات الإسرائيلية على غزة. كان متلفعًا بالكوفيّة الفلسطينية بين مجموعة طلابٍ يشكلون حلقةً ويحملون الشموع. في المدّة التي عرفته فيها، كانت كلّ علاقاته مقتصرةً على طالباتٍ عربياتٍ مبتعثاتٍ، وكان أكثر أصدقائه من الطلبة العرب. ليس في ملامحه أيّ أثرٍ يدل على والدته الفلبينية. شكله يميل أكثر إلى أبيه التركي. عقله متحررٌ جدًا ومتقبّل لكلّ الناس على اختلافاتهم، يحضر الكثير من الحفلات التي يقيمها الطلبة  في نهاية كلّ أسبوعٍ. شخصيته اجتماعيةٌ ومرحةٌ. في أعماقه يشمئز من خوض حكومته حروبًا غير مسوّغةٍ في الشرق الأوسط، كثيرًا ما عبّر عن تذمّره حيال ذلك, ويسعى إلى المشاركة في المظاهرات والوقفات الاحتجاجية كلّما سنحت له. في تلك الليلة كان يرتدي جينزًا أزرق، عليه بقعٌ باهتةٌ، مع قميص پولو أسود.
تذمرت يونجي, "كلّها أيّام قليلة ونرحل إلى بلداننا". قال إيتارو, "لا أريد العودة إلى اليابان". تساءلت يونجي, "ألا تشتاق لأهلك وأصدقائك؟". زم شفتيه، "والداي تقليديان إلى أبعد الحدود. لديهم تصوّراتٌ مثاليةٌ عن الحياة. يريداني أن أقصرَ اهتماماتي كلها على الدراسة والتفوق فيها، وألّا أقضيَ وقتي في ممارسة الرياضة أو الذهاب إلى السينما أو العزف. يرون كلّ هذه الاهتماماتِ هراءً يصرفني عن بلوغ مرتبةٍ مهنيّةٍ عاليةٍ, وذلك ما لا يليق بي. أتمتّع بحريةٍ وافرةٍ هنا، حين أعود سأختنق".
كلّنا كنّا مدركين لحقيقة أنّ اجتماعنا الليلة قد يكون آخر لقاءٍ بيننا. وأنّ الجميع حين يرحلون سينسى بعضُهم الآخر، وسننهمك في حياتنا اليومية. أليس محزنًا أن هذه الصداقات رغم جمالها وعمقها لا تستمر؟
التفت إليّ إيكارت وسألني, "كم درجة الحرارة الآن في الكويت يا نواف؟". أجبته, "جحيم!". سألني جستن, "هل حسمت أمرك بخصوص إكمال دراسة الماجستير؟". نظرت إليه بكسلٍ, "سأبحث عن وظيفة عوضًا عن ذلك، إن أكملتُ دراستي الآن فسأتجاوز الثلاثين وأنا بعد لا أملك أيّة خبرةٍ في العمل". حدّقت يونجي إليّ، "ماذا عن الزواج؟ متى تتزوج؟". ليس لدي طاقةٌ تكفي لأكرّر إجابتي عن هذا السؤال، ولأختصر سألتها, "ما نوع هاتفكِ؟". رفعت حاجبيها, "سامسونگ گالاكسي". سألتها, "لو علمتِ قبل شرائك له، أنّه قد يفشل عن العمل بنسبة ٦٠٪‏، هل كنتِ ستشترينه؟". أجابت, "طبعًا لا. لماذا أشتري هاتفًا لا يعمل في أغلب الأوقات. سأشتري آيفون عوضًا عنه". رفعت سبابتي وهززتها باتجاهها، "بالضبط! تُظهر الإحصائيات أنّ ٦٠٪‏ من الزيجات تنتهي بالفشل. هناك أصنافٌ عديدةٌ من العلاقات الأخرى، وهي أكثر استقرارًا من الزواج". اعترضتْ, "لكنّ العلاقات الأخرى لا تقدم استقرارًا ولا نموًا، وهي غالبًا ما تكون مؤقتةً, لا تشبع رغباتِك الحقيقيةَ في الانتماء إلى شخصٍ ومشاركة حياتك معه وتكوين أسرةٍ وتربية أطفالٍ. بعد الثلاثين ستملّ من هذه العلاقات، ستسعى إلى علاقةٍ تكون أكثر صلابةً، أكثر عمقًا. حينها ستنظر إلى المرآة لتكتشف كم أضعت من عمرك في سبيل لا شيء". عقّبتُ, "بالرغم من كلّ هذه الأشياء التي توفّرها مؤسسة الزواج والأسرة إلّا أنّها لم تعد متماسكةً, سرعان ما تنهار. الكثير من أصدقائي الذين تزوّجوا شعروا بعد فترةٍ وجيزةٍ أنهم تورطوا في دوامةٍ من الروتين والملل وأعباء نفسية لا تنتهي، بعضهم تغيّرت شخصيته إلى الأسوأ ولم يعدْ يعرف كيف يعود كما كان, بعضهم أنجب أطفالًا ثم أدرك فداحة ما اقترف. كلّهم صاروا يتوقون أكثر وأكثر إلى حياة الحرية والاستقلالية التي تمتّعوا فيها قبل زواجهم". استوضحتْ, "وهل الحلّ أن تنفرَ من الزواج؟ لا تفكّر بسطحيّة يا نواف، تكوين أسرة أمرٌ يختلف عن الهواتف النقالة. أولئك الأزواج يتحمّلون مسؤولية عدم استمرارية زواجهم, وهذه التجربة بالنسبة إليهم ستمنحهم المزيدَ من الوعي في تجربتهم التالية, وستُعرِّفهم على أنفسهم بشكلٍ أعمق. لا تخشَ من التجربة الفاشلة. تكمن متعة الحياة بأنّها سلسةٌ من التجارب غير المتوقعة!". تدَّخل إيكارت, "كلام يونجي منطقي، الزواج يحقق أشياء لا تحققها العلاقات الأخرى؛ لذلك هو كنظامٍ للعلاقات استمرّ عدة آلاف من السنين منذ ابتكرته البشريّة أوّل مرةٍ، وسيظل، فنحن لا نملك نظامًا أفضل منه رغم كلّ ما يعتريه, مع وجود بعض المحاولات هنا وهناك لإيجاد بديلٍ أفضل". سأل جستن, "وما الذي يعتري الزواج؟". ردّ إيكارت دون تفكير, "إنّه يلزم الزوجين على الاكتفاء، جنسيًا، بشخصٍ واحدٍ طوال العمر، وهذا أمرٌ ليس باليسير. فبعد سنةٍ واحدةٍ من الزواج، أضمن لك، أنّك ستبدأ بالتفكير، فقط تفكير لا أقول أكثر, بأشخاصٍ آخرين، وستشعر حينها أنّك مقيدٌ؛ لهذا نجد الكثير من الأشخاص في القرن الماضي قرروا أن يطوّروا الزواج إلى علاقةٍ أكثر انفتاحًا". قاطعته يونجي, "تقصد open relationship؟". هزّ رأسَه قائلًا, "بالضبط. هكذا كان زواج الفيلسوف الفرنسي سارتر مع سيمون، وكذلك كان زواج برتراند راسل، الفيلسوف البريطاني. وهنالك الكثير من الإشاعات على أنّ زواج بعض الفنانين مثل براد بِت مع أنجلينا جولي هو علاقةٌ مفتوحةٌ, وكذلك زواج الممثل ويل سميث". عقّب إيتارو, "رأيي من رأي نواف، الزواج علاقةٌ باتت غير مستقرةٍ جدًّا بالنسبة لجيلنا، لا شكّ أنّنا سنتجاوزه بعد أجيالٍ قليلة, أرى هذا جليًا. رغم كلّ ما نعانيه في اليابان من تناقص السكان عامًا بعد عامٍ, نحن في سبيلنا إلى الانقراض، لكن لا يبدو أنّ هناك أيّ دافعٍ لدى الشباب للإقدام على نمط حياةٍ يتناسب أكثر مع الظروف التي عاشها أجدادنا". تدّخل جستن, "هذه تخبطات بشرٍ لا يعجبهم شيء. الأديان ضَبَطت الأمور وجعلتها واضحةً. نحن لسنا حيواناتٍ, لا يمكن أن نمارس الجنس مع أيّ شخصٍ نلتقيه، لأنّه أعجبنا ثمّ نمضي نمارس الجنس مع شخصٍ آخر, وهكذا دوالَيْك. الزواج يضفي على المجتمع استقرارًا ويحفظ حقوق الزوجين". قلت له, "الأديان جاءت في أزمنةٍ تختلف كليًا عن زمننا الحالي، المجتمعات أكثر تداخلًا وتعقيدًا اليوم". أصرّ جستن, "مهما حاولنا، لن نستطيع أن نصلَ إلى قوانين أفضل من القوانين الّتي اختارها لنا الرب". اعترض إيكارت, "لا أعتقد أنّ ثمة نموذجًا واحدًا مناسبًا الجميع؛ لذلك أرى في العلاقات المفتوحة حلًا جيدًا للكثيرين". تساءل جستن, "ألا ترى في هذه العلاقات استغلالًا للمرأة من الرجل الذي لا يريد أن يرتبط بامرأةٍ واحدةٍ؟ ما الفرق بينه وبين الخيانة إذًا؟ وماذا نفعل بالغيرة وهي غريزةٌ طبيعيةٌ عند كلّ الناس؟". اعتدل إيكارت في جلسته, "لا شك أنّ الغيرة غريزةٌ طبيعيةٌ عند الكل, لكنّها ليست مقصورةً على الزواج، فأنت تغار من زميلك في العمل إذا أطال مديرك في مدحه, وتغار إذا رأيتَ أقرب أصدقائك يقضي الكثير من الأوقات مع صديقٍ غيرك, لكنّك تعلّمتَ أن تكبتَ هذه الغيرة في تلك العلاقات, فلماذا حين نأتي إلى الزواج يصرّ كلّ شخصٍ على ألّا يتلفّظ قرينه بأيّ إطراءٍ على أحدٍ غيره، وألّا يُعجب بشخص غيره وألّا يحب شخصًا آخر؟ لا أرى سببًا مقنعًا لذلك سوى عدم النضج والأنانية. أمّا الخيانة, فقد يرى الزوج أنّ زوجته خانته حين تحتسي كوبًا من القهوة مع رجلٍ آخر, وقد لا يرى زوجٌ ثانٍ أنّ في ذلك خيانةً. قد ترى الزوجة أنّ زوجها يخونها حين يطيل التحديقَ إلى نادلات المطاعم الجميلات، أو حين يمارس الرياضة مع فتاةٍ يقابلها في النادي الرياضي، وقد لا ترى زوجةٌ أخرى أنّ هذه الأفعال تبلغ مرتبة الخيانة، فليس هناك تصرفٌ واحدٌ يتفق الجميع على تصنيفه بوصفه خيانةً. فالخيانة هي كسر القواعد المتّفق عليها، طالما أنّ هنالك اتفاقًا بينهما حول ما يجوز وما لا يجوز, يصير الخائن هو من يتجاوز ما اُتفق عليه, وهذا يختلف من شخصٍ إلى آخر. وليس في العلاقات المفتوحة أيّ استغلالٍ للمرأة, بالعكس, هي تجعل المرأة في مرتبةٍ متساويةٍ مع الرجل, لها الحقوق ذاتها التي له، وليست أداةً لنزواته". تدّخلت يونجي, "لا أتخيّلني أبدًا في علاقةٍ مفتوحةٍ. الغيرة تنهش قلبي". ضحك إيكارت, "لكل شخص ما يلائمه".

بعد أن انتهيت من تناول العشاء، أخذت علبة السجائر وتوجّهت إلى البلكونة. هتف بي إيكارت, "سأجلب بيرة من الثلاجة وأتبعك". كان الهواء لطيفًا. سياراتٌ قليلةٌ تعبر الشارع، وأفراد متناثرون يتجولون على أقدامهم. رنوت إلى السماء المرقشة بالنجوم، هذا العدد الوافر من النجوم يبعث في النفس طمأنينةً، مهما ابتعدتْ فثمَّة أعين تلحظني وتحيطني بعنايتها. أشعلت سيجارةً وخرج إليّ إيكارت حاملًا زجاجتيّ بلو مون, ناولني واحدةً وناولته السيجارة وأشعلت ثانية. كان قرار إيكارت بأن يأخذ إجازةً مفتوحةً ليطوّر لغته الإنگليزية، هو في حقيقته محاولةً للابتعاد عن حياته التي تسير على نفس الرتم في السنوات الأخيرة, وعلاقته مع زوجته التي غدت دوامةً لا فكاك منها من الرتابة بعد زواجٍ بدأ قبل  سبع عشرة سنةٍ، بعد علاقة حبٍ كانت عميقة.
رفع إيكارت قبعته لتكشف عن رأسه الأصلع، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ باهتةٌ وهو ينظر عاليًا, "أمارس الرياضة وأتناول طعاما صحيًا.. سيجارةٌ واحدةٌ من حين لآخر لن تؤثر". ارتدى قبعته وأخذ نفسًا عيمقًا من السيجارة. بعد لحظاتٍ من الصمت تكلمتُ أخيرًا بملامح محايدة, "بعد أيامٍ قليلةٍ سأرجع إلى بلادي، أجّلت هذه اللحظة أكثر من مرة. لم أعد قادرًا على تأجيلها أكثر". التفت إليّ بابتسامةٍ ساخرةٍ, "أنت مكثتَ هنا ثلاثَ سنوات فقط تتعلم اللغة. لو كانت اللغة الصينية لانتهيت من احترافها منذ زمنٍ طويلٍ". ضحكتُ, "ومازلتُ لا أُتقن الإنگليزية". سألني, "لماذا لا تريد العودة, ألهذه الدرجة أحببت الحياة في كاليفورنيا؟". أجبته, "هل تعرف الصدمة الثقافية العكسية reverse culture shock؟ أن تعتاد الحياة في ثقافةٍ بعيدةٍ عن ثقافتك الأصلية وتتكلم بلغةٍ غير لغتك الأم حتّى في مناماتك, وتكوّن علاقاتٍ وثيقةً مع أشخاص من تلك الثقافة, ثمّ بعد طول انقطاع, تحاول الدخول مرةً أخرى إلى ثقافتك الأصلية ومجتمعك ولغتك وأصدقائك، لتكتشف حجم تغيّرك عنهم, ومدى صعوبة الانضمام إليهم مجددًا كنسخةٍ مكررة لما كنتَ عليه سابقًا, وأن تحاول تتأقلم مع محيطك الجديد-القديم؟ هذه عمليةٌ ليست يسيرةً, الكثير ممّن عادوا إلى بلادهم غمرهم شعورٌ فظيعٌ بالصدمة, والكآبة, والرفض. صار همّهم الوحيد هو الفرار من هذا الواقع الجاثم. كلّما سمعت قصة أحدهم، أفكر أنّ عليّ أن أؤجلَ هذه اللحظة ما أمكنني, لعلّ أمرًا يحدث في المستقبل, لكن للأسف لم يحدث شيئًا". اتسّعت عيناه، "أعرف هذا الشعور، خبرته حين عدت في الإجازة الماضية إلى ألمانيا. لم يكن شعورًا مريحًا. لا أحد يستطيع أن يفهم ما مررتُ به، لا يبدو أن أحدًا يكترث. يمكنني أن أرى بوضوحٍ الفرق الجلي بين تفكيري وتفكير كلّ من هم حولي هناك. كنت فقط أفكّر بالعودة إلى هنا. زوجتي أحسَّت أن شيئًا ما قد تغيّر، لكن ليس بيدي حيلة". سألته, "ألا تريد أن تجدَ عملا هنا؟". صارحني, "بلا أدنى شك. قدَّمت أوراقي على أكثر من جامعةٍ وأنتظر الرد". استفسرت, "ماذا عن زوجتك؟". أخذ رشفةً, "هي لا تريد العيش خارج ألمانيا. عندما عدت في الإجازة السابقة أخبرتها بنيتي العمل في الخارج، لكنّها لا تريد. بتُّ ألحظ كيف أنّ كلينا يفكّر بشكلٍ مختلفٍ، يبدو أنّني تغيرت كثيرًا خلال مكوثي هنا، أو ربما منذ اللحظة التي قررت فيها القدوم إلى هنا, لا أدري. وجدت ذاتي التي افتقدتها قبل عدة سنواتٍ. بالمناسبة, حدَّثتني أيضا عن حلمٍ أقلقها كثيرا". تساءلت, "حلم؟". تكلم بجدية, "تقول إنّها رأت هذا الحلم مرارًا. نحن الاثنان نمسك بأيدي بعضنا بعضًا ونسير في سرورٍ على حافة جبٍل, إلى أن مرّت غيمة إلى جانبنا فقفزت إليها وناديتها، أن اقفزي، لكنّها خشيت الوقوع. ظللنا ننظر لبعضنا بعضًا والغيمة تبتعد. هبط طائرٌ أحمرُ فوق رأسي، فانشغلت به. صرخت تناديني بأعلى صوتها 'إيكارت، إيكارت، إيكارت'. لكنّ الغيمةَ ابتعدت كثيرًا، وتوارت في الأفق، والعصفور ما يزال على رأسي". بادرته, "ماذا يعني هذا الحلم؟". ألقى بعقب سيجارته من البلكونة, "لا أراه يحتاج إلى تفسيرٍ".
لم يكن لدى إيكارت ما يشتكي منه في زوجته. بينهم تفاهمٌ كبيرٌ, وهي تسانده لأبعد مدى, وتحبّه. لكنّ ما يثقل كاهله أنّه هو الذي تغيّرت مشاعره, لا يعرف كيف ولا لماذا. لم يعد يجد أيّة إثارةٍ في حياته معها. يخشى أن يحطّم قلبها, ويهدم هذه الحياة المستقرة. لا يريد أن يكون سببًا في إيذائها، وفي الوقت نفسه، يشعر أنّ حياتَه معها وصلت إلى طريقٍ مسدودٍ, ولا يريد أن يقضي بقية حياته مع إنسانة لم يعد يحبها كما كان. باتت تستهلكه ببرودٍ، لا يدري ماذا يجب عليه أن يفعل. لعلّه يعرف بالضبط ماذا يجب عليه أن يفعل; أن يصارحها. لكنه لا يريد تحمّل مسؤولية ما سيتبع تلك المصارحة، والأثر الذي سوف تتركه مصارحته فيها. مشكلة الصراحة أنّها تحتّم عليك أن تضع في عين الاعتبار كيف سيعيش متلقيها مع نتائجها.

حين خرجنا من البلكونة، كانت الأضواء خافتةً والأصدقاء يتابعون مسلسل House of Cards. زجاجة النبيذ تتوسط الطاولة مع صحنٍ فيه قطعٌ متنوعةٌ من الأجبان. وكأسان أمام يونجي وإيتارو. جميعهم يتابعون أحداث المسلسل مشدوهين. انغمست في الكنبة, يلفحني هواءٌ آتٍ من باب البلكونة المفتوح, مال رأسي إلى اليمين, وبعد لحظاتٍ قليلةٍ غفوت.

- - -

بعد تلك الليلة سافر كلّ واحدٍ منا إلى بلده باستثناء جستن. ومع الأيام خبا تواصلنا وانشغلنا بحياتنا. إيتارو خرج من منزل والديه وترك دراسة الطب. صار يعمل أيّام الأسبوع كمرشدٍ سياحيّ للزائرين الذين يريدون التعرف على معابد كيوتو. في عطلة نهاية الأسبوع يعمل مع فرقته الغنائية في حانة زاك باران Zac Baran في سرداب جامعة كيوتو. في آخر محادثةٍ بيننا شرح لي سبب قراره, "حين تحاصرك ظروفٌ لا تملك الخلاص منها, تصير بين خيارين: إمّا أن تمضي لحظات عمرك حنقًا وألماً, أو أن تتعلم كيف تتأقلم معها إلى أن تواتيك فرصة للنفاذ". إجادته للغة الإنگليزية فتحتْ له بابًا مكّنه من العمل في وظيفةٍ يجني منها ما يكفيه من مالٍ ليستقلّ ويزاول الحياة التي يريدها هو.

أمّا جستن فقد اعتنق الإسلام. أعفى لحيته, ونشط في جمع التبرعات لمساعدة المحتاجين. غدت صفحته في في الفيسبوك خاليةً إلا من أخبار الحروب الدائرة في الشرق الأوسط. ما يزال صوته يرنّ في أذني, "الظلم أعلى مرتبات الشرّ. غايتنا في الحياة أن نقيمَ العدل".

أما يونجي فعلى العكس من جستن. فقدت كل اهتمامٍ دينيّ, ولم تعد مسيحيةً. كانت تشعر دائمًا أنّ الدين يكبّلها بقيودٍ لا ترى لها مسوّغًا. غلب عليها الشكّ في كلّ معلومةٍ كانت تعرفها. كانت تقول, "الرومان كانوا يدوّنون كلّ شيءٍ, كيف فاتهم أن يدونوا أيّة معلومةٍ عن حياة يسوع وموته، لو كان موجودًا بالفعل في ذلك الوقت كما أخبرنا كتبة الأناجيل؟". أخبرتني أنّها ما تزال تملك السيرة الذاتية لستيفن هاوكينگ التي استعارتها مني حين كنّا في كاليفورنيا. لدهشتها, لاحظت أنّ قرارها بعدم الاستمرار في ممارستها الدينية, عوضًا عن أن يحررها من الدين, حاصرها دينيًا بشكلٍ أعمق. فصارت تقرأ بنهمٍ كتبًا في تاريخ الأديان, وكتبًا مقدسةً لأديانٍ أخرى, وتتابع مناظراتٍ دينيةً تلفزيونية, وتحضر جلسات نقاشٍ فكريةٍ. استمرت هكذا لمدة سنةٍ ونصف. إلى أن قررت أخيرًا أنّها لا تريد لحياتها أن تضيع هدرًا في هذه المجادلات. امتنعت عن تصنيف نفسها دينيًا. فهي ليست مسيحيةً, ولكنّها في الوقت نفسه ليست ملحدةً. لم تعد هذه المسألة تحتلّ أيّة مساحةٍ من الاهتمام لديها. حين قررتْ أن تصارح خطيبها بعزمها على مفارقته, لم يبدُ عليه أيّ تأثر, بدا صلبًا وواثقًا. كأنّه توقّع ذلك. في أقل من عشر دقائق طُويَت صفحتهما.
بعد انتهاء علاقتها بعامين, تعرّفت عبر إحدى صديقاتها إلى رجلٍ أمريكيّ من أصلٍ كوريّ يمتلك شركةً عقاريةً في الولايات المتحدة الأمريكية, وكان في زيارة لكوريا. هي الآن ترتّب لانتقالها إلى العمل في مستشفى جون هوبكنز بولاية ميريلاند.

إيكارت ما يزال يعيش مع زوجته وابنه الذي يدرس في الجامعة وابنته التي في الثانوية. محاولته لتجنب إيذاء مشاعر زوجته لم تفلح. رغم أنّه لم يصارحها بأيّ شيء, إلا أنّها كانت تشعر به, كانت تشعر بكلّ شيء. درّس لمدة سنة كاملة في الجامعة بعيدًا عن عائلته. وخلال تلك الفترة كانت له بعض العلاقات العابرة. كانت زوجته تتمثّل أمامه في كلّ مرة يمارس فيها الجنس مع امرأةٍ أخرى. علاقاته لم تذهب بعيدًا, سرعان ما كانت تخبو إثارتها بعد أسابيع قليلةٍ ليدرك أن لا شيء  يجمعه مع هذه المرأة أو تلك. ثم يطفو حنينه إلى زوجته مجددًا. قال لي, "الحبّ وحده لا يكفي. العلاقات يلزمها تطويرٌ دائمٌ من كلا الطرفين ومتابعة حتى تحافظَ على استمراريتها". هو الآن أكثر سعادةً بعد أن تأكد أنه أكثر انسجاما في العيش مع عائلته.

- - -

قبل أيامٍ قليلةٍ, بينما كنت أرتّب أدراجي المكتظّة بأشيائي القديمة, عثرتُ على قطعة فلاش ميموري حفظت فيها مئات الصور التي التقطتها في كاليفورنيا. جلست أشاهدها واحدةً تلو الأخرى. لم أنتبه إلا بعد مرور أكثر من ساعةٍ كاملةٍ من الحنين. الصور لم تكن كافيةً لاستدعاء كلّ عناصر الذكريات. أغلقت اللابتوب, وأخرجت زجاجة بلو مون من الثلاجة، تناولت الفتّاحة من درج المطبخ وفتحت الغطاء، مسكت كأس ستاين stein بيدي اليسرى وأملته جهة اليمين، صببت البيرة ببطءٍ حتى امتلأ. تابعت انبعاث الفقاعات من قاع الكأس حتى غمرت أعلاه بالزبد. رشفت رشفةً وأغمضت عينيّ وأنا أستشعر برودة السائل وهو يتمدد في فمي، ثم أشعلتُ سيجارة بينما أُنصت إلى صوت محمود درويش الآتي من هاتفي:

وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب.
وكُلَّما فَتَّشْتُ عن نفسي وجدتُ الآخرين.
وكُلَّما فتَّشْتُ عَنْهُمْ لم أَجد فيهم سوى نَفسي الغريبة،
هل أَنا الفَرْدُ الحُشُودُ؟
[..]
وأَنْظُرُ نحو نفسي في المرايا:
هل أَنا هُوَ؟
هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل الأخير؟
وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض،
      أَم فُرِضَتْ عليَّ؟
      [..]
وجلستُ خلف الباب أَنظُر:
هل أَنا هُوَ؟
هذه لُغَتي.
وهذا الصوت وَخْزُ دمي
ولكن المؤلِّف آخَرٌ…
أَنا لستُ مني إن أَتيتُ ولم أَصِلْ
أَنا لستُ منِّي إن نَطَقْتُ ولم أَقُلْ
أَنا مَنْ تَقُولُ له الحُروفُ الغامضاتُ:
اكتُبْ تَكُنْ!
واقرأْ تَجِدْ!
وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ،
يَتَّحِدْ ضدَّاكَ في المعنى …

وباطِنُكَ الشفيفُ هُوَ القصيدُ