نشوة الخلود

 عن شعر المديح





للحب نشوة عظيمة، تتلاعب في دواخل من تمكّن به حتى يخرج أمره عن سيطرته، كما عبّر عنها عبدالملك بن مروان بقوله: "إنّ أفضل النساء السواحر اللاتي يقول أهل الرجل: قد سحرنه، وغلبن على عقله". وللخمر كذلك نشوة قوية، تدفع صاحبها إلى العطاء بما قد يجلب له الندامة عندما يصحو، كما عبّر عنها طَرَفة بن العبد:

فَإِذا ما شَرِبوها وَاِنتَشوا  وَهَبوا كُلَّ أَمونٍ وَطِمِر

وثمة نشوة أعلى من هاتين النشوتين وأقوى، وهي نشوة الخلود، يُصاب بها المرء حين يعرف أن ذكراه سوف تبقى بعده دهورًا مديدة، فتتحرك دواخله كما لا يحركها شيء آخر، ويبذل في سبيلها عطاءً دون ندم. وهذه النشوة تظهر مع شعر المديح

وقد وقعت قبل الإسلام حرب بين بعض القبائل، واستمرت حتى تدخل هرم بن سنان ورجل آخر بالتبرع من أموالهما لدفع الديات وحقن الدماء وإنهاء الحرب. فمدحهما زهير بن أبي سُلمى في معلقته الشهيرة، وحين سمعها هرم حلف أن يعطي زهيرًا عبدًا أو أمةً أو حصانًا كلما سلم عليه، حتى صار زهير يمر على القوم وفيهم هرم، فيسلم عليهم ويستثنيه من السلام حتى لا يزيده من العطاء. ويروي ابن عبد ربه في «العقد الفريد» أن أحد أبناء هرم بن سنان دخل على عمر بن الخطاب، فسأله: صاحب زهير؟

قال: نعم.

قال: أما إنه كان يقول فيكم فيحسن!

قال: كذلك كنا نعطيه فنجزل!

قال: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.

وها نحن اليوم نذكر هرمًا.

الملوك يدركون أهمية شعر المديح الذي يُقال فيهم، وتغشاهم، عند سماعه، نشوة الخلود التي تجعلهم يغدقون العطاء على الشعراء. وذلك دفع فحول الشعراء إلى التنافس في بلاط الملوك أملًا في عطائهم، الذي لم يكن سهل المنال، بسبب المنافسة الشديدة. لذلك يضطر الشاعر، إن أراد أن يقول هذا النوع من الشعر، إلى تجويد القصيدة التي سوف يلقيها أمام الملك، حتى تصير من أجود شعره.

وفي هذه المقالة سوف نتعرف على قصيدتين تنتميان إلى شعر البلاط: قصيدة «أسألت رسم الدار» لحسان بن ثابت في مدح الغساسنة، وقصيدة «خفَّ القَطين» للأخطل في مدح عبدالملك بن مروان. كلتا القصيدتين قيلتا في ملوك الشام، وهما تُعدّان من أجمل قصائد هذين الشاعرين. وسأقف على بعض التشابه بين القصيدتين. ومن أراد شرحًا جيدًا لقصيدة حسّان، فأقترح الرجوع إلى شرح عبدالرحمن البرقوقي لديوان حسّان بن ثابت. أما قصيدة الأخطل، فقد وفّق عارف حجاوي في شرح كثير من أبياتها في «أوَّل الشعر».

التعريف بالقصيدتين

قصيدة حسّان تتألف من 33 بيتًا. ويبدو من بعض أبياتها أنه قالها في أواخر عمره توقًا إلى "الزمان الأول". وقيل إن آخر ملوك الغساسنة، جبلة بن الأيهم، كان يطرب لسماعها من جواريه بعدما هاجر إلى بلاد الروم، وأنه أرسل إلى حسّان مكافأةً عليها. مدح فيها الغساسنة عامة، وأجمل بيت فيها هو الذي يصف كرمهم حيث أن كلابهم لا تنبح لاعتيادها الضيوف، وهم لا يكترثون لعدد الزائرين القادمين إليهم:

يُغشَوْنَ، حتى ما تهِرُّ كلابُهُمْ،

لا يسألونَ عنِ السوادِ المقبلِ

 أما قصيدة الأخطل فهي من 84 بيتًا. واستغرق في كتابتها حولًا كاملًا. ألقاها في بلاط عبدالملك بن مروان، واستحسنها جدًا عندما سمعها. وكافأه عليها، حتى أن خادمه خرج إلى الناس ليعلن لهم: "هذا شاعر أمير المؤمنين، هذا أشعر العرب". وأجمل بيت فيها الذي يصف فيه قوة بني أمية أمام من يعاديهم حتى ينقادوا إليهم، وحلمهم عند المقدرة:

شُمْسُ العداوةِ، حتى يُستقادَ لهم

وأعظمُ الناسِ أحلاماً، إذا قدروا

مقارنة بين القصيدتين

بدأ حسّان قصيدته بذكر الأطلال وبعض الأماكن في الشام:

أسَألتَ رَسْمَ الدّارِ أمْ لَمْ تَسْألِ

بينَ الجوابي، فالبُضَيعِ، فحَوْمَلِ

فالمرجِ، مرجِ الصفرينِ، فجاسمٍ،

فَدِيَارِ سلْمى، دُرَّساً لم تُحلَلِ

وبدأ الأخطل بالحديث عن ارتحال القوم القاطنين بجواره:

خَفَّ القَطينُ فَراحوا مِنكَ أَو بَكَروا 

وَأَزعَجَتهُم نَوىً في صَرفِها غِيَرُ

يخبرنا حسّان أن عينه خاضعة (عانية) على البكاء على ذكرى تلك الأماكن بعدما تركها أهلها:

فَالعَينُ عانِيَةٌ تَفيضُ دُموعُها 

 لِمَنازِلٍ دَرَسَت كَأَن لَم تُؤهَلِ

وكذلك يفعل الأخطل، وهو يعبّر عن بكائه لعدم قدرته على لقاء القوم الذين ارتحلوا:

فَالعَينُ عانِيَةٌ بِالماءِ تَسفَحُهُ

مِن نِيَّةٍ في تَلاقي أَهلِها ضَرَرُ

وحين يتحول خطاب حسّان إلى امرأة، نجده يذكر رأسه الذي امتلأ بالشيب مثل نبات الثغام الأبيض:

إِما تَرَي رَأسي تَغَيَّرَ لَونُهُ

شَمَطاً فَأَصبَحَ كَالثَغامِ المُحِولِ

وكذلك يشتكي الأخطل من إعراض النساء عن الرجل عندما يكبر وينحني ظهره ويبيّض شعره:

يا قاتَلَ اللَهُ وَصلَ الغانِياتِ إِذا

أَيقَنَّ أَنَّكَ مِمَّن قَد زَها الكِبَرُ

أَعرَضنَ لَمّا حَنى قَوسي مُوَتِّرُها

وَاِبيَضَّ بَعدَ سَوادِ اللِمَّةِ الشَعَرُ

يصف حسّان كيف يعيش الغساسنة منعمين مكرمين، يسقيهم خدمهم الخمر، وليست لهم حاجة إلى إرسال إماؤهم لجني الحنظل، فهم بعيدون عن الأعمال الشاقة كما يعيش غيرهم من العرب في الصحراء:

يُسقَونَ دِرياقَ الرَحيقِ، وَلَم تَكُن

تُدعى وَلائِدُهُم لِنَقفِ الحَنظَلِ

بيضُ الوُجوهِ كَريمَةٌ أَحسابُهُم

شُمُّ الأُنوفِ مِنَ الطِرازِ الأَوَّلِ

أما الأخطل فيهجو بني سُليم وكيف تعطل حالهم بعدما اتبعوا رأي أحد جهالهم، حتى أنهم صاروا يتطلعون إلى مناطق الأنهار في الجزيرة (الزوابي) بينما يقضون أيامهم في جني الحنظل (أي أعمال الحياة الشاقة):

وَلَم يَزَل بِسُلَيمٍ أَمرُ جاهِلِها

حَتّى تَعَيّا بِها الإيرادُ وَالصَدَرُ

إِذ يَنظُرونَ وَهُم يَجنونَ حَنظَلَهُم

إِلى الزَوابي فَقُلنا بُعدَ ما نَظَروا

كَرّوا إِلى حَرَّتَيهِم يَعمُرونَهُما

كَما تَكُرُّ إِلى أَوطانِها البَقَرُ

وحين يتحدث حسّان عن الخمر، يصف حركة الفقاعات من أسفل الكأس الزجاجية كما لو أنها ناقة تتراقص في سيرها لأن راكبها في عجلة من أمره:

بِزُجاجَةٍ رَقَصَتْ بما في قَعْرِها،

رَقَصَ القَلوصِ براكبٍ مُستعجِلِ

ويهجو الأخطل أعداء الخليفة حتى يذكر قبيلة قيس عيلان التي وقفت مع ابن الزبير، وبعدما انهزموا أتوا مسرعين (رَقَصًا) لمبايعة عبدالملك: 

وَقَيسَ عَيلانَ حَتّى أَقبَلوا رَقَصاً

فَبايَعوكَ جِهاراً بَعدَ ما كَفَروا

يفتخر حسّان بنسبه الذي يعود إلى اليمن مثل ملوك الشام الغساسنة، وبشدة قبيلته على القتال في الحروب وتولي الشؤون العامة في الشدائد والمحن:

نَسَبي أَصيلٌ في الكِرامِ وَمِذوَدي

تَكوي مَواسِمُهُ جُنوبَ المُصطَلي

وَلَقَد تُقَلِّدُنا العَشيرَةُ أَمرَها

وَنَسودُ يَومَ النائِباتِ وَنَعتَلي

وَيَسودُ سَيِّدُنا جَحاجِحَ سادَةً

وَيُصيبُ قائِلُنا سَواءَ المَفصِلِ

أما الأخطل فيفتخر بهجاء أعداء بني أمية من الأنصار، حتى أسكتهم هجاؤه لأن كلامه نفذ فيهم بأعمق من نفاذ إبرة العقرب:

بَني أُمَيَّةَ قَد ناضَلتُ دونَكُمُ

أَبناءَ قَومٍ هُمُ آوَوا وَهُم نَصَروا

أَفحَمتُ عَنكُم بَني النَجّارِ قَد عَلِمَت

عُليا مَعَدٍّ وَكانوا طالَما هَدَروا 

حَتّى اِستَكانوا وَهُم مِنّي عَلى مَضَضٍ 

وَالقَولُ يَنفُذُ ما لا تَنفُذُ الإِبَرُ

تجربتي مع أندية القراءة

 




أحب أندية القراءة، فمن خلالها تمكنت من غرس عادة القراءة اليومية بعد سنوات من المعاناة مع الكتب التي تبقى مفتوحة أسابيع ولا أعرف كيف أنتهي من قراءتها بعد أن تراكم فوقها الملل. ومن خلالها اجتمعت مع عقول متنوعة، ووسعتْ فهمي لما أقرأ من زوايا نظر كانت غائبة عني. وهي أيضا دفعتني على القراءة لمؤلفين ولمجالات ربما لم أكن سأتعرف عليها وحدي. وبعد كل الذي جنيته منها زاد اهتمامي بها، فشرعت في 2017 على جمع بياناتها في مكان واحد أطلقت عليه «دليل أندية القراءة في الكويت»، والتي تعدت اليوم 40 ناديا تقيم فعاليات ثقافية تشمل مناقشة الكتب وإقامة أمسيات للشعر والفلسفة.


وهي أيضا مساحة لنشر الثقافة في المجتمع. وفرصة مناسبة تتيح للكتّاب السماع مباشرة من القراء، أشبه بقودريدز حي. وكذلك تساعد على تطوير مهارة التعبير عن النفس وترتيب الأفكار عند القارئ. ويغلب على كثير منها جو من المرح والأريحية وفي نفس الوقت الجدية. ومن خلالها على تحويل القراءة من فعل فردي انعزالي إلى ممارسة جماعية.


فأندية القراءة تتيح للإنسان أن يعبر عن ذاته وعن أفكاره بحريّة، حتى أن البعض يقصدها لتفريغ ذهنه مما أثقله من أفكار. يقول كارل يونغ في «هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ»: ‏"لا ينبع شعور الإنسان بالوحدة من افتقاره إلى صحبة، بل من عجزه عن إطلاع الآخرين عن الأشياء التي يراها جديرة بالانتباه، ومن اضطراره إلى كتمان الأفكار التي لا يستسيغها الآخرون". 


هذه الأندية ليست من نوع واحد. لذلك سأتطرق للأنواع المختلفة للأندية التي انضممت إليها في السنوات الماضية، لمعرفة مميزاتها وسلبياتها عسى أن يكون في ذلك فائدة لمن يرغب في الانضمام إلى أحدها أو لمن يريد إنشاء نادي القراءة الخاص به.


نور الفكر

في بداية 2010 كنت واحدًا من بين سبعة أعضاء آخرين أسسنا نادي نور الفكر. اخترنا مناقشة كتاب كل أسبوعين، أحدهما رواية والكتاب الذي يليه في مجال عام. في الأوقات التي كنت أقرأ فيها وحدي كنت أستحضر بقية الأعضاء الذين يشاركوني قراءة نفس الكتاب الآن، والذين ينتظرون رأيي في الكتاب، وأنا كذلك كنت أنتظر الاستماع إلى رأيهم فيه ومناقشة تفاصيله معهم. وهذا وحده كان كفيلا لطرد الشعور بالملل أثناء القراءة، ليحل محله التوق لحلول موعد المناقشة. وقد كان التنوع في الكتب المختارة، والتي كان أغلبها ذات حجم متوسط، جعل من قراءة كتابين في الشهر أمرا سهلا وممتعا، وغدت القراءة منذئذ عادة يومية.

بعد سنوات انشغلت عن الحضور إلى لقاءات النادي، لكنه ظل مستمرا دون توقف منذ انطلاقته الأولى، والأعضاء الجدد كانت لهم أفكارهم الإبداعية التي جعلت من مزاولتهم للقراءة أمرا أكثر إمتاعا. مثل إقامة الملتقيات الخاصة بأحد الكتّاب، وهي فعالية مخصصة لعرض جميع أعمال ذلك الكاتب، مثل كافكا أو ساراماقو. بحيث يقرأ كل عضو عمل واحد من أعماله، وفي جلسة المناقشة تُستعرض جميع الأعمال أمام الحضور. ومن الممارسات اللافتة كانت تمثيل مسرحية أوديب. فحين قرر النادي مناقشة المسرحية، رأوا بما أنها كُتبت لتؤدى على المسرح فلمَ لا يؤدونها بأنفسهم. وبالفعل شارك أربعة أعضاء من النادي في تمثيلها. يقول سليمان العبدالهادي، رئيس النادي آنذاك، أن هذه التجربة كانت فعالة في فهم المسرحية ودوافع شخصياتها بشكل أفضل عند كل من قرأها وحضرها، وبسبب تلك التجربة هو ما يزال يستحضر كثير من نصوصها إلى اليوم.


أندية قراءة غير تقليدية

التقيد بالكتب التي يختارها أعضاء نادي القراءة قد يكون مناسبا للقارئ المستكشف الذي لم يحدد بعد نطاق قراءته، وليس لديه ذائقة محددة في الكتّاب أو الأجناس الأدبية. لكن إن كنت تريد أن تقرأ ما يحلو لك من الكتب وتعتملك الرغبة للحديث عنها فـ «أندية القراءة غير التقليدية» هي المكان الأنسب. في هذا النوع من الأندية يتحدث كل شخص عن آخر كتاب قرأه، سواء أعجبه أم لم يعجبه. والأعضاء الذين يثير فضولهم الكتاب يوجهون أسئلتهم عنه إلى القارئ وعن المواضيع التي تطرق إليها. وفي هذا النوع من الأندية يمتد النقاش لوقت طويل، لأن عدد الكتب المطروحة للنقاش هي بعدد الأعضاء، وربما أكثر.

في هذا الصيف ترددت على ناديين من هذا النوع (حسبما يوافق موعد اللقاء وقتي)، حيث أمكنني أن أتحدث عن تلك الكتب التي أقرأها والتي غالبا لا تقع ضمن اختيارات أندية القراءة الأخرى.


نادي رؤيا الثقافي

أحيانا أريد أن أستمتع بمدارسة الشعر العباسي، أو أتعلم شيئا عن أفكار أفلاطون، أو أناقش أفلام تارنتينو. كل هذه الأنشطة أمارسها حين أذهب إلى نادي رؤيا الثقافي. فهو مساحة ثقافية حرة، وأكثر من نادي قراءة. وجميع هذه الأنشطة الثقافية ينظمها أعضاء النادي بأنفسهم. ثم يتحول بعضها إلى مادة ثقافية تتاح على منصة يوتيوب.

في عام 2024 قرر مجموعة من أعضاء النادي إنشاء مكتبة «رؤى» لتكون مقرًا لأنشطة النادي. ومما يتميز به النادي أيضًا، بالإضافة إلى التركيز على الفلسفة، هو الاهتمام بالأنشطة الثقافية الموجهة للطفل من جلسات قراءة وورش تعليمية.


مركز حروف

أحد الأندية التي انضممت لها سابقا هو نادي حروف، بعدما رأيت إعلانا عن مناقشة كتاب «على مقهى الوجودية». لم يكن الكتاب سهلا. خاصة الفصول المتعلقة بأفكار هايدقر. لكن للنادي طريقة في مناقشة الكتب مختلفة عن باقي الأندية، حيث قُسِّم الكتاب الذي يتعدى 450 صفحة إلى أقسام قابلة للهضم لمناقشتها مرة بالأسبوع واتمامه في شهر واحد. هذه الطريقة مناسبة للكتب الكبيرة والصعبة، ففي كل أسبوع نلتقي ونتناقش حول ما فهمنا وما أشكل علينا فهمه. كذلك كون أغلب الأعضاء في النادي من القراء الجادين فقد ساهم هذا على الخروج بفائدة أثناء المناقشة لا تقل عن القراءة. طريقة النادي في تقسيم الكتاب إلى أجزاء صغيرة تُناقَش خلال أسبوع، تكون كذلك ممتازة مع الروايات الكلاسيكية الكبيرة، فنادي حروف يخصص كل صيف لقراءة إحدى الروايات الكلاسيكية، وقد قرأ وناقش أعضاؤه في السنوات السابقة: الحرب والسلم، والأخوة كارامازوف، والكونت مونت كرستو.

وللنادي نشاط ملحوظ في استضافة المثقفين من داخل وخارج الكويت لإقامة ندوات ومحاضرات في مجالات متنوعة، ومن بينهم عدي الحربش الذي قرأ على الحضور قصة من تأليفه تدور أحداثها في العصر العباسي ثم دار نقاش حولها. ولمركز حروف أيضا رحلات ثقافية سنوية كان منها رحلة إلى مصر والمغرب والبحرين.


أندية القوائم

حين انضممت إلى مُحتَرَف تكوين للكتابة، نصحتنا بثينة العيسى بقائمة من الأعمال الأدبية التي تساعدنا قراءتها على تطوير أدواتنا الكتابية من منظور وشخصيات وحوارات. وكعاشق لأندية القراءة اقترحت على زملائي أن نصنع من هذه القائمة أساسًا لنادي قراءة ونجتمع معا لقراءتها ونشارك بعضنا بما استفدنا من أساليب وأفكار حول ما يميزها كنصوص أدبية. كذلك قبل عدة سنوات، طالعني أحد الأصدقاء بقائمة تحتوي على عناوين لروايات كلاسيكية وأخبرني أنه بصدد إنشاء نادي قراءة مع مجموعة من الأصدقاء الذين يرغبون في قراءة هذه العناوين.

هذا النوع من أندية القراءة يكون لأعضائه اهتمام مشترك في نوعية الكتب المقروءة، وهدف محدد يتوقعون الخروج به من خلال المناقشات.


الخاتمة

لا يمكنني حصر أنواع أندية القراءة في هذا المقال، فكل مجموعة من القراء يختارون الشكل الأنسب لهم في تفاعلهم مع الكتب. فهناك أيضا تلك الأندية التي تحصر عضويتها على النساء وتلك التي يفضل أعضاؤها المناقشة بالإنجليزية وكذلك من يختارون أن تكون لقاءاتهم عبر الانترنت، ولا ننسى كذلك الأندية المخصصة للأطفال واليافعين.

قد يعيب بعض الأندية التركيز غالبًا على قراءة الكتب الأكثر مبيعا أو الحائزة على جوائز أدبية. فلن تجد ناديا يناقش «قصيد بارمنيدس» ليوسف الصديق، أو الرواية الجريئة في لغتها «أم ميمي» لبلال فضل، أو مسرحيات أسخيلوس. لكن إذا لم يكن لديك خطة واضحة لنوع الكتب التي تريد قراءتها فأندية القراءة هي ملاذك المناسب للاستكشاف، وإن كنت من النوع الذي يقرأ كتبا في مجالات ضيقة، فستجد في أندية القراءة غير التقليدية غايتك.


ماذا يقرأ العدميون؟

عن العدمية والعبثية في الأدب





 في أحد الصباحات الباكرة من يوليو عام 1945 في ولاية نيومكسيكو، وبينما كان أوبنهايمر يراقب تجربة لانفجار أول قنبلة ذرية في العالم، استحضر، وهو يحدِّق في اللهب المتصاعد، وقد أدرك العواقب المدمرة لهذه القنبلة، نصًا من أحد الكتب الهندوسية المقدسة:

"الآن أصبحتُ الموت، مُدمر العوالم".

هذه هي العدمية بمعناها المتطرف. وتدل كلمة nihil في الإنقليزية، والتي تعني حرفيًا "لا شيء"، إلى انعدام الوجود المادي. وهي أصل تسمية مذهب العدمية الفلسفي Nihilism، والذي ينفي ليس فقط ما هو مادي بل كذلك أي معنى أو قيمة في الحياة. ويشرح نولن جيرتز معناها في كتابه «العدمية» أنها: "باعتبارها «أيديولوجيا اللاشيء» ليس معناها اعتناق نظام محدد عن اللاشيء، بل تعني أن المعتقدات التي نعتنقها، أو نظن أننا نعتنقها، لا تساوى شيئًا".

ترتبط العدمية بالمدرستان الفلسفيتان: الوجودية والعبثية. فقبل هذه التيارات الفلسفية كانت المذاهب الفلسفية تفترض وجود هدف محدد (ماهية) من حياة الإنسان، يسبق وجوده في العالم ويحدد له كيفية عيش حياته. إلى أن جاءت الوجودية وكان شعارها أن الوجود يسبق الماهية، فنحن نوجد في العالم أولًا ثم نُضفي على العالم المعنى الذي نحدده بأنفسنا. فالإنسان يوجد أولا في العالم ثم يحدد هو بنفسه هدف وجوده. لكن العدمية قالت بعدم وجود أي هدف أو قيمة للحياة. أما العبثية، وهي وإن وافقت العدمية في عدم وجود معنى للحياة، إلا أنها تحاول التغلب على غياب المعنى بأن تدفع الإنسان ليسعى في سبيل إيجاد معنى لحياته، وأن لا يستسلم لليأس، رغم عبثية هذا المسعى.


ثلاث قصائد 

وتميزت هذه المدارس الفلسفية بأن الكثير من روادها ومعتنقيها يميلون إلى توظيف الأدب كوسيط ينقلون خلاله أفكارهم. فنجد مثلا أن قصيدة «الحكاية» لوديع سعادة عبّرت بشكل واضح عن غياب المعنى:

الحكاية أَن لا حكاية

تلك التي قالها القبطان كانت خرافة

كي يسلِّي المسافرين في المحيط المديد

والحكايةُ الأخرى كانت خرافة أيضاً

كي يسلِّي الذين يغرقون.


ومن القصائد الشهيرة التي حملت حيرة وتساؤلات وجودية حول معنى وجودنا في هذا العالم قصيدة «الطلاسم» لإيليا أبو ماضي، فيقول عن عبثية الموت:

إن يكُ الموت رقاداً بعده صحوٌ جميل

فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل

ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل

ومتى ينكشف الستر فندري؟

لست ادري!


ونجد في قصيدة «لاعب النرد» التي من عنوانها ينبهنا محمود درويش إلى المنحى العبثي الذي اتخذته حياته، ويصف لنا كيف تسيِّر حياته:

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ

أو سأكونْ…

هو الحظُّ. والحظ لا اسم لَهُ

قد نُسَمَّيه حدَّادَ أَقدارنا

أو نُسَمَّيه ساعي بريد السماء


 ويختمها بخشيته من أن يخيِّب، بتأخر موته، ظن العدم:

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً

فأصغي إلي جسدي

وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ

فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق

عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً

واُخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم؟


الأباء والبنون 

أما حين ننتقل إلى الروايات العدمية فأول ما يتبادر إلى الذهن هو تورقينيف وروايته «الآباء والبنون»، التي بعد نشرها في 1862 شاع استخدام مصطلح العدمية بين الأوساط الأدبية الروسية. فبطل الرواية رفض أي شكل من أشكال الإيمان أو القيم بذريعة العقل والعلم. ويعبّر أبطال الرواية عن عدميتهم بهذا الحوار:

"نحن نعمل مدفوعين بتأثير ما نعتبره نافعًا. وفي الحال الحاضر يعتبر الرفض أنفع شيء. لذا نحن نرفض.

 -  كل شيء؟

  -  كل شيء".


نادي القتال

توصف كتابات تشاك بولانيك، مؤلف رواية «نادي القتال»، بأنها عدمية, رغم عدم اتفاقه مع هذا الوصف. فقد سُئل في إحدى مقابلاته فيما إذا كانت سمعته كعدمي مستحقة، فقال: "إذا لم تؤمن بما يؤمن به الآخرون، يُصنفونك عدميًا. أنا لست عدميًا، بل رومانسي. جميع كتبي في الأساس روايات رومانسية؛ إنها قصص عن إعادة الاتصال بالمجتمع".

لكن حين تشاهد فيلم «نادي القتال» Fight Club المبني على روايته التي تحمل نفس الاسم، ستجد فيه العدمية تتجلى في تصرفات البطل اللاأخلاقية، وفي شعوره بالفراغ رغم امتلاكه كل ما يريد. وهذه الرواية تعد أيقونة معاصرة على أسلوب حياة العدميين.


أسطورة سيزيف

في الحديث عن العدمية لابد أن نتطرق إلى الأدب العبثي لاشتراكه معها ببعض الأفكار، ورائد العبث هو ألبير كامو، بسبب كتابه «أسطورة سيزيف» الذي تناول فيه ما عدّها أهم مشكلة فلسفية وهي الانتحار، وهل الحياة تستحق أن تعاش؟ ويعرض في الكتاب فلسفته حول العبث وبحث الإنسان عن المعنى في عالم يخلو من القيم ومن الإله.


في انتظار جودو (1952)

يعد الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت من رموز مسرح العبث، ونال نوبل في 1969. أشهر أعماله التي صوّر فيها عبثية الحياة هي مسرحية «في انتظار جودو». ونرى فيها شخصان ينتظران حضور جودو في موعده، لكنه لا يأتي أبدًا. مثلما ننتظر نحن في حياتنا أشياء لا تأتي أبدًا. ولا تقع في المسرحية أحداث مهمة سوى حوارات لا تؤدي إلى شيء، يمكنك من خلالها أن تستشعر غياب المعنى.


ثرثرة فوق النيل (1966)

يذكر نجيب محفوظ سبب تأليفه لهذه الرواية في مقابلة مع مجلة الكتاب العربي: "ثمة أناس بلا دين فكيف يمكن التعامل معهم وكيف يمكن أن يتعاملوا هم مع الحياة بل حتى بعض المتدينين لا تساير أخلاقهم دينهم. وما هى الأسس التى يمكن ان تقام عليها أخلاق اجتماعية وإنسانية فاضلة؟".

يتضح فيها تأثر محفوظ بأعمال بيكيت. فالرواية عبارة عن سلسلة من الحوارات ما يجعلها أقرب إلى المسرحية. والحوارات فيها كثيرا ما تنحو باتجاه عبثي، وذلك لأن الشخصيات لا يفعلون شيئا غير أنهم يجتمعون في عوامة على النيل ويدخنون الحشيش. وفيها يعرض لنا نجيب محفوظ إجابته على سؤال: كيف تكون أخلاق الإنسان حين يغيب الإله عن حياته؟

حيث نجد الشخصيات تُكثر من ذكر الموت، لما يشكله من نهاية حتمية لحياة العبث واللهو التي ينغمسون فيها.

ثم تنضم امرأة جادة إلى مجموعة العبثيين، وتسعى إلى تغييرهم، وعرّفت العبث كما لاحظته عليهم بأنه:

"فقدان المعنى؛ معنى أي شيء. انهيار الإيمان، الإيمان بأي شيء. والسير في الحياة بدافع من الضرورة وحدها، ودون اقتناع، وبلا أمل حقيقي. وينعكس ذلك على الشخصية في صورة انحلال وسلبية، وتُمسي البطولة خرافةً وسخرية، ويستوي الخير والشر، ويُقدَّم أحدهما  - إذا قُدّم - بدافعٍ من الأنانية أو الجبن أو الانتهازية. وتموت القيم جميعًا وتنتهي الحضارة."


في الختام

عند ذكر أي عمل أدبي ينتمي إلى هذه المدارس الفلسفية، نجد القراء يختلفون في تصنيفه بين عدمي وعبثي ووجودي، فلماذا هذا الاختلاف؟

السبب يعود إلى طبيعة هذه الفلسفات التي تتفق على غياب المعنى، لكنها تختلف في تعاملها تجاه هذا الغياب. فمثلا يمكن لرواية أن تبدأ بنظرة عدمية (كل الأشياء فارغة ومآلها إلى العدم)، ثم تعاملها معاملة عبثية (سوف أقاوم وأستمر في الحياة رغم ذلك)، ثم تأخذ منحىً وجوديًا (سأخلق المعنى).