ماذا يقرأ العدميون؟

عن العدمية والعبثية في الأدب





 في أحد الصباحات الباكرة من يوليو عام 1945 في ولاية نيومكسيكو، وبينما كان أوبنهايمر يراقب تجربة لانفجار أول قنبلة ذرية في العالم، استحضر، وهو يحدِّق في اللهب المتصاعد، وقد أدرك العواقب المدمرة لهذه القنبلة، نصًا من أحد الكتب الهندوسية المقدسة:

"الآن أصبحتُ الموت، مُدمر العوالم".

هذه هي العدمية بمعناها المتطرف. وتدل كلمة nihil في الإنقليزية، والتي تعني حرفيًا "لا شيء"، إلى انعدام الوجود المادي. وهي أصل تسمية مذهب العدمية الفلسفي Nihilism، والذي ينفي ليس فقط ما هو مادي بل كذلك أي معنى أو قيمة في الحياة. ويشرح نولن جيرتز معناها في كتابه «العدمية» أنها: "باعتبارها «أيديولوجيا اللاشيء» ليس معناها اعتناق نظام محدد عن اللاشيء، بل تعني أن المعتقدات التي نعتنقها، أو نظن أننا نعتنقها، لا تساوى شيئًا".

ترتبط العدمية بالمدرستان الفلسفيتان: الوجودية والعبثية. فقبل هذه التيارات الفلسفية كانت المذاهب الفلسفية تفترض وجود هدف محدد (ماهية) من حياة الإنسان، يسبق وجوده في العالم ويحدد له كيفية عيش حياته. إلى أن جاءت الوجودية وكان شعارها أن الوجود يسبق الماهية، فنحن نوجد في العالم أولًا ثم نُضفي على العالم المعنى الذي نحدده بأنفسنا. فالإنسان يوجد أولا في العالم ثم يحدد هو بنفسه هدف وجوده. لكن العدمية قالت بعدم وجود أي هدف أو قيمة للحياة. أما العبثية، وهي وإن وافقت العدمية في عدم وجود معنى للحياة، إلا أنها تحاول التغلب على غياب المعنى بأن تدفع الإنسان ليسعى في سبيل إيجاد معنى لحياته، وأن لا يستسلم لليأس، رغم عبثية هذا المسعى.


ثلاث قصائد 

وتميزت هذه المدارس الفلسفية بأن الكثير من روادها ومعتنقيها يميلون إلى توظيف الأدب كوسيط ينقلون خلاله أفكارهم. فنجد مثلا أن قصيدة «الحكاية» لوديع سعادة عبّرت بشكل واضح عن غياب المعنى:

الحكاية أَن لا حكاية

تلك التي قالها القبطان كانت خرافة

كي يسلِّي المسافرين في المحيط المديد

والحكايةُ الأخرى كانت خرافة أيضاً

كي يسلِّي الذين يغرقون.


ومن القصائد الشهيرة التي حملت حيرة وتساؤلات وجودية حول معنى وجودنا في هذا العالم قصيدة «الطلاسم» لإيليا أبو ماضي، فيقول عن عبثية الموت:

إن يكُ الموت رقاداً بعده صحوٌ جميل

فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل

ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل

ومتى ينكشف الستر فندري؟

لست ادري!


ونجد في قصيدة «لاعب النرد» التي من عنوانها ينبهنا محمود درويش إلى المنحى العبثي الذي اتخذته حياته، ويصف لنا كيف تسيِّر حياته:

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ

أو سأكونْ…

هو الحظُّ. والحظ لا اسم لَهُ

قد نُسَمَّيه حدَّادَ أَقدارنا

أو نُسَمَّيه ساعي بريد السماء


 ويختمها بخشيته من أن يخيِّب، بتأخر موته، ظن العدم:

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً

فأصغي إلي جسدي

وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ

فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق

عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً

واُخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم؟


الأباء والبنون 

أما حين ننتقل إلى الروايات العدمية فأول ما يتبادر إلى الذهن هو تورقينيف وروايته «الآباء والبنون»، التي بعد نشرها في 1862 شاع استخدام مصطلح العدمية بين الأوساط الأدبية الروسية. فبطل الرواية رفض أي شكل من أشكال الإيمان أو القيم بذريعة العقل والعلم. ويعبّر أبطال الرواية عن عدميتهم بهذا الحوار:

"نحن نعمل مدفوعين بتأثير ما نعتبره نافعًا. وفي الحال الحاضر يعتبر الرفض أنفع شيء. لذا نحن نرفض.

 -  كل شيء؟

  -  كل شيء".


نادي القتال

توصف كتابات تشاك بولانيك، مؤلف رواية «نادي القتال»، بأنها عدمية, رغم عدم اتفاقه مع هذا الوصف. فقد سُئل في إحدى مقابلاته فيما إذا كانت سمعته كعدمي مستحقة، فقال: "إذا لم تؤمن بما يؤمن به الآخرون، يُصنفونك عدميًا. أنا لست عدميًا، بل رومانسي. جميع كتبي في الأساس روايات رومانسية؛ إنها قصص عن إعادة الاتصال بالمجتمع".

لكن حين تشاهد فيلم «نادي القتال» Fight Club المبني على روايته التي تحمل نفس الاسم، ستجد فيه العدمية تتجلى في تصرفات البطل اللاأخلاقية، وفي شعوره بالفراغ رغم امتلاكه كل ما يريد. وهذه الرواية تعد أيقونة معاصرة على أسلوب حياة العدميين.


أسطورة سيزيف

في الحديث عن العدمية لابد أن نتطرق إلى الأدب العبثي لاشتراكه معها ببعض الأفكار، ورائد العبث هو ألبير كامو، بسبب كتابه «أسطورة سيزيف» الذي تناول فيه ما عدّها أهم مشكلة فلسفية وهي الانتحار، وهل الحياة تستحق أن تعاش؟ ويعرض في الكتاب فلسفته حول العبث وبحث الإنسان عن المعنى في عالم يخلو من القيم ومن الإله.


في انتظار جودو (1952)

يعد الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت من رموز مسرح العبث، ونال نوبل في 1969. أشهر أعماله التي صوّر فيها عبثية الحياة هي مسرحية «في انتظار جودو». ونرى فيها شخصان ينتظران حضور جودو في موعده، لكنه لا يأتي أبدًا. مثلما ننتظر نحن في حياتنا أشياء لا تأتي أبدًا. ولا تقع في المسرحية أحداث مهمة سوى حوارات لا تؤدي إلى شيء، يمكنك من خلالها أن تستشعر غياب المعنى.


ثرثرة فوق النيل (1966)

يذكر نجيب محفوظ سبب تأليفه لهذه الرواية في مقابلة مع مجلة الكتاب العربي: "ثمة أناس بلا دين فكيف يمكن التعامل معهم وكيف يمكن أن يتعاملوا هم مع الحياة بل حتى بعض المتدينين لا تساير أخلاقهم دينهم. وما هى الأسس التى يمكن ان تقام عليها أخلاق اجتماعية وإنسانية فاضلة؟".

يتضح فيها تأثر محفوظ بأعمال بيكيت. فالرواية عبارة عن سلسلة من الحوارات ما يجعلها أقرب إلى المسرحية. والحوارات فيها كثيرا ما تنحو باتجاه عبثي، وذلك لأن الشخصيات لا يفعلون شيئا غير أنهم يجتمعون في عوامة على النيل ويدخنون الحشيش. وفيها يعرض لنا نجيب محفوظ إجابته على سؤال: كيف تكون أخلاق الإنسان حين يغيب الإله عن حياته؟

حيث نجد الشخصيات تُكثر من ذكر الموت، لما يشكله من نهاية حتمية لحياة العبث واللهو التي ينغمسون فيها.

ثم تنضم امرأة جادة إلى مجموعة العبثيين، وتسعى إلى تغييرهم، وعرّفت العبث كما لاحظته عليهم بأنه:

"فقدان المعنى؛ معنى أي شيء. انهيار الإيمان، الإيمان بأي شيء. والسير في الحياة بدافع من الضرورة وحدها، ودون اقتناع، وبلا أمل حقيقي. وينعكس ذلك على الشخصية في صورة انحلال وسلبية، وتُمسي البطولة خرافةً وسخرية، ويستوي الخير والشر، ويُقدَّم أحدهما  - إذا قُدّم - بدافعٍ من الأنانية أو الجبن أو الانتهازية. وتموت القيم جميعًا وتنتهي الحضارة."


في الختام

عند ذكر أي عمل أدبي ينتمي إلى هذه المدارس الفلسفية، نجد القراء يختلفون في تصنيفه بين عدمي وعبثي ووجودي، فلماذا هذا الاختلاف؟

السبب يعود إلى طبيعة هذه الفلسفات التي تتفق على غياب المعنى، لكنها تختلف في تعاملها تجاه هذا الغياب. فمثلا يمكن لرواية أن تبدأ بنظرة عدمية (كل الأشياء فارغة ومآلها إلى العدم)، ثم تعاملها معاملة عبثية (سوف أقاوم وأستمر في الحياة رغم ذلك)، ثم تأخذ منحىً وجوديًا (سأخلق المعنى).