قصة قصيرة: عيد ميلاد سارة




تعج الذاكرة بالفجوات لتتيح لنا تمرير تبريراتٍ نطمس بها ما اقترفناه من خطايا أو هفوات.
أيقظني من نومي صداع مزعج، واستحوذ عليّ شعور بالعار. انهمكت أتذكر، "ماذا دهاني البارحة؟".
في تمام الساعة السابعة توجهت إلى حفلة عيد ميلاد سارة حاملًا معي قنينة نبيذ أحمر وبطاقة دوّنت عليها أمنياتي. شقتها مكتظة بطلبة من بلدان عدة. لفت انتباهي أحدهم بملامح شرق آسيوية يلبس قبعة سوداء مكتوب عليها بخط عربي "يفرح"، كان شخصا مرحًا، لا أتذكر اسمه.
بلغت سارة الحادية والعشرون، عمر مميز لأسباب بديهية. في المطبخ المفتوح على صالة الجلوس هنالك مجموعة تجهز الأطعمة، ومجموعة أخرى تدخن في البلكون وتشرب البيرة. وبعد إشارة متفق عليها، احتشدنا حول سارة وشرعنا نغني لها أغنية عيد الميلاد. لم تمر لحظات طويلة حتى انغمس وجه سارة بالكعك. تعالت الضحكات بينما ارتسمت على وجهها علامات الانزعاج وهي تتوجه لتغسله مع رفيقتها في السكن. صاحت بنا إحدى الفتيات، "لقد قضت أكثر من ساعة تزيّن شعرها ومكياجها". لا غرابة في ذلك، فمن بين المدعوين ذلك الشاب الذي كلنا يعرف مدى شغفها به. لم يكن وسيمًا. كان آسرًا، ويتمتع بقامة عالية خلاف الشائع في بلده.
هي مأخوذة به.
تناولنا العشاء وبقينا نتحدث إلى حوالي الساعة العاشرة حيث شرع بعض الحاضرين بالانصراف، حتى بقي سبعة أشخاص. شكلّنا حلقة في منتصفها طاولة منخفضة. بينما يجهز البعض لعبة شرب، كان صاحب القبعة السوداء يحمل ورقة مرسوم عليها عدة صور لأوضاع جنسية مختلفة، يسأل شخصًا شخصًا بنبرة ساخرة، "أيهما طريقتك المفضلة؟".
بدأت اللعبة.
وضعنا كأسا في منتصف الطاولة. على الشخص الذي يحل دوره إضافة الشراب الذي يريد إلى الكأس ثم يرمي النرد، وعلى حسب الرقم الناتج إما  أن يشرب ما في الكأس، أو يصرخ "أرض" وآخر شخص يشير بإصبعه للأسفل يجب عليه أن يشرب الكأس، أو قد لا يلزمه فعل شيء سوى تمرير الدور لمن بعده.
في أول عشر دقائق لم يكن في الكأس إلا كميّات قليلة من الشراب، لكن بعد ذلك استمر الدور في المرور على الجميع ولم يخسر أحد، حتى امتلأت الكأس بأنواع مختلفة من الكحول. وصل دوري، لم أخسر. اخترت شرابا، صببته، ثم كان بعدي رفيقة سارة في السكن.
خسِرَتْ.
عليها أن تشرب الكأس كلها. عرض عليها أكثر من شخص أن يساعدها بشرب القليل منه. رفضت، "أنا قوية في الشرب". شرعت تشربه، ولم أتمالك إلا أن مددت يدي لأوقف تدفقه في جوفها. رمقتني بنظرة حادة، ثم استأنفتْ. الكحول سم، يجب تناولها بمقدار وإلا حدث ما لا يُحمَد.
بعد دقائق من اللعب انزوت رفيقة سارة وأسندت ظهرها على الحائط، "أريد أن آخذ استراحة". لم تكن قوية. استمرينا في اللعب، إلا أن سارة كانت قلقة على رفيقتها. هرعتْ إليها، "استريحي في السرير، خذي غفوة".
لا أتذكر كم شربتُ، لكن كان عليّ أن أفرغ مثانتي. باب الغرفة المجاورة للحمام كان مواربًا. وقفت لحظات أفكر.
ثم ولجت.
الغرفة مظلمة سوى من نور متسلل من فتحة الباب. نائمة. اقتربت أتأملها. جلست إلى جانبها أفكر. مرارة الكحول تعتمل في فمي ونبضي يتسارع. اقتربت أكثر. قبّلتها. حركّت شفاهها كأنها تتذوق شيئا. قبلتها ثانية على مهل. القبلة شأن سائر الأفعال الحميميّة، تبهت حين لا يكون ثمة تفاعل.
فتَحَتْ عينيها.
تراجعتُ، "آسف، هل أن أن أن أنتِ بخير؟". لم أنتظر جوابها، لعلها لاتزال لم تدرك بعد مالذي حصل. خرجتُ إلى الصالة حيث كفوا عن اللعب وكانوا يتناقشون. جلست أستمع إليهم، وبعد دقائق غفوت. حين فتحت عينيّ كان المكان شبه خالٍ. سارة ورفيقتها جالستان إلى جانب بعض، وأمامهم صاحب القبعة السوداء. جاهدت لأن أقوم، ودعتهم وخرجت. لم أتمالك نفسي، عند مواقف السيارات تقيّأت. وقفت أتأمل القيء، "لكل مرحلة عمرية ما يناسبها من حماقات". ترنّحتُ إلى أن وصلت إلى سيارتي. رآني أحد الجيران فهبَّ مندفعا، "أرجوك لا تقد السيارة وأنت على هذه الحال". بالكاد أرفع عينيّ إليه.