أعلن استقلالك وابدأ حياة التجوال حول العالم

يقولون, في الواقع, الإنسان مصنوع من الرغبة. كما تكون رغبته يصير إيمانه. كما يكون إيمانه تصير أعماله. كما  
تكون أعماله يصير هو.
التعاليم العليا للأوبانيشاد  





مقتطفات من كتاب التجوال: دليل غير تقليدي لفن السفر طويل الأمد حول العالم
ترجمة: علي الصباح


من بين كل العبارات الصادمة التي يمكن لأحدنا أن يسمعها في الأفلام، هناك عبارة واحدة أنقذتني. لم تأتي من فلم كوميدي غير تقليدي، أو فلم خيال علمي مقصور على فئة معينة، أو فلم أكشن مثقل بالمؤثرات. أتت من فلم وول ستريت لأوليڤر ستون، حين أخبر شارلي شين --شخص واعد في البورصة-- خليلته عن أحلامه.


"أعتقد أني إذا ما تمكنت من تكوين كمية كبيرة من المال قبل بلوغي الثلاثين والخروج من هذا الصخب، سأتمكن من قيادة دراجتي النارية في أرجاء الصين."


حينما رأيت المشهد لأول مرة على الفيديو لسنوات مضت، كدت أقع من كرسيي من الذهول. في النهاية، شارلي شين أو أي شخص آخر يمكنه العمل لثمانية أشهر في تنظيف الحمامات وسيحصل على مايكفي من مال يتيح له قيادة دراجته النارية في أرجاء الصين. حتى لو لم يكن يمتلك دراجة نارية يمكن لشهرين إضافيين من دعك المراحيض أن يوفرا له مالا كافيا ليشتري واحدة في الصين.


الأمر المهم هنا، معظم الأمريكيين لن يجدوا في هذا المشهد أية غرابة. لأسباب ما، نرى السفر لفترات طويلة إلى بلدان بعيدة كحلم يعاود على التكرار، أو كإغراء شاده، لكننا لا نراه كشيء ينطبق الآن وهنا. عوضا عن ذلك --من باب التزامنا المجنون تجاه الخوف، والموضة، ودفع الفواتير الشهرية على أشياء لا نحتاج إليها بالضرورة-- نحتجز سفراتنا في مدد قصيرة، بشكل متلهف سريع. بهذه الطريقة، بينما نرمي ثروتنا من أجل فكرة مجردة نطلق عليها "أسلوب حياة"، يغدو السفر مجرد أمر كمالي آخر. تجربة مريحة ومغلفة نشتريها بنفس الطريقة التي نشتري فيها ثيابنا وأثاثنا.


منذ وقت ليس بعيد، قرأت أن ربع مليون دير ورحلات متعلقة بالرهبنة لفترات قصيرة قد حجزت من مكاتب السفريات للعام السابق. مزارات روحية من اليونان إلى التبت تحولت إلى جهات سياحية مزدحمة، وخبراء السفر يعزون هذا الازدهار إلى أن كثيري الإنجاز المشغولون بشكل دائم يسعون إلى حياة أكثر بساطة.


من دون شك، الأمر الذي لم يكترث أحد إلى الإشارة إليه هو ن شراء حزمة سياحية للحصول على حياة أكثر بساطة كمثل من يستخدم المرآة لينظر كيف يبدو في حين أنه هو في الحقيقة لا ينظر إلى المرآة. ما يُباع في الواقع هو الفكرة الرومانسية بحياة أبسط، و--كما أنك مهما حركت رأسك أو عينيك فلن يتيح لك ذلك رؤية نفسك عبر الزجاج-- رحلات الأسبوع أو العشرة الأيام لن تأخذك بعيدا عن الحياة التي تحياها في بلادك.


في النهاية، هذا الزواج القسري بين الوقت والمال كان دافعا لجعلنا نحيا نمطًا من التشبث. كلما ربطنا بين التجربة والقيمة المالية، كلما زاد اعتقادنا بأن المال هو ما نحتاج إليه لنحيا. وكلما ربطنا بين المال والحياة، كلما اقنعنا أنفسنا بأننا فقراء جدًا لنقدر على شراء حريتنا. مع هكذا طريقة تفكير، ليس بمستغرب أن الكثير من الأمريكان يظنون أن السفر عبر البحار لفترات طويلة خاص بالطلبة، أو الخارجين من ثقافات أخرى، أو للأغنياء جدا.


في الواقع, السفر لفترات طويلة لا علاقة له بالعوامل الديمغرافية --العمر، الإيديولوجية، الدخل-- بل مرتبط كل الإرتباط بالنظرة الشخصية تجاه الحياة. لا علاقة للسفر لفترات طويلة بأن تكون تلميذا جامعيا؛ بل أن تكون تلميذا للحياة اليومية. السفر لفترات طويلة ليس تمردًا على المجتمع؛ بل هو تصرف مبني على منطق سليم ضمن إطار المجتمع. السفر لفترات طويلة لا يحتاج إلى كمية كبيرة من المال؛ بل يحتاج فقط أن نمضي خلال العالم بشكل مدروس أكثر.


المضي في العالم بطريقة مدروسة كان دائما تقليدا يحترم الوقت، ومتوفر بشكل متوار تحت اسم التجوال. التجوال ينطوي على أخذ فترات إجازة ممتدة من حياتك الطبيعية --ستة أسابيع، أربعة أشهر، سنتين-- لتسافر حول العالم حسب شروطك أنت. التجوال أبعد من السفر، هو نظرة إلى الحياة. التجوال هو عبارة عن تسخير رفاهية وإمكانيات عصرالمعلومات لتوسيع خياراتك الشخصية عوضا عن زيادة ممتلكاتك الشخصية. التجوال عبارة عن البحث عن مغامرة داخل الحياة العادية، وحياة عادية داخل المغامرة. التجوال عبارة عن سلوك --اهتمام ودود تجاه الأشخاص، البلدان، والأشياء التي تجعل من المرء مستكشفًا بكل معنى الكلمة. التجوال ليس نمط حياة، وليس موضة عابرة. إنه فقط طريقة غير مألوفة للنظر إلى الحياة --تعديل في القيم تتبعه الأفعال. وكأي شيء، التجوال مرتبط بالوقت --بضاعتنا الحقيقية الوحيدة-- واختياراتنا لكيفية إنفاقه.


جون ميور مؤسس نادي سييرا (لو كان هناك متجول بالفطرة فسيكون هو) اعتاد على التعبير عن دهشته من المسافرين الأثرياء اللذين يأتون إلى حديقة يوسيميتي فقط ليسارعوا بالمغادرة بعد ساعات قليلة من التطواف. كان ميور يسميهم "فقراء وقت" --أُناس مهووسون بشدة في الاعتناء بممتلكاتهم المادية ووضعهم الاجتماعي بحيث لا يمكنهم توفير وقت ليستمتعون به بحق ببهاء برية سييرا الكاليفورني. أحد زوار ميور في حديقة يوسيميتي في صيف 1871 كان رالف والدو إيميرسون، الذي سارع في الذهاب لرؤية أشجار السيكويا، وقل عنها: "إنها أعجوبة أن نتمكن من رؤية هذه الأشجار ولا نزداد عجبا." حينما هرع إيميرسون مرتحلا بعد ساعات قليلة، مع ذلك، تفكر ميور بامتعاض في ما إذا كان هذا المتعالي المشهور قد رأى حقا الأشجار في المقام الأول.


بعد ما يقارب القرن، عالم الطبيعيات إدوين واي تيل استخدم أمثلة ميور ليندب نمط الحياة المتسارع للمجتمع الحديث. دوّن في كتابه "خريف حول أمريكا" الصادر عام 1956 "الحرية كما عرفها ميور، مع وفرة من الوقت، وأيام غير صارمة، ومدى متعدد من الخيارات… هكذا حرية تبدو أكثر ندرة، وأصعب على النوال، وتتباعد جيلا بعد جيل."


لكن رثاء تيل لتدهور الحرية الشخصية ليس سوى تعميم أجوف في عام 1956 كما هو الآن. كما كان جون ميور واعيا بذلك, التجوال لم يُنَضّم من خلال تعريف الناس المتقلب لنمط الحياة. عوضا عن ذلك، كان دائما خيارا شخصيا داخل المجتمع الذي كان باستمرار يستعدينا لعدم فعل ذلك.


هذا الكتاب عن العيش وفقا لهذا الخيار.



*****

المسافر الجيد لا يملك خطة محدد، ولا ينوي الوصول 
لاو تزو، طريق الحياة


متى تبدأ التجوال
التجوال مرتبط بأن تخفف قبضتك على ما يسمى بثوابت هذا العالم. التجوال مرتبط برفض تأخير السفر لوقت آخر في حياتك قد يكون أفضل. التجوال هو أن تأخذ بزمام أمور ظروفك عوضا عن أن تنتظر بسلبية لأن تحدد هي مصيرك. لذلك، السؤال عن كيف ومتى تشرع بالتجوال ليس سؤالا حقيقيًا بالمرة. التجوال يبدأ الأن. حتى لو كان الواقع العملي للسفر بعيدا لأشهر أو سنوات، التجوال يبدأ في اللحظة التي تتوقف فيها عن اختراع المعاذير، تبدأ بتوفير المال، وتنظر في الخرائط مع الشعور بارتعاش مخدر من إمكانية تحققه. إلى هنا، حقيقة التجوال تصير أكثر وضوحا كلما ضبطت نظرتك إلى العالم وبدأت في تقبل الريبة المنعشة التي يحملها السفر الحقيقي.

*****


البساطة
الفكرة التي تنطوي على أن الاستثمار المادي بشكل أو آخر أهم في الحياة من التطوير الذاتي --هو ذات الشيء الذي يؤول بالكثير إلى الاعتقاد بأن حياة التجوال غير ممكنة. كلما استظهرت الخيارات الحياتية من حولنا على هيئة خيارات استهلاكية، كلما تناسينا أن ثمة فرق بينهما. لذلك، أقنعنا أنفسنا أن شراء الأشياء هو سبيلنا الوحيد ليكون لنا دور في هذا العالم، فنستنتج بشكل خاطئ بأننا لن نكون أغنياء بما يكفي لشراء تجربة رحلة سفر طويل الأمد. لحسن الحظ، العالم لا يحتاج أن يصير سلعة استهلاكية. مثل السلامة البيئية، السفر لفترة طويلة ليس شيئا تشتريه، هو شيء تعطيه لنفسك. بالتأكيد، الحرية اللازمة للتجوال لم يكن تحديدها عائدًا على الدخل أبدًا. هي توجد خلال البساطة --الخيار الواعي في كيفية استخدام ما تملك من دخل. وخلافا للصور النمطية الشائعة, السعي وراء البساطة لا يستلزم أن تصير راهبا، أو أن تعيش على الكفاف، أو أن تقوم بثورة راديكالية. ولا يعني أنك يجب أن تتجنب بشكل لا واعي دور المستهلك. عوضا عن ذلك، البساطة تستلزم شيئا من التضحية الشخصية: تعديل على عاداتك وروتينك داخل المجتمع الاستهلاكي نفسه.


في النهاية، قد تكتشف أن التجوال بمبالغ قليلة هو طريقتك المفضلة للسفر، حتى لو توافرت لك خيارات أعلى سعرا. بالتأكيد، البساطة لا توفر عليك المال والوقت فقط، بل تجعلك أكثر إقداما على المغامرة، تجبرك على التواصل بصدق مع الناس المحليين، وتتيح لك الاستقلالية لتتبع شغفك وفضولك إلى طرقات جديدة. بهذه الكيفية، البساطة --في موطنك وخلال السفر-- تتيح لك الوقت للسعي في الحصول على معنى متجدد بسلعة غالبا ما تكون مهملة ولا تستطيع شرائها بأي ثمن: الحياة نفسها.



*****


أيها المسافر، 
ليس ثمة طريق، 
الطرق تشق بالمسير. 
أنطونيو ماكادوا


غيّر نمط حياتك
بينما تقيد الاتساع المادي في حياتك، تحتاج أن تتجرع مرارة كبح المشتريات الغير مهمة لنمط حياتك الأسبوعي. بشكل بسيط، أن تحيا أكثر تواضعا (حتى لو لم تكن متواضع) وتستثمر الفائض لتمويل سفرك. عوضا عن الأكل في المطاعم، اطبخ في البيت وجهز غدائك للعمل أو المدرسة. عوضا عن الاحتفال في النواد الليلية ومشاهدة الأفلام في السينما أو الذهاب إلى الحانات، استمتع في المنزل مع أصدقائك أو عائلتك. كلما سنحت لك فرصة للتلخص من عادة مالية، اقتنصها. الأموال التي ستتدخرها ستعينك بشكل كبير في سفرك، تناولتُ العديد من سندويشات المورتديلا (وفوّتُ الكثير من الحياة الليليّة في عز أيام فرقة الغرنج في سياتل) بينما كنت أوفر للتجوال بعد الجامعة --إلا أن الأشهر الثمانية التالية من الحرية في طرقات أمريكا الشمالية كانت أكثر من كافية.

هنا حيلة مرحة أستخدمها لتوفير المال: أتنازل عن بعض الرفاهية في بلدي، وعوضا عن ذلك أتخيل تجربة يمكنني فقط القيام بها حينما أكون مسافرا. عوضا عن الخروج لتناول ستيك من لحم، أتخيل السوشي الذي يمكنني تناوله في أوساكا. عوضا عن شراء غيتار آخر، أتخيل الغوص عند الشعاب المرجانية في الفلبين. الخيال أداة قوية. أستخدمه لأستمتع بكل الاحتمالات التي تنتظرني في رحلتي --ومحفظتي لم تتجاوز جيبي.


*****

قلّص ممتلكاتك
لعل أصعب خطوة لجعل الأشياء أبسط هي التخلص من الركام --تقليص ما تمتلكه. كما لاحظ ثورو، التقليل يمكن أن يكون أهم خطوة للفوز بحريتك وتغيير حياتك: "امتلك في ذهني ما يبدو ظاهريا على أنه ثروة, لكن الأكثر فقرا بشكل مريع من راكم نفايات لكنه لا يعرف كيف يتصرف بها، أو يتخلص منها، وهكذا يكون قد صاغ أغلاله الذهبية أو الفضية."

*****

حينما كنت صغيرا سألني خبير مالي كبير عما أريد أن أفعله عندما أكبر وقلت: "أن أسافر." أجاب: "آه! إنه مكلف كثيرا، المرء يلزمه الكثير من المال ليقوم بذلك". كان مخطئا. لأن هناك صنفين من المسافرين؛ الرحالة المستريح، حيث تحيطه غيمة من المصروفات الشرهة طوال الوقت، والرجل الذي غيّر نفسه واستمتع بالقليل من عدم الراحة كتغيير نمط الحياة.
رالف باگنولد، رمال ليبية


الأمتعة
ما الذي يجب علي التخطيط لأخذه معي أثناء السفر؟ أقل ما يمكن، نقطة. لا يمكنني التدليل كفاية على أهمية السفر خفيفًا. سحب حزمة هائلة من الخردة من مكان إلى مكان كفيل بإعاقة مرونتك وإحالة سفرك إلى جعجعة فارغة. للأسف، نمط الحياة في بلادك لا يمكنه أن يهيئك لكم من الأشياء القليلة التي تحتاج إليها في رحلتك. لذلك، أفضل ما يمكنك القيام به حين تقرر ما تحزمه هو أن تشتري --هذه ليست مزحة-- حقيبة سفر صغيرة. هذا الحزم القليل سيتيح لك الأساسيات فقط: دليل سياحي، زوج من النعل، أدوات النظافة الأساسية، أمور متعلة بالصحة (بما فيها كريم للشمس)، سدادة أذن تستخدم لمرة واحدة (للأماكن المزعجة) وهدايا صغيرة لمضيفك وأصدقائك المستقبليين. وبعض الملابس البسيطة والعملية, ,اخرى ملائمة للمناسبات الاجتماعية. كذلك مصباح يدوي صغير. زوج من النظارات الشمسية. حزمة ليوم كامل (لحمل أشياء أصغر حينما تترك الفندق) وكاميرا رخيصة. ثم --انظر للأسفل لتتأكد من امتلاكك لحذاء طويل أو قوي للمشي-- أغلق الحقيبة بقفل صغير وقوي. هذه قد تبدو كمية غير كافية للسفر, لكن ليس إذا أدركت أنك تسافر إلى عالم مليء بأناس لديهم نفس احتياجاتك اليومية. بالتأكيد حيثما تسافر ستجد كمية كبيرة من مستلزمات الحمام، ملابس إضافية، أقلام، دفاتر، محارم ورقية، مناشف، مياه معلبة، ومأكولات خفيفة --حتى لو لم تكن العلامات التجارية المنتجة مألوفة. أي مكان ممطر سيكون ممتلئ بالمظلات الرخيصة للبيع، وشبكات اصطياد البعوض ستجدها بسهولة في المناطق المليئة بالحشرات. الملابس الدافئة (بعضها تراثي جميل) بالتأكيد ستباع في كل مكان حيثما يكون المحل باردا. والتسوق لهذه الأشياء حين تحتاج إليها قد يغدو مغامرة بحد ذاته. كما في الكتب ذات العلاقة والخرائط، غالبا يسهل العثور عليها (باللغة الانجليزية) في الجهة التي ستسافر اليها مقارنة في بلادك.

*****



دع الأشياء تحدث
لا تضع حدودا لما يمكنك القيام به أو ما لا يمكنك القيام به. لا تضع حدودا لما هو جدير أو غير جدير بوقتك. تجرأ بأن تلعب ألعابا مع يومك: شاهد، انتظر، اسمع؛ دع الأشياء تحدث. أينما تكون، ليكن متجر للهدايا في الفاتيكان، قرية بين الأدغال في بنما، أو بقلب مدينة أوگادوگو --أعر انتباها لأدنى همهمة أو تفصيلة تحيطك. كما أشار دين ماك كانل: "أي شيء يُلحظ، حتى وردة صغيرة أو ورقة رفعت من الأرض وعرضت على طفل، ملمع الأحذية أو حفرة من الحصى، كل شيء به جاذبية محتملة…. أحيانا يكون لدينا دليل سياحي رسمي أو أفلام عن السفر تساعدنا على تحديد ذلك. غالبا نحن لوحدنا. وإلا كيف نتعرف على أي شخص آخر سوى أنه عبارة عن مجموعة من الإشارات المتشربة من الكون المليء بالإشارات؟ كيف لنا أن نبدأ بمعرفة العالم بغير هذه الطريقة؟"

*****

إذا ما اندفع شخص بثقة تجاه أحلامه ومساعيه ليحيا الحياة التي يتخيلها، سيجد نجاحًا غير متوقع في ساعات عادية. سيركن  
بعض الأشياء خلفه، سيرفض حدودا غير مرئية؛ قوانين جديدة وعالمية وحرة ستتشكل حوله وفيه. 
هنري ديفيد ثورو، كتاب والدن


استكشف محلّك
إذا ما كنت محتارا بما يمكنك فعله في مكان ما، فقط ابدأ بالمشي حول بيئتك الجديدة. امش حتى يغدو يومك أكثر تشويقًا --حتى لو تطلب ذلك السير لخارج المدينة والولوج إلى الأرياف. في النهاية ستشاهد منظرا أو تقابل شخصا يجعل ما مشيته ذو فائدة. إذا ما "تهت" خلال هذه العملية، فقط خذ الباص أو التاكسي إلى معلم رئيس محلي ومن هناك ستجد طريقك إلى فندقك.
دون يومياتك من بداية سفرك، وانتظم بكتابتها يوميا. لك مطلق الحرية بأن تكتبها باقتضاب أو بإسهاب كما تحب. احتفظ بسلسلة من القصص، الأحداث، المشاعر، الفوارق والانطباعات. النتيجة ستكون سجل استثنائي لخبراتك ولنموك.

*****


كيف تغسل ملابسك
بعض الأماكن (مثل الهند) تتوفر فيها خدمة غسيل ملابس رخيصة وفي كل مكان، لكن أماكن أخرى كثيرة لا تملك هذا. لحسن الحظ، غسل ملابسك أمر يمكنك أداءه بسهولة. أحضر سدادة لمغسلة حمام فندقك، واستخدم الشامبو كمنظف. واحضر حبل بنجي صغير لاستخدامه كحبل غسيل. إذا كانت ملابسك لاتزال مبللة قليلا في الصباح، أفضل حل هو أن ترتديهم في ذلك اليوم (والذي قد لا يكون مريحا في البداية، إلا أنه أفضل من وجود ملابس مبللة داخل حقيبتك).

*****


أولئك اللذين يزورون أوطانا أجنبية ولا يرافقون إلا أُناسا من بلدهم, يغيرون أجوائهم، لكن لا يغيرون تقاليدهم. يرون قمما جديدة، لكن يجدون نفس الرجال؛ وبرؤوس خاوية كجيوبهم، يعودون لأوطانهم بأجساد مسافرة، لكن بعقول لم تسافر. 
تشارلز كاليب كولتون، لاكون

ادعم السكان المحليين
في أغلب الأماكن، الفنادق الرخيصة وبيوت الضيافة تكون مملوكة لأهل البلد، مما يعني أن السفر المقتصد هو في الواقع أفضل وسيلة لدعم الاقتصاد المحلي. كذلك، أماكن الإقامة المحلية عادة ما تكون متاحة للمساومة في أسعار الغرف --خاصة خلال موسم السياحة الضعيفة. الكثير من الأماكن تعرض نسبة من الخصم عند حجز عدة ليال.
لا تقبل غرفة قبل أن تطلب معاينتها أولا. تأكد من عمل الكهرباء والماء، وتأكد من عمل أقفال الباب. لاحظ موقع غرفتك بالمقارنة مع الديسكوات، المساجد، المصانع، الشوارع الرئيسة أو أي بيئة محيطة قد تسبب ازعاجًا في أوقات محددة من اليوم.

*****


تعرّف على الآخرين لتعرف ذاتك
من أكثر الأشياء التي تحتفظ بها الذاكرة عند مقابلة أشخاص من دول أجنبية هو ما تفعله هذه اللقاءات بتوعيتك على غرائز التغذية الثقافية الخاصة بك. ما هو صحيح أو خاطئ في أمريكا لا ينطبق بالضرورة على الدول الأخرى --واذا استمريت بالنظر إلى الآخرين من خلال قيمك، ستفقد فرصة النظر إلى العالم عبر أعينهم. الأمريكيون، على سبيل المثال، يعلون من قيمة الفردانية، بينما أغلب الحضارات الآسيوية ترى الفردانية على أنها خيانة أنانية للواجب وللعائلة. الغربيون يفضلون المباشرة والموضوعية في الصفقات التجارية، بينما العديد من الشرقيين يرون ذلك على أنه برود ولا إنساني. الناس في بعض الثقافات سيحكمون عليك بناء على دينك (أو على عدم وجوده). آخرون سيتفاعلون بشكل غريب بناء على نفوذك (أو على عدم وجوده)، الشكل، أو الجنس. القراءة عن هذه الفوارق الثقافية شيء، ومعايشتها شيء آخر. في النهاية، الهوية الثقافية أمر غريزي، ليس فكريا --وهذا يعني أن التحدي الذي سيواجهك ليس كيف تتحكم بتصرفاتك بل كيف تتفاعل غريزيا مع التصرفات الغير مألوفة للآخرين.


ممارسة السفر المفعم بالحياة هو اكتشاف نقطة التداخل بين التاريخ والحياة اليومية، طريقة إيجاد الجوهر في كل مكان، كل يوم: في الأسواق، الكنائس الصغيرة، الحدائق البعيدة، المحلات الحِرَفيِّة. الفضول نحو ما هو خارق في ما هو طبيعي يدفع بلب نية المسافر إلى رؤية ما خلف حجاب السياحة. 
فيل كوزينو، فن الحج

يوميات: من مدريد إلى لشبونة

"اصعد ثلاثة سلالم متحركة ثم أتجه يسارا"، هذا ما قاله لي عامل في محطة القطار حين شككت في اتجاهي، ابتعت علب مياه من الدكان الأول، ثم تجولت في المحطة سريعا مستمتعًا بصوت جمال المجيم يغني راحت سُلَيمة، وحاملا حقيبة ممتلئة على ظهري، وأخرى صغيرة على صدري. وصلت مبكرا عند الساعة السابعة مساءً، والشمس تغرب بعد التاسعة، يوم طويل. 
ارتأيت أن أشرب قهوة وشرعت في قراءة قصة المكتبة الغريبة لموراكامي إلى أن أنهيتها، العوالم والشخصيات والأحداث الغرائبية في كتابات موراكامي يحلو للقارئ أن يعايشها على مدار أيام، ويظل في كنفها. قصص موراكامي القصيرة لا تجزي عن رواياته. في الأيام القليلة الماضية تحدثت عن موراكامي كثيرا! رواياته عادية، عادية جدا. وكثيرا ما تكون ذات رتم رتيب. أحيانا أشعر أنها لا تحكي شيئا، إلا أن كثيرا مما فيها يشبهنا. كنت قد قررت أن أنتهي من مؤلفاته المترجمة إلى العربية ثم أبدأ بالإنجليزية.

طافت بذهني ذكريات عن أصدقاء لا أدري أين رحلوا. أصدقاء الطفولة، لماذا يوجدون في حياتنا إذا كنا سنفارقهم ثم نظل معلقين ببعض، كذكرى يسووءنا فواتها؟ الآن وقد كبرنا، صارت لنا أحزاب سياسية نتعصب إليها، وموقف محدد تجاه الدين، وعادات كثيرة تراكمت حينا بعد حين، إذا ما التقينا هل سنكون كما كنا أم أننا لن نستطيع احتمال ما صرنا إليه؟ أي من الذكريات ما زالوا يحتفظون بها عني؟ هل يمكن أن تمضي بنا الأيام ولا نلتقي أبدًا.. ماذا لو لم أستطع إيجاد أشخاص مثلهم أشاركهم ذاتي؛ نضحك حتى ندمع، نتنافس في ارتكاب حماقات، نقضي ساعات في نسج مستقبلنا، نتصالح بعد أوانٍ قصير من تشاجرنا. البعض يعبر مرحلة الطفولة ولا يكاد ينتبه إلا بعد...

تداركني الوقت. تناولت وجبة سريعة  في المقهى وتوجهت إلى القطار الذي تحرك عند العاشرة مساءً. عربة النوم تضم أربعة أسرّة، اثنان متقابلان وفوقهما آخران. بدأت قراءة الفصل الأول من كليلة ودمنة على جهاز "الكندل"؛ فصل طويل تناول كيف تمكن واشٍ من تعكير صفو الود بين متحابين. الكتاب ترجمه للعربية ابن المقفع في القرن الثاني الهجري عن النسخة الفهلوية المترجمة عن الهندية. لا أعرف مدى قدم النسخة الهندية الأصلية، لكن بالتأكيد مضى عليها أكثر من خمسة عشر قرنا، وفي ذلك الزمان احتال مؤلفها باستخدام الحيوانات كشخصيات يمرر خلالها آراءه. وسمعت أن ابن المقفع كذلك احتال بترجمته لهذا الكتاب، بحيث أضاف خياله وزاد على النص الأصلي بعض آرائه، ليمررها وكأنها ضمن الترجمة. بالرغم من بعد الزمان إلا أن الواقع لم يتغير. الكتّاب ما زالوا يحتالون بالحيل نفسها إلى اليوم، كنت أقرأ الفصل وأشرد قليلا أو أتشاغل بحديث جاريّ في العربة حتى أنهيته عند الساعة ١٢.


كانت ليلة صيفية حارة. استلقيت بظهري وتذكرت نخلات منزلنا. في منزلنا ثلاث نخلات؛ الأولى كبيرة جدًا ولها جذع متين وثمارها، كجذورها، بعيدة، لا تلتفت إليّ مهما وقفت أمامها. الثانية متوسطة الحجم مشدودة بحبل يعدل ميلانها وثمارها ليست بعيدة. الثالثة رأيتها حينما أتوا بها، صغيرة جدًا وجذعها لا يكاد يُرى. عندما كنت صغيرا كنت أتجنب النخلة المائلة باللعب، أما الاقتراب من النخلة الكبيرة فلم يكن مريحًا، كنت أحب اللعب عند الصغرى.
سمعت صوتًا من خارج باب العربة، صوت قديم أعرفه، ينادي باسمي. تداعت إلي ذكرياتي وتقلبت فيَّ هواجسي والصوت ما زال يتردد:
"تعال، تعال لنلعب"
فُتِح الباب فإذا هي وراءه، مرتدية ثوبا أبيض متلئلئا، شعرها أسود طويل وعيناها مبتسمة، مدت ذراعيها إلي وقالت "تعال". تبعتها وخرجت من الباب إلى حيث كنا نلتقي، بين النخلات الثلاث، وصرنا نلهو كما كنا نفعل، لكن هذه المرة عند النخلة الكبيرة. طفنا حولها مرارًا وبدا لي أنها كانت راضية. يمكنني استشعار فرحتها كلما اقتربنا منها، وإذا ما عانقنا جذعها اقتربت غصونها لتربِّت على ظهورنا. لا أدري لمَ أكترث بمشاعر هذه النخلة، أو العصافير التي على أغصانها. البعض لا يكترث يرميك بكلمات ويدعها كل يوم تتوغل فيك كماء آسن يتفشى في جذع نخلة حتى تتعفن من الداخل وتهوي.

أحضرت علبتيّ عصير سانكيست وعيدان بطاطا، استندنا إلى جذع النخلة وتشاركناهما. جلست أتأمل التصاق شعرها على حواف وجهها من العرق واحمرار خديها من الشمس والتعب، بدت جميلة كحلم، وكنا في غياب تام عن الوقت. 
ونحن إلى جوار النخلة استلقيت بجانبي، أسندت أذني اليمني على كفي الأيمن، ضممت ركبتيّ ووضعت كفي الأيسر بين فخذيّ. وأغمضت عينيّ.

وصلت لشبونة في الثامنة صباحًا. لازلت استمع إلى الأغنية نفسها، وكان جمال المجيم يغني "شخص يذكرني فاههُ وغرته شمس النهار وأنفاس الرياحين"، وتجولت أقصد محل سكني. 

قبل أيام قليلة كنت بعيدًا عن لشبونة واليوم أنا بعيد عن بلادي، لكن في الحقيقة لا عبرة في المحال ولا بالمسافات، فالمدن تزداد بُعدًا كلما قل فيها من يشبهنا.

النظام الغذائي النباتي - لماذا؟


الآن يمكنني النظر إليك بسلام; أنا لم أعد أتناولك.
فرانز كافكا



ترجع نشأة النظام الغذائي النباتي إلى القرن السادس قبل الميلاد في حضارة وادي السند وفي اليونان كتطبيق لعقيدة اللاعنف تجاه الكائنات الحية. ودعا فيثاغورس إلى عدم قتل الكائنات الحية أو تناول لحومها, وكذلك كتب أبو العلاء المعري قصيدة غدوت مريض العقل التي نادى فيها إلى الرفق بالحيوان وعدم أكل لحومها وعد ذلك من الظلم.

هناك أنواع مختلفة من الأنظمة الغذائية النباتية:
  • النظام النباتي Vegetarian الذي يمنع اللحوم والأسماك ولكن يحتوي على البيض ومنتجات الألبان وهذا ما نجده في أغلب المطاعم النباتية الهندية.
  • النباتي الصرف Vegan بالإضافة إلى اللحوم والأسماك يمتنع كذلك عن منتجات الألبان والبيض والعسل، وغالبا ما يُتَّبَع هذا النظام لأسباب أخلاقية، فيمتنع أتباعه كذلك عن ارتداء الملابس والأحذية المصنعة من منتجات حيوانية.
  • النظام النباتي الكامل Whole Food Plant Based Diet وهو شبيه بالنباتي الصرف، فلا يحتوي على أي أطعمة مشتقة من الحيوانات إلا أنه كذلك يمنع الأطعمة المعالجة أو المصنعة كالسكر والزيوت والأرز والقمح الأبيض.


في كتاب ٥٠ فكرة يجب أن تعرفها عن الفلسفة، يستعرض المؤلف بشكل سريع بعض الأفكار والحجج التي يستخدمها النباتيون ومخالفيهم:

من المؤكد أن أغلب الناس لن تفكر أن تحجز بعض الناس في ظروف معيشية قذرة ثم بعد ذلك تأكلها, أو أن تختبر تأثير الكيمياويات غير المعروفة خصائصها على الأطفال, أو أن تقوم بتعديلات جينية على البشر من أجل دراسة بيولوجيتها. فهل هناك أي سند يعطينا الحق بمعاملة الحيوانات بهذا الشكل؟
لابد أن يكون هناك (وكما يحتج مناصرو حقوق الحيوان) تبريرات أخلاقية مرتبطة بالقضية تبرر رفض منح مصالح الحيوانات اعتبارات متساوية مع الاعتبارات التي تُمنح لمصالح الإنسان. وإلا ستصبح المسألة مسألة تحيز أو تعصب أعمى - تمييز نوعي قائم على النوع, وهو أساسًا سلوك يفتقد الاحترام لكرامة واحتياجات غير الآدميات, ويحتاج إلى دفاع لا يقل عن الدفاع الذي يحتاج إليه التمييز على أساس الجنس أو العرق.
أهو سلوك خاطئ فعلاً تمييز نوعنا نحن كبشر؟ فالأسود على سبيل المثال تُظهر اعتبارًا لغيرها من الأسود أكثر مما تبديه للخنازير, فما الذي يمنع أن يُظهر البشر تحيزًا مماثلا؟ هناك العديد من الأسباب المقترحة حول موانع ذلك:

  • يملك البشر مستوى أعلى من الذكاء مقارنة بالحيوانات (أو على الأقل لديهم الإمكانيات لذلك).
  • الضراوة صفة طبيعية (فالحيوانات بطبيعتها تأكل الحيوانات الأخرى).
  • الحيوانات يتم تربيتها على وجه الخصوص لكي تؤكل أو تستخدم في التجارب (وإلا لما وُجدت أصلا في الحياة).
  • نحن نحتاج أن نتناول اللحوم (رغم أن هناك ملايين من الأصحاء كما يبدو لا يأكلون اللحوم).
  • الحيوانات ليس لها ضمير (لكن هل نحن متأكدون أننا كبشر لدينا ضمير؟).
من السهل الرد على هذه التبريرات, ومن الصعب عموما وضع معايير تضم كل البشر وتستثني الحيوانات كلها. فعلى سبيل المثال, لو قررنا أن المهم هو التفوق الفكري, فهل سنستخدم هذا المعيار لنبرر به استغلال الأطفال أو المعاقين ذهنيًا الذين مستوى الذكاء عندهم أقل من الشمبانزي, في التجارب العلمية؟ أو لو قررنا "أن هذه طبيعة الطبيعة". ثم ما نلبث أن نكتشف أن هناك أشياء عديدة قد لا نود تشجيعها, فذكر الأسد أحيانًا مثلا يتصرف وفق طبيعته ويقتل أطفال عدو له, لكنه سلوك مرفوض عمومًا عند البشر.

باسم يوسف



الكثير من المشاهير يعلنون بين فترة وأخرى اتباعهم لنظام غذائي نباتي. الإعلامي الشهير باسم يوسف كان أحد هؤلاء, في هذا الفيديو يشرح النظام الغذائي النباتي الذي يتبعه وأسباب اختياره له:


على سبيل الهايكو ٢

وجه بديع الصفاء,
يمكنك أن ترى عليه مرور الغيوم,
وتقبّل السماء.

سكون الليل,
هواجس يوم طويل,
تعتمل.

ذكرياتنا تخط مسارا
بالغ الوضوح, يأخذ بيديّ
إليك.

سماء صافية,
نخلة باسقة, وحمامة
محتارة بين الغصون.

الغيوم كانت تنتظر
أن يمتلئ حبل الغسيل
لتمطر.

لقاء بعد افتراق,
مشاعر غير مألوفة,
انعتاق.

هذا الفراغ الضبابي
الداكن، استلب قدرتك على
كتابة هايكو واضحة.

إنها دائما الآن: سام هاريس يتحدث عن الموت وأهمية اللحظة الراهنة



العاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة وأنها قصيرة جدا, فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم والاسترسال مع الأكدار فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة, فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبا للهموم والأكدار.
عبدالرحمن السعدي

سام هاريس


الفيلسوف وعالم الأعصاب الأمريكي سام هاريس (ولد 1967) له العديد من المؤلفات والمحاضرات التي أثارت جدلا بسبب أفكاره حول الدين والعلم والأخلاق وتناوله إياهم بإسلوب ينحو كثيرا إلى العقلانية, ودعوته إلى اعتماد الفن والعلم والفلسفة كمصادر رئيسة للقيم والأخلاق بديلا عن الدين.
تحدث في محاضرة طويلة عن الموت وأهمية العيش في اللحظة الراهنة وما يخالج الإنسان عند تيقنه بقرب موته من ندم على إسراف أوقاته في أمور لم تكن تستحق. هنا أترجم جزء من المحاضرة التي أرى أن كل شخص يمكنه أن يستفيد منها في حياته:

إنها دائما الآن.
في الحقيقة، أردت التحدث اليوم عن الموت. في حين أن معظمنا يسعى جاهدًا لتجنب التفكير في الموت، إلا أن هناك جزءً من عقولنا يدرك دائما أن هذا لا يمكن أن يستمر إلى الأبد. جزء منا يدرك دائما بأننا على بعد زيارة إلى الطبيب أو اتصال هاتفي لنتذكر بشكل  صارخ حقيقة فنائنا نحن أو المقربون منا.
أنا متأكد أن الكثير منكم الآن في هذه القاعة خَبَر ذلك بطريقة ما. لا بد أنكم تعرفون مدى فظاعة رميكم خارج مسار الحياة الطبيعية بلا سابق إنذار، ليصبح شغلكم الشاغل أن تظلوا على قيد الحياة، أو تعتنوا بشخص كذلك.
لكن الشيء الوحيد الذي يميل الناس لإدراكه في لحظات كهذه هو أنهم أسرفوا كثيرا من أوقاتهم حينما كانت الحياة طبيعية. وهو ليس فقط ما فعلوه بأوقاتهم، ليس لأنهم أنفقوا الكثير من الوقت في العمل أو بأنهم يتفقدون بريدهم الإلكتروني بهوس، ولكن لأنهم اكترثوا للأشياء التي لا تستحق، فهم نادمون على ما استحوذ على انتباههم عاما بعد عام حينما كانت الحياة طبيعية.
وهذا بالطبع تناقض فكلنا يعلم أن هذه اللحظة آتية، أعني، ألم تكن تدري أنها آتية؟ ألم تكن تدري بأن سيأتي يوم ما حيث ستمرض أو سيتوفى أحد أقربائك وستنظر ورائك لتلك الأمور التي استحوذت على اهتمامك وستفكر، "ماذا، مالذي كنت أفعله؟" أنت تعرف هذا، لكن إذا كنت مثل معظم الناس، فستقضي أغلب أوقاتك في الحياة تتوقع ضمنيا أنك ستحيا للأبد; كأن تشاهد فيلما سيئًا للمرة الرابعة أو تخاصم زوجتك. ما أعنيه، هذه التصرفات تكون منطقية في حال وجود أبدية، فمن الأولى أن تكون ثمة حياة أخرى إذا كنا سنسرف أوقاتنا بهذه الطريقة.

هناك وسائل عملية للعيش في اللحظة الراهنة.  ما البديل؟
إنها دائما الآن.
برغم شعورك أنك تحتاج إلى التخطيط للمستقبل لتتنبأ به أو لتقلل المخاطر، حقيقة حياتك هي الآن. قد يبدو ذلك ساذجا، لكنها الحقيقة. هي ليست حقيقة فيزيائية، في الواقع لا يوجد لحظة راهنة (الآن) تشمل كل الكون. لا تستطيع ذكر حدث يقع بالتزامن هنا وآخر في نفس اللحظة يقع في مجرة أندروميدا.
في الواقع، (الآن) ليس معرّفة بدقة في علم الأعصاب لأننا نعرف أن المدخلات تأتي إلى الدماغ في لحظات مختلفة، وأن الوعي مبني على طبقات متعددة من المدخلات الغير متزامنة هي التي تُنتج الوعي في اللحظة الراهنة. فبعض المشاعر غدت ذكرى لكن من خلال تجربة الوعي حقيقة حياتك هي دائما الآن.
وأرى أن هذه الحقيقة محررة حول طبيعة العقل البشري. في الواقع، أرى أنه لا يوجد شيء أولى بالفهم حول عقلك سوى ذلك إذا أردت أن تكون سعيدًا. الماضي ذكرى، هو خاطرة تطفو في الحاضر. المستقبل مجرد توقع، هو خاطرة أخرى تطفو الآن. ما نملكه بحق هو هذه اللحظة.
وهذه.
وهذه.
ونقضي معظم حياتنا في تناسي هذه الحقيقة، في رفضها، الهروب منها، تجاهلها. والمرعب أننا ننجح.
قررنا أن لا نتصل مع اللحظة الراهنة وإيجاد كفايتنا فيها، لأننا نأمل باستمرار بأن نكون أسعد في المستقبل، والمستقبل لا يأتي أبدا، حتى حين نظن بأننا في اللحظة الراهنة، نكون بطرق رقيقة ننظر من عليها لنتوقع مالذي سيحدث بعد. في الإمكان أن تلقي مشاكلك ببساطة إذا ولو للحظة، وتستمع بحقيقة حياتك الراهنة مهما كانت. هذا لا يستلزم معلومات جديدة أو معلومات أكثر. بل يلزم تغييرا في السلوك، يلزم تغييرا في الانتباه الذي توليه تجاه تجربتك للحظة الراهنة.



هل تقضي التكنولوجيا على الموت؟


لا أحد يريد أن يموت. حتى من يسعون للجنة لا يريدون أن يموتوا ليذهبوا إليها. مع ذلك الموت هو مصيرنا المشترك. لم ينجو منه أحد. لأن الموت هو اختراع الحياة الأوحد والأفضل. هو عامل التغيير في الحياة. يستبدل القديم بالجديد. الآن أنتم الجدد, لكن يوما ما ليس بعيدا عن اليوم, ستصبحون تدريجيا قدامى, وسَتُنَحّونَ جانبا. أعتذر عن كوني قاسيا, لكنها الحقيقة.
ستيف جوبز





القضاء على الموت! ما أكبر هذه العبارة وما أسذجها.. لكن أليس هذا هو ما يسعى إليه الإنسان منذ بدء الحضارات؟ أليس الخلاص من الموت هو ما يبرر الجزء الأكبر من أفعالنا؟ ألسنا نرفض الموت بالفطرة (بيولوجيًا)، أو كما نطلق عليها غريزة البقاء؟

منذ الأزل والإنسان يسعى ليفر من الموت إلى الخلود. فأقدم النصوص الأدبية التي وصلتنا من الألفية الثالثة قبل الميلاد تحكي قصة ملك أوروك (جلجامش) الذي استطاع أن يحصل على عشبة الخلود بعد سعي جهيد ولكنه فقدها في طريق عودته ليقتنع وهو يقف أمام السور العظيم لمدينته أن ما سيخلده هو عمله فقط. كذلك موحد الصين تشين شي هوانج  (259ق.م.-210ق.م.) عندما كبرت سنه صار يرسل قوافل إلى الشرق للبحث عن جبل بنغلاي الغامض حيث يوجد فيه ينبوع الشباب, إلا أنها كانت ترجع إما خائبة, أو لا ترجع أبدا.

فعلى مدار الزمن اختلفت تصورات الإنسان ومساعيه نحو الخلود. فمن عشبة أو نبع يتحصل منهما على ما يحفظ به عنفوان شبابه. إلى تفويض هذه المهمة للآلهة, التي من خلال نوال رضاها تبادله بالخلود. إلى الوقت الراهن الذي تراكمت فيه الكثير من معارف القرون السالفة مما فتح خيارات أوسع مما سبق.

التفرد التكنولوجي

يقول الناس أحيانا أن الموت يضفي على الحياة معنى، لأنه يجعل وقتنا محدود. لكن في الحقيقة، الموت لص كبير للمعنى وللعلاقات وللمعرفة.
راي كيرزويل

راي كيرزويل

منذ أُخترع المحرك البخاري في نهاية القرن الثامن عشر والتطور التكنولوجي يتسارع بوتيرة مستمرة. وكلما وصلت تكنولوجيا ما إلى مداها استشعر العلماء الحاجة الملحة لتطوير تكنولوجيا أحدث لئلا تتوقف مسيرة هذا التقدم. ومن خلال تتبع نمط هذا التقدم يمكننا أن نلاحظ أن بعض التكنولوجيات (مثل القدرة على معالجة البيانات) تتقدم بوتيرة أُسية. هذه هي الفكرة المحورية التي يرتكز عليها راي كيرزويل في تنبؤه بالوصول إلى التفرد التكنولوجي منتصف هذا القرن (بالتحديد 2045) حيث ستتفوق الكمبيوترات على البشر وستتمكن من تطوير نفسها بنفسها ولن يسعنا حينها اللحاق بها. قبل ذلك الحين سنتمكن من فك شفرة الدماغ البشري ثم نقل ما تحويه أدمغتنا إلى الكمبيوتر حيث سيظل وعينا حيًا وسيكون بوسعنا أن ننقله لأي جسد نريد، وسينتقل البشر حينها من أجسادهم البيولوجية بطيئة التطور إلى أجساد ربوتية واعدة بفضل تكنولوجيات حديثة كتكنولوجيا النانو. هذا باختصار هو مسار الخلود الذي يعد به كيرزويل وغيره من مبشري التفرد التكنولوجي.

يصف كيرزويل نفسه بأنه مخترع وكاتب ومتخصص بالمستقبليات. ولد في نيويورك عام 1948 وله شغف كبير في معرفة المستقبل لذا اهتم بالاختراعات حتى وّصِف بأنه وريث توماس أديسون. وهو يعمل الآن في شركة قوقل لتطوير كمبيوترات تتمكن من فهم ومعالجة اللغة البشرية.

يُعد كيرزويل من أبرز المنظرين لفكرة التفرد التكنولوجي التي تفترض لحظة ما في المستقبل ستتطور فيها الحواسيب إلى أن تبلغ مرحلة من الذكاء بحيث تصير قادرة على تطوير نفسها بنفسها. وحينئذ ستكون قد تفوقعت بذكائها على الذكاء البشري مما قد ينتج عنه عواقب لا يمكن لأحد التنبؤ بها لأن شيئا مثل هذا لم يحدث من قبل.
فحسب توقعات كيرزويل, في 2020 سيكون لدينا كمبيوترات قدراتها المعالجية توازي الدماغ البشري، إلا أننا لن نكون قد انتهينا من فك شفرة عمل أدمغتنا حتى عام 2029 (وحينها ستكون الكمبيوترات قادرة على اجتياز اختبار تورينغ بنجاح). أما في عام 2045 فستتفوق قدرات الكمبيوترات في الذكاء مليار مرة قدرات البشر وتلك اللحظة تُسمى لحظة التفرد التكنولوجي.

في هذا الفيديو يتحدث كيرزويل عن كيفية الوصول إلى الخلود من خلال الإندماج بين البشر والكمبيوترات:


قصة قصيرة: بركاتك يا انترنت

آلام الأسنان تجلب هلاوس الأحلام. تُذهلنا عمّا حولنا، تُثقل نهارنا تأوهًا وتُحلِك بالأنين ليالينا. تسلبنا طيب الرقاد. تَعرج بنا في سماء الأوجاع وتُردينا. صِنفٌ من العذابات الجحيمية، لا تنفَكُ حتى تَبْتَلّ مآقينا.

لفترة، لازمني ألمٌ حاد استقر في أحد أسناني، يغيب ويرجع. ابحث في الانترنت عن أشخاص يواجهون آلامًا مشابهة. اقرأ قليلا عن علاجات شتى، حتى أغطّ في النوم. بَسْ! مللت التأجيل. ينبغي أخذ موعد عند عيادة الأسنان. بالقرب من مقر عملي عيادة تبدو جيدة. غدًا أذهب.

أو، لأتمهل قليلًا، لأجرب حلا آخر يعالج الضرس طبيعيا من تلك العلاجات التي قرأت عنها. ماذا سأخسر. صبرت عليه طويلا، لأصبر أكثر، فربما.
لماذا لا أُنبت الضرس مرةً أخرى، أو الأجزاء التي نخرها السوس. مثلما تنمو خلايا الجسم والعظام. محاولة، لعل وعسى.

يلزمني القليل من ثاني أكسيد الكلور لأمحو البكتيريا الموغلة. بعد ذلك أبدأ عملية الإنبات بقطرات من فيتامين "ك" في الفم. محلول المغنيسيوم لتغميس باطن القدمين. فيتامين "د" وزيت السمك. والكثير الكثير من الزبدة، صباحًا ومساءً.

أرصد الضرس كل يوم. لا تَغيُّر. الأمور تسير بشكل طبيعي في الأسابيع الأولى، سِوَى أوجاع متفرقة في المفاصل. أخي دخل غرفتي مسرعا قبل يومين عند سماعه استغاثاتي، لكنه انتبه أني كنت أشّخر. بركاتك يا زبدة!
قررت أزيد الجرعة. لعل وعسى.

البلغم في تكاثر. نومي الثقيل صار أثقل. بِتُّ أشرب قهوتي بالزبدة. أشهى وأطعم. اضطررت إلى شراء ملابس جديدة. أما الضرس فلا تَغيُّر.
هل الجرعة غير كافية؟ طيب، سأزيدها.

تثاقلت حركتي. مزاجي متعكر على الدوام. زادت ساعات نومي وازددتُ تعففا. أغلب طعامي امتزج بالزبدة.
إلا أن تضاريس جسمي بالدهن نبتت، عساها تذهب جُفَاءً، عساها. أما إنبات الضرس، فقد تلاشَ الأمل. وكلما نظرتُ إلى المرآة شاهدت إنسانًا لزجًا بأعضاءٍ مُمَدَّدَة، محشوًا بالزبدة. بركاتك يا انترنت!

١٦ ديسمبر ٢٠١٤ 

أربعة فروقات بين الدماغ العبقري والدماغ العادي




أربعة فروقات بين الدماغ العبقري والدماغ العادي
ترجمة: علي الصباح


كان ألبرت آينشتاين عبقريا.  كذلك كان ليوناردو دافنشي, بوبي فيشر, نيكولا تيسلا, ماري كاري, لودفيغ فان بيتهوفن, ومدام دي ستايل. هذا غير قابل للجدل. يمكنك كذلك أن تسميّ عشرات آخرين. ثم تفكّر في هذا السؤال: لمذا يُعد هؤلاء الأفراد عباقرة؟ على أي مقياس أجرينا هذا الحكم؟ لا شك أن كل واحد منهم أسهم بشيء لمجتمعنا, سواء كان فنيا أو علميا أو ثقافيا. لكن ما الذي يصنع العبقري؟ هل أدمغة هؤلاء الأفراد تختلف جذريا عن عن أدمغة غير العباقرة, أو الناس العاديين؟

الروابط: الطويلة والقصيرة
في الدماغ العادي, هناك إنقسام متساوٍ نسبيا بين الروابط والطويلة والقصيرة داخل قشرتنا الدماغية. الروابط القصيرة متعلقة باستعدادنا لمزاولة شيء من اهتمامنا, بينما الروابط الطويلة تختص باستعدادنا لمزاولة الأشياء الخارجة عن اهتمامنا. في دماغ العبقري, غالبا ما تترجح كفة أحد هذه الروابط على الأخرى. على سبيل المثال, ربما كان لبيتهوفن عدد كبير من الروابط القصيرة القشرية, تتعلق بقدراته الموسيقية. شخص مثل بليز باسكال حتما سيكون لديه عدد أكبر من الروابط الطويلة في قشرته الدماغية بما أنه كثيف الإنجاز بكل شيء من الرياضيات إلى النثر إلى الفلسفة اللاهوتية.

المهاد: مصفاتنا
مستقبلات الدوبامين في مهاد أدمغتنا تحدد, بشكل أساسي, مالذي يمر. أدمغتنا تعالج الخواطر أسرع من إمكانيتنا على تنظيمها. المهاد ومستقبلات الدوبامين هما في الواقع مكان عنق الزجاجة لهذه الخواطر. بعضها قيّمة لذا يسمح لها بالمرور, بينما الأخرى تُكبَت وغالبا لا تصل إلى التفكير الواعي. في دماغ العبقري, هناك عدد أقل من مستقبلات الدوبامين. لذلك, عنق الزجاجة يكون أوسع, مما يتيح لِكَم أكبر من الخواطر بالمرور. تأمل القدرة على الإبداع وحل المشاكل التي سيمتلكها شخص إذا سُمح لخواطر وحلول وأكثر بالمرور.

أهمية المادة الرمادية
المقصود بالمادة الرمادية ذلك النسيج الداكن من الدماغ والحبل الشوكي. تتكون من تشعبات تتفرع خارجا  لتنتظر, حرفيا, استقبال المعلومات من المحاور العصبية. عند دراسة أدمغة الذين حققوا نتائج عالية في اختبار الذكاء IQ - عددهم أكثر من 130 - لوحظ وجود مساحة أكبر من البقعة الرمادية. بالإضافة إلى ذلك, البقعة البيضاء من الدماغ, حيث تكون المحاور العصبية, كانت كذلك أكثر وفرة. الكميات الكبيرة من الخلايا العصبية في المادة الرمادية والبيضاء تعني أن التواصل يحدث بصورة أسرع وأكثر فعالية. نُشرت مؤخرا صور لدماغ ألبرت آينشتاين ولم تحتوي فقط على مادرة رمادية أثخن وأكبر, وإنما حوت كذلك على طيات معقدة أكثر طوال المادة الرمادية, مما يوحي بأنها من العلامات التي تنبئ بدماغ عبقري.

المنهح
بينما هناك بالتأكيد خصائص فيزيائية أو ملموسة في أدمغة العباقرة تميزهم عن غير العباقرة, هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه حول منهج العبقري في التفكير بشكل عام. تأمل كيفية تفكيرك لحل مشكلة محددة. لعلك تبدأ بطوفان من الأفكار. ثم, غالبا, تشرع بركن هذه الأفكار. أحدها لن تنجح لأنك لا تملك ما يكفي من المال. أخرى لن تنجح لأنك جربتها سابقا وفشلت. بينما واحدة أخرى لا يمكن أن تنجح لأن لا أحد يطبقها. وهكذا, ببطئ وثبات, تعيق كل أفكارك وتستخلص واحدة أو اثنتان يمكنهما النجاح. دماغ العبقري يعمل بشكل مختلف. الأفكار لا تُركن بناء على مدى فاعليتها أو تطبيقها العملي. كل شيء يؤخذ بعين الإعتبار. الخواطر لا تُستبعد مباشرة. العبقري غالبا ما يسلك مفارق متعددة حتى يصل إلى النتيجة المبتغاة, فضلا عن الحكم ببساطة عن مالذي سينجح ومالذي لن ينجح.

كلمة "عبقري" أُستخدمت لوقت طويل كوسيلة لتصنيف شخص ما بأنه بشكل مبتكر أو ماهر بشكل ملفت, إلا أن علماء الأعصاب بعيدون جدا عن اكتشاف ما الذي يفصل أدمغتهم عن غير العباقرة. ما يبدو واضحا بشكل واسع في هذا المسعى في تحديد ما يصنع العبقري أن ليس هناك عامل أوحد. الاختلافات في بنية الدماغ الفيزيائية ومعالجات الخواطر المصاحبة هي مجرد جزء من لغز غامض.