سياحة في التراث: طرفة بن العبد

 

By Saatchi Art

 

 

أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض،

انتظرني في بلادِكَ، ريثما أُنهي
حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي
قرب خيمتكَ، انتظِرْني ريثما أُنهي
قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد.
محمود درويش



أريد أن أتجول في تراثنا العربي القديم للنظر والتأمل في ما يحتويه من أفكار وقصص وتجارب. الشخصية التي اخترت أن أتحدث عنها هي طَرفة بن العبد. شاعر عربي قديم. عاش في زمنٍ أحب أن أسميه زمن المعلقات. أي القرن السادس الميلادي الذي عاش فيه بقية شعراء المعلقات. تلك القصائد التي انتقاها حماد الراوية في زمن الدولة الأموية، وتُعَد أعلى ما بلغته قصائد الشعراء لغةً وجمالَا.

ولد شاعرنا في هَجَر (الإحساء)، وقيل في جزيرة أوال (مملكة البحرين) في إقليم البحرين الذي يمتد من عمان جنوبا إلى البصرة شمالا. وكان هذا الإقليم تابعا لمملكة الحيرة في العراق. وتعد الحيرة مركزا أدبيا ومقصدا لكثير من العرب أوانذاك لتعلم الكتابة. سادت في إقليم البحرين المسيحية على المذهب النسطوري منذ القرن الخامس الميلادي. إلا أننا سنلحظ حين نقرأ معلقة طَرفة أن له فلسفته الخاصة في الحياة والموت بعيدة عن الأفكار الدينية السائدة حوله.

يذكر سلام الكندي في كتابه الراحل على غير هدى ثلاث ثيمات نجدها في المعلقات، وهي بالترتيب: الأولى، ذكر الشاعر للمضارب التي ترك عندها حبيبته. الثانية، الرحلة ووصف لحيوانات مرتبطة به أو برحلته. الثالثة، التغني بأمجاد قبيلته. واعتاد الشعراء العرب القدامى على استحضار الغياب والموت حين يتأملون الأطلال: "وتفتت الزمن يعود في شكل شعور بانعدام الحماية الذي يؤكده احتمال الموت المتربص على الدوام".

من كل شعراء المعلقات السبع، يعد طَرفة الأصغر بينهم، حيث توفي بعمر ٢٦. مات أبوه وهو صغير واستولى أعمامه على ورثه وورث أمه وردة بنت عبدالمسيح. القبيلة أوانذاك هي الملجأ والظهر والوطن. وهذا الغدر من أقرب الناس إليه أثقل من أن يُحتمل. سنراه في قصيدته يُكثر التشكي من أقاربه حتى غدت بعض أبياته مثلا يُضرب حتى اليوم.

ثلث المعلقة يتعلق بوصف تفصيلي للناقة. ليس لهذا الوصف مثيل في أي قصيدة أخرى. وفيه تتحول لغة القصيدة إلى لغة صعبة مليئة بالمفردات الدقيقة ما دفع بعض النقاد إلى عدّ هذا الجزء من القصيدة منحولا. لكن الشاعر البحريني قاسم حداد له رأي آخر. يقول في كتابه طرفة بن الوردة: "قبل طرفة لم يصف شاعرٌ ناقةً مثله، ولم يفعل ذلك شاعرٌ بعده… فإذا بي أصادف ما منحني شُرفةً تتيح لي الإطلال على ما كانت القبائل تذهب إليه في باب (العبادات قبل الإسلام) حيث تبين أن قبيلة طرفة، بكر بن وائل، قد اتخذت الإبل آلهة لها، فإذا صح هذا الخبر، كما نتخيل، نستطيع أن نرى تأثير هذا السلوك الديني على طفل ينشأ وهو يرى الناقة مقدسة بالشكل الذي تصبح فيه حاضرة في حياته من كل جانب، مما ربى لدى الشاعر منذ طفولته حساسية خاصة تجاه الحيوان الذي سيشكل لديه في ما بعد مكونًا حيويا ويرتقي إلى مرتبة بالغة الخصوصية".

كذلك يُكثر طَرفة من ذكر الخمر والموت في معلقته. الخمر مرتبط بفلسفته في الحياة والتي تتلخص في أننا كلنا مآلنا إلى الموت حيث تتساوى وتتشابه قبورنا فلماذا لا نتلذذ الآن بالخمر والنساء وننفق عليها أموالنا؟ لكنه مع ذلك يبحث عن متعة موزونة. فانغماسه في الملذات يصاحبه نصرة لمن يطلب المساعدة وهو معروف بين قومه بأنه أهل للمهمات الصعبة. أما حديثه المتكرر عن الموت فهو حديث من يشعر، أو يعلم، أنه على وشك أن يموت أو يُقتل.

أخوه وابن عمه (معبد ومالك) استأمناه على قطيع من الإبل ليرعاها. إلا أنها ضاعت في الصحراء أو سُرقت وصار لزاما عليه تعويضها. وبسبب هذا الموقف تعرض لكثير من الأذى من أقاربه، فسنجده قبيل نهاية المعلقة يشتكي أقاربه في عدة أبيات ويذكّر ابن عمه مالك أن كل ما يفعله من أذى في حقه لا يستحق طالما أننا سنموت في أي وقت.

يُقال أن طَرفة قتله شعره ولمّا يتعدى السادسة والعشرون بسبب هجائه عمرو بن هند في أبيات عندما وصلت مسامع ملك الحيرة قرر أن ينتقم من قائلها. لكن الرواة ينسجون حكايات تُظهر طَرفة شخصا موغل في الحمق. في كتابه عنادل حجرية يعدد عدي الحربش المظالم التي وقعت على طَرفة واستمرت حتى بعد وفاته حين اختلق الرواة قصة لموته لا تستقيم يظهرونه فيها بموقف متناقض: "كان طرفة يكره الظلم. لم يدرِ أن حياته ستكون سلسلة من المظالم. فمن أعمامٍ يأكلون حقه، إلى ملكٍ يسعى في هلاكه، إلى قبيلةٍ تتخلى عنه، أما أشنع المظالم كافة فتصوير الرواة إياه أعرابيًا ساذجًا يسير إلى حتفه برجليه طمعًا في الحِباء. لقد آن أن تُمزَّق هذه الرواية وتُرمى في النهر مع الصحيفة".

أول ما شرعت في قراءة المعلقة راودني شعور بالبعد؛ زمن موغل في القدم، ومفردات كثيرة تدفعني للتوقف عن القراءة بعد كل بيت لأكشف عن معانيها كما لو أنني أقرأ نصا من لغة أجنبية. هذا النوع من الأدب يتطلب أن تبذل جهدًا. لكني بعدما استمعت إلى شرح للمعلقة وجدتني أطرب لها وأستمتع بمعانيها، أو دعني أقول صرت أتذوقها.

المعلقة تتعدى ١٠٠ بيت بقليل لذلك سأكتفي بالمرور على بعض أبياتها. إذا أردت شرحا كاملا فيمكنك الاستماع إلى شرح علي السند في اليوتيوب. وإذا أردت نسخة صوتية من المعلقة فاستمع إلى إلقاء أسامة النهاري لها.

 
"أهم ما يلفت النظر في معلقته، نظره إلى الحياة ويأسه منها، ومعرفته أنه فانٍ، فلماذا لا يتلذذ في حياته ويقابل منيَّته بكل ما يملك. ثم يعلن رغبته في الحياة لثلاثة أسباب هي لذّاته الثلاث: الحب والشرب والحرب".
مارون عبود، أدب العرب



في بداية القصيدة يستحضر ذكرى حبيبته خولة المالكية في مكان يسمى ثهمد حيث تتجلى له ذكراها كوشم قديم بقي منه رسم باهت يدل عليه. يواسيه أصحابه وهو يتذكر رحيلها صباحا في قافلة أشبه ما تكون بسفينة تقطع واديا اسمه دَدِ. تسير مسرعة مثل سفن الملاح ابن يامن، فهي من سرعتها تتمايل في مسيرها تارة وتستقيم تارة أخرى وتشق رمال الصحراء كما يشق مقدم السفينة (الحيزوم) الموج:


لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ        تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ
وُقُـوْفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيَّهُـمْ    يَقُـوْلُوْنَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلَّـدِ
كَـأنَّ حُـدُوجَ المَالِكِيَّةِ غُـدْوَةً        خَلاَيَا سَفِيْنٍ بِالنَّوَاصِـفِ مِنْ دَدِ


عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِيْنِ ابْنَ يَامِـنٍ    يَجُوْرُ بِهَا المَلاَّحُ طَوْراً ويَهْتَـدِي
يَشُـقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيْزُومُهَا بِهَـا    كَمَـا قَسَمَ التُّرْبَ المُفَايِلَ بِاليَـدِ


يستحضر عظم خسارته في رحيل محبوبته فيعدد محاسنها. هي سمراء مثل الظبي الصغير (شادن) وتتزين بعقدين من لؤلؤ وزبرجد. ويشبّه رحيلها عنه بالغزال (الخذول) التي تترك صغارها وتذهب لترعى في أرض منبتة، وحين تتناول الثمار تغطيها أغصان وأوراق الشجرة كما لو أنها ثوبا ترتديه. ولها لثة سمراء (ألمى) وحين تبتسم تظهر أسنانها البيضاء مثل نبتة الأقحوان (منورا) التي تكون بارزة في الأرض الرملية الندية:

​​
وفِي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ    مُظَـاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَـدِ


خَـذُولٌ تُرَاعِـي رَبْرَباً بِخَمِيْلَـةٍ        تَنَـاوَلُ أطْرَافَ البَرِيْرِ وتَرْتَـدِي
وتَبْسِـمُ عَنْ أَلْمَى كَأَنَّ مُنَـوَّراً        تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٍ لَهُ نَـدِ
سَقَتْـهُ إيَاةُ الشَّمْـسِ إلاّ لِثَاتِـهِ        أُسِـفَّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بِإثْمِـدِ
ووَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ ألْقتْ رِدَاءهَا    عَلَيْـهِ نَقِيِّ اللَّـوْنِ لَمْ يَتَخَـدَّدِ



يصرف همه بالسير على ناقته والرحيل عن الأرض التي خلت من الحبيبة. ويصف ناقته بأنها مفرطة النشاط (عوجاء) وسريعة المشي (مرقال). وأنه يأمنها في أسفاره فظهرها ثابت كألواح التابوت الخشبي (الإران). ولها قوة الجمل. وتنافس بقوتها الإبل الكريمة المسرعة بالسير (العتاق الناجيات):


وَإِنِّي لأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ      بِعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وتَغْتَدِي
أَمُونٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَسَأْتُهَا        عَلَى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
جَمَالِيَّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدِي كَأَنَّهَا        سَفَنَّجَةٌ تَبْرِي لأزْعَرَ أَرْبَدِ
تُبَارِي عِتَاقَاً نَاجِيَاتٍ وأَتْبَعَتْ        وَظِيْفَاً وَظِيْفَاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعْبَّدِ



ويكمل في وصفها زهاء ٢٨ بيتا وبعدما ينتهي من ناقته يلتفت إلى نفسه ويفتخر بنفسه، فقومه إذا بحثوا عن فتى يقوم بالمهمات يبادر هو لأنه يظن أنهم يقصدونه. فهو رجل المهمات الصعبة. وستجده إذا بحثت عنه في مجالس القوم حيث تناقش أمور القبيلة المهمة وستجده أيضا إذا بحثت عنه في الحانات حيث اللهو والعبث. يشير هنا إلى الموازنة في حياته بين اللهو والجد، وهذه الإشارة تتكرر في القصيدة. ويفتخر مرة ثانية بنفسه ونسبه فحين يجتمع جميع أهل الحي فإنك تلقاه في قمة البيت رفيع الشأن الذي يقصده الجميع:


إِذَا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أنَّنِـي    عُنِيْـتُ فَلَمْ أَكْسَـلْ وَلَمْ أَتَبَلَّـدِ

فَإن تَبغِنـي فِي حَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقِنِـي    وَإِنْ تَلْتَمِسْنِـي فِي الحَوَانِيْتِ تَصْطَدِ


 وَإِنْ يَلْتَـقِ الحَيُّ الجَمِيْـعُ تُلاَقِنِـي    إِلَى ذِرْوَةِ البَيْتِ الشَّرِيْفِ المُصَمَّـدِ


يصف جلساءه بأنهم معروفون بين الناس. وتجالسهم جارية (قينة) بثياب تكشف الكثير من جسدها وإذا غنّت أطرقت برأسها وغنّت بهدوء دون صخب. ويذكر أن أسلوب حياته حيث الانغماس في الشرب واللذة وكثرة إنفاقه على تلك الأمور تسبب بابتعاد عشيرته عنه كما لو كان بعيرا أجربًا. ويلومهم على تصرفهم هذا بأن يقول لهم أن الفقراء (بني غبراء) والأغنياء أيضا لا ينكرونه ولا يتجنبونه، فلم يفعل أقاربه ذلك دونا عن سائر الناس:


نَـدَامَايَ بِيْضٌ كَالنُّجُـومِ وَقَيْنَـةٌ        تَرُوحُ عَلَينَـا بَيْـنَ بُرْدٍ وَمُجْسَـدِ


رَحِيْبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيْقَـةٌ    بِجَـسِّ النُّـدامَى بَضَّةُ المُتَجَـرَّدِ


إِذَا نَحْـنُ قُلْنَا أَسْمِعِيْنَا انْبَرَتْ لَنَـا         عَلَـى رِسْلِهَا مَطْرُوقَةً لَمْ تَشَـدَّدِ
إِذَا رَجَّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَهَا    تَجَـاوُبَ أَظْـآرٍ عَلَى رُبَـعٍ رَدِ
وَمَـا زَالَ تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِـي    وبَيْعِـي وإِنْفَاقِي طَرِيْفِي ومُتْلَـدِي
إِلَـى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيْرَةُ كُلُّهَـا        وأُفْـرِدْتُ إِفْـرَادَ البَعِيْـرِ المُعَبَّـدِ
رَأَيْـتُ بَنِـي غَبْرَاءَ لاَ يُنْكِرُونَنِـي        وَلاَ أَهْـلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَــدَّدِ



ثم يسأل أقاربه الذين يلومونه على كثرة مشاركته في الحروب وانغماسه في اللذات، هل يضمنون له عدم الموت؟ فطالما أن الموت لا بد منه فلا معنى من المسك عن الإنفاق والامتناع عن اللذات. ثم يذكر ثلاثة أشياء من أجلها يعيش. شربة خمر أحمر (كُمَيت) إذا أضيف له الماء علته رغوة. والثاني هو هجومه الشديد للدفاع عمن يستغيث به. والثالث قضاء الأيام المطيرة (الدجن) مع فتاة ناعمة (بهكنة) متزينة بخلاخيل ودماليج تحت الخيمة:


أَلاَ أَيُّها اللائِمي أَشهَـدُ الوَغَـى        وَأَنْ أَنْهَل اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِـدِي


فـإنْ كُنْتَ لاَ تَسْطِيْـعُ دَفْعَ مَنِيَّتِـي        فَدَعْنِـي أُبَادِرُهَا بِمَا مَلَكَتْ يَـدِي


وَلَـوْلاَ ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عَيْشَةِ الفَتَـى    وَجَـدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُـوَّدِي


فَمِنْهُـنَّ سَبْقِـي العَاذِلاتِ بِشَرْبَـةٍ        كُمَيْـتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالمَاءِ تُزْبِــدِ
وَكَرِّي إِذَا نَادَى المُضَافُ مُجَنَّبــاً    كَسِيـدِ الغَضَـا نَبَّهْتَـهُ المُتَـورِّدِ


وتَقْصِيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ    بِبَهْكَنَـةٍ تَحْـتَ الخِبَـاءِ المُعَمَّـدِ


كَـأَنَّ البُـرِيْنَ والدَّمَالِيْجَ عُلِّقَـتْ        عَلَى عُشَـرٍ أَوْ خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّـدِ


يقول أنه كريم النفس والنسب ولهذا ينفق الكثير على ملذاته، فهي علامة على شرف الأسياد والأغنياء. ويقول لمن يلومه أنهما عند الموت سيكون هو مرتوٍ ومتمتع بحياته أما الآخر فسيكون عطشان. فهو ينظر إلى قبر البخيل وإلى قبر المسرف البطال، فلا يرى إلا كومتين من تراب عند القبرين. متساويان. ولا أحد ينجو من الموت، كما لو أن أرواحنا مربوطة بحبل (الطِّوَل) نهايته في يد بعيدة عنا، وحين يأتي أواننا تسحب تلك اليد الحبل:


 


كَـرِيْمٌ يُرَوِّي نَفْسَـهُ فِي حَيَاتِـهِ        سَتَعْلَـمُ إِنْ مُتْنَا غَداً أَيُّنَا الصَّـدِي
أَرَى قَبْـرَ نَحَّـامٍ بَخِيْـلٍ بِمَالِـهِ        كَقَبْـرِ غَوِيٍّ فِي البَطَالَـةِ مُفْسِـدِ


تَـرَى جُثْوَنَيْنِ مِن تُرَابٍ عَلَيْهِمَـا        صَفَـائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيْحٍ مُنَضَّــدِ
أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِـي    عَقِيْلَـةَ مَالِ الفَاحِـشِ المُتَشَـدِّدِ


أَرَى العَيْشَ كَنْزاً نَاقِصاً كُلَّ لَيْلَـةٍ    وَمَا تَنْقُـصِ الأيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَـدِ


لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَـى    لَكَالطِّـوَلِ المُرْخَى وثِنْيَاهُ بِاليَـدِ


بعد كلامه عن الموت الذي سننتهي إليه جميعنا يستغرب تصرف ابن عمه الذي يبتعد عنه كلما حاول أن يتقرب إليه. انشغل عن قطيع من الإبل فضاعت في الصحراء أو سرقت. وابن عمه يلومه حتى يأس من أي خير يمكن يأتي منه. رغم أنه ذهب يبحث عنها بعد أن ضاعت منه دون قصد:


فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّي مَالِكـاً        مَتَـى أَدْنُ مِنْهُ يَنْـأَ عَنِّي ويَبْعُـدِ


يَلُـوْمُ وَمَا أَدْرِي عَلامَ يَلُوْمُنِـي        كَمَا لامَنِي فِي الحَيِّ قُرْطُ بْنُ مَعْبَدِ


وأَيْأَسَنِـي مِنْ كُـلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُـهُ        كَـأَنَّا وَضَعْنَاهُ إِلَى رَمْسِ مُلْحَـدِ


عَلَى غَيْـرِ شَيْءٍ قُلْتُهُ غَيْرَ أَنَّنِـي        نَشَدْتُ فَلَمْ أَغْفِلْ حَمَوْلَةَ مَعْبَـدِ


يدافع عن نفسه ويشتكي من أقاربه. فقد بذل ما في وسعه للتقرب إليهم، ويقسم أنه كلما احتاجته القبيلة في مسألة ذات جهد فإنه يشهدها. ويذكرهم بأنه متى ما دعي للأمور الجليلة فإنه يلبي. وإن تعرض أحد بالكلام البذيء على ابن عمه فإنه يدافع عنه باستماتة. ويشتكي من معاملتهم له بسوء بلا خطأ ارتكبه عن عمد ومع ذلك يهجونه ويشكونه ويريدون طرده. تمنى لو كان ولي أمره شخص غير ابن عمه لصارت حاله أفضل. ثم يقرر، في بيت جرى مجرى الأمثال، أن الظلم الذي يأتي من الأقارب أشد من طعنات السيوف:


وَقَـرَّبْتُ بِالقُرْبَـى وجَدِّكَ إِنَّنِـي        مَتَـى يَكُ أمْرٌ للنَّكِيْثـَةِ أَشْهَـدِ


وإِنْ أُدْعَ للْجُلَّى أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهَـا        وإِنْ يِأْتِكَ الأَعْدَاءُ بِالجَهْدِ أَجْهَـدِ


وَإِنْ يِقْذِفُوا بِالقَذْعِ عِرْضَكَ أَسْقِهِمْ    بِكَأسِ حِيَاضِ المَوْتِ قَبْلَ التَّهَـدُّدِ


بِلاَ حَـدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وكَمُحْـدَثٍ        هِجَائِي وقَذْفِي بِالشَّكَاةِ ومُطْرَدِي


فَلَوْ كَانَ مَوْلايَ إِمْرَأً هُوَ غَيْـرَهُ        لَفَـرَّجَ كَرْبِي أَوْ لأَنْظَرَنِي غَـدِي
ولَكِـنَّ مَوْلايَ اِمْرُؤٌ هُوَ خَانِقِـي        عَلَى الشُّكْرِ والتَّسْآلِ أَوْ أَنَا مُفْتَـدِ


وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً    عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ


سأكتفي بهذا الحد من أبيات القصيدة. إن أردت الاستزادة في الأدب العربي القديم فأرشح لك كتاب حديث الأربعاء لـ طه حسين الذي يعد مدخلا جيدا للأدب العربي ابتداء من شعراء المعلقات. كذلك رواية النبطي لـ يوسف زيدان التي تعرض حياة العرب الأنباط في بداية القرن السابع الميلادي، وفيها نرى كيف تغيرت حياتهم على المستوى الديني والاقتصادي لحظة ظهور الإسلام.